علي كنعان
يؤكد لبنان المقاوم، شعبا وحكومة ومقاتلين، أن لا وجود إطلاقا للرجال خارج حدوده في أي نظام عربي. وحسان بن ثابت الأنصاري، قبل مئات السنين، يقول عن أمثال هذه المخلوقات الجوفاء التي تتحكم بمقادير الوطن العربي ومصير عشرات الملايين من أبناء هذه الأمة المنكوبة برعيانها وعرابيها وتجار دماء أبنائها:
لا عيبَ بالقوم من طولٍ ومن عِظَمٍ جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِكأنهم خشبٌ جوفٌ مكاسره مثقَّبٌ فيه أرواح الأعاصيرِهذا يحتم علينا أن نطرد هذه الأشباح من وعينا وذاكرتنا واهتمامنا لنولي سيدات الأمة جل اهتمامنا وأملنا “لعل وعسي…”. وسيكون أمامي، في مقبل الأيام، وقت طويل لبحث هذه المسألة.
أتوجه، اليوم، إلي السيدة بوش أملا في أن تضع حدا حاسما لهوس زوجها وسعاره الدموي في إطالة هذا العدوان الجهنمي علي لبنان وأطفال لبنان – نسغه الحي وعماد مستقبله المرتجي. لا شك أن السيدة تذكر ما فعلته كريستين في مسرحية يوجين أونيل “الحداد يليق بإلكترا”. لقد قتلت زوجها – بطل الحرب الجنرال إزرا مانون- الذي يذكرنا بمصرع آغاممنون، قائد التحالف الإغريقي في استباحة طروادة وتدميرها.
لا أريد أن أستعرض هنا موجات الاعتداءات الغربية علي الشرق بدءا من ذلك التاريخ السحيق، ولكني أرجو أن تكون السيدة بوش ما زالت تتمتع بشيء من الحس الإنساني والضمير المسيحي والنزاهة الأخلاقية لتقف ضد هذه المجازر المروعة التي ارتكبها زوجها المأفون بحماقة إجرامية لا تنسي ولا تغتفر. قد يبدو رجائي هذا ضربا من الجنون أو السذاجة أو التفاؤل المتهافت، لكن جنوني لن يبلغ درجة السعار الوحشي الذي يمتاز به إمبراطور البيت الأبيض.. ولن يكون من معدنه.
وإذا كنت أكره حكم القتل والإعدام حتي لأعتي مجرمي الحروب العدوانية من أمثال هذا المسؤول النازي المتوحش، فإني أتوقع من السيدة بوش أن تأمر بوضع قرينها في محجر صحي – كما فعلت يوم كان يعاني من الإدمان في مطلع شبابه. وبعد أن يتماثل للشفاء أو يخف خطره، أتمني أن تضعه في قفص ليعرض في ساحات المدن، علي امتداد العالم، بدءا من لبنان.. وهو محاط بصور ضحاياه.
يوم كتب أونيل ثلاثيته تلك في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين لم يحفل بالقدر الإغريقي الذي شغل معلمه أسخيلوس، بل ركز كثيرا علي الأمراض النفسية وأحوال العشق والخيانة، وكان يفصله عن المكارثية العشواء ربع قرن من الزمن القادم. أما اليوم، وبعد أن اندمجت مصالح عتاة الصهيونية بغيلان شركات النفط وأصحاب مصانع الأسلحة في الولايات المتحدة، فقد تحولت تلك الأمراض إلي وباء عالمي جارف ستدفع كثير من الشعوب العربية والإسلامية والإفريقية والأميركية اللاتينية ثمنا باهظا وكارثيا له.. وطوال سنين، إذا لم تحدث في القارات الخمس معجزات شعبية مماثلة لهذه الملحمة البطولية التي يقدمها رجال المقاومة في الجنوب اللبناني ومن يقف وراءهم من هذا الشعب العظيم، في مختلف مجالات الرعاية والاحتضان والإيواء والإسعاف والتموين والعلاج. لا تطمح هذه الكلمات إلي تقديم خطة متكاملة للسيدة بوش حتي تتمكن من لجم هذا الوحش القابع في بيته الأبيض أو الريفي، والمتسلل إلي غرفة نومها، كأن تقوم بحقنه بالمسكنات الضرورية اللازمة، فهي أدري بحالته الهستيرية الراهنة، كما أنها تختزن معرفة تفصيلية واسعة بتاريخه المرضي. لكني أحاول تذكيرها بتلك المسرحية وبما فعلته مواطنتها الرائدة كريستين.
وأود هنا أن أشير إلي الفارق الإنساني الكبير والمسؤولية الأخلاقية المثلي بين ما فعلته كرستين، حماية لعشقها الآثم، وبين ما يمكن أن تفعله السيدة بوش لوضع حد لهذه الكارثة الجهنمية التي يصر زوجها علي استمرارها والتلذذ بمشاهد الدم والدمار في تجديد فصولها من فلسطين إلي العراق إلي لبنان. إن بيروت لن تكون طروادة معاصرة، لأنها ستخرج كالفينيق من تحت الحرائق والأنقاض وأشلاء الضحايا والشهداء. ستلاحق هذا المجرم العالمي الكبير كما ستلاحق بقية المجرمين الأقزام، كطائر الصدي في أساطير العرب الباقية علي امتداد الأجيال القادمة.
إذا كانت السيدة بوش أمًّا حقيقية، امرأة أصيلة، إنسانا حقا، وليست زوجة إمبراطور معتوه.. ومتعاطفة معه، فإننا ننتظر منها أن تقوم بعمل إنساني وأخلاقي وبطولي كبير في سبيل إنهاء الكارثة. وإلا… فيا لبؤس أحلامي المعجونة بالأوهام! وسأبادر إلي الاعتذار من هوميروس وأسخيلوس وأونيل معا، لأن الشهامة الإنسانية في عصرنا لم تتبخر من رؤوس أسياد العالم – أشباه الرجال وحدهم، لكني أخشي أن تكون قد تلاشت حتي من رؤوس سيدات الصف الأول كذلك بفعل المعاشرة والجوار. في هذه الحالة، ليس لنا إلا أن ننتظر، وعسي ألا يطول الانتظار… كاتب من سورية