رواية «خلف السور بقليل» للقاص والروائي عبد السميع بنصابر رواية شيقة، سواء من حيث التقنيات السردية الموظفة، أم من حيث المجتمع الروائي، أم من حيث الموضوعات التي تثيرها الرواية بلا مهادنة ولا ارتياب.
تحكي الرواية أحداث قصتين، إحداهما تمثل القصة المؤَطِّرةَ، أو المركزية وهي قصة بوجمعة الملقب بحميمصة، والثانية تمثل القصة المؤَطَّرةَ، وهي وقصة رجل المزبلة، وهما قصتان تسيران على حد خنجر واحد، وبينهما وشائج كثيرة. تبدأ الرواية بتصوير أحلام البدو الذين باعوا أراضيهم لأجل الاستقرار في المدينة، طمعا في التخلص من المنازل الطينية والحياة الواطئة هناك، لكن سرعان ما اكتشفوا أنهم كانوا حالمين فقط… هكذا استطاعوا أن يشيدوا لهم حيا اسمه تيشكا، خلف سور المدينة بقليل.
القصّة المؤَطِّرَةٌ
تحاول الرواية أن تنقل لنا معاناة السكان في هذا الحي الخطير عبر شخصية البطل بوجمعة، الملقب بحميمصة، أما باقي الشخوص التي تنتمي إلى حيه، فتصور لنا جانبا من جوانب الحياة هناك؛ بوجمعة هو ابن الطاهر، ثالث الرجال الذين غادروا القرية واستقروا في حي تيشكا، وأبوه هذا حلاق، متعدد المهام، ففضلا عن الحلاقة، فهو يشتغل في السوق الأسبوعي، ختانا وطبيب الأسنان، يخلع الأضراس بكلابه، تزوج من فتاة هناك في الحي اسمها رقية، وانجب منها ولدين، أكبرهما هادئ ومحبب لدى أبيه واسمه التهامي، أما الثاني فاسمه بوجمعة ويلقب لدى أبناء الحي بـ»حميمصة» وهو بطل الرواية، بدأ حياته مريدا في الكتاب، لكنه غادره كما غادر الدراسة في الإعدادي، بسبب صديقه إسماعيل، ذلك الفتى النزق الذي جره نحو اللصوصية والمغامرات… كانت الأحداث في البدء متوازنة، لكن سرعان ما تعقدت وتلونت بالصراع، خصوصا بعد علم الطاهر أن ابنه المغضوب عليه «حميمصة» تعرف على فتاة من المدينة، اسمها نعيمة وهي ابنة المعلمة.. لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه حميمصة ولا تتمناه نعيمة، إذ في الوقت الذي كبر حميمصة، وبدا متعلقا بنعيمة أكثر من اللازم، بل بدأ يشعر بأنه رجل، خصوصا أنه أصبح يجني بعض النقود من الألمنيوم والنحاس الذي يجمعه من المزبلة الكبيرة البعيدة عن الحي.. في هذا الوقت بالذات تفاجأ بأن نعيمة كتبت له رسالة تخبره بأن أمها اكتشفت علاقتها به عبر الرسائل التي كانا يتراسلانها، ولذلك خيرتها بأن تنهي علاقتها به أو ترمي بها عند خالتها بعيدا عن الحي، بل إن أمها وهي معلمة قررت أن تغادر المدينة بصفة نهائية لتعود إلى الشمال، حيث يقطن ابن خالها الذي ترغب في أن يتزوجها… أمام هذه الأحداث المتسارعة قرر حميمصة أن ينتحر، لكن رجل المزبلة نصحه بأن يعدل عن فكرته البلهاء، فهو على كل حال مايزال صغيرا على أن يتخذ هذا القرار، ولذلك قرر ان ينسى أمر نعيمة، كما نسي أمر صديقه إسماعيل الذي انقطعت علاقته به…
تحاول الرواية أن تنقل لنا معاناة السكان في هذا الحي الخطير عبر شخصية البطل بوجمعة، الملقب بحميمصة، أما باقي الشخوص التي تنتمي إلى حيه، فتصور لنا جانبا من جوانب الحياة هناك
القصة المؤطَّرة
اتخذت الرواية مسارا سرديا آخر، بطله رجل المزبلة، الذي حمل لعنة أبيه وأمه وتسبب في وفاتهما، إذا كان طفلا صغيرا يحضر الولائم التي كان أبوه يقيمها ويدعو رجالات القرية لحضورها، فيستمعون لغريب حكاياته وبطولاته، لكن الأمر الذي علق في أذنه، هو رؤيا أبيه، وفحواها أن أباه رأى القمر قد نزل قبالته وانشق نصفين، فخرج منه طيف أخبره أن ابنه سيكون منقذ الأمة من المشاكل ومخلصها من الشرور، وسينعم الناس بالسعادة بفضله.. ومنذ ذلك اليوم أصبح أبوه منعزلا عن الناس، نحيفا، حتى مات غما وكمدا، فعلمت الأم سبب موته، فحقدت على ابنها، ولم تعد تهتم به إلى أن ماتت هي الأخرى غما وكمدا، وهكذا أخذه عمه معه إلى قريته، لكن عمه هذا توفي هو الآخر بعد حين، فباع رجل المزبلة ميراثه، وغادر القرية إلى حي تيشكا، فاشترى بيتا، وتعرف على طالبة فقيرة كانت تستعين بجسدها على الدارسة، أحبها كثيرا فتزوجها، لكن سرعان ما فتر بهاؤها ولم يعد يهتم بها، فغادرته بعد أن تركت له رسالة، تؤنبه على تهميشه لها وتخبره برغبتها في ولوج الوظيفة العمومية.. وبعد ذلك تعرف على جندي، اقترح عليه أن ينضم إلى الجندية، فقبل ذلك لكن عليه أن يدفع مقابلا كبيرا، فباع بيته… لكن لم يتخلص من جحيم الذكريات رغم انضمامه إلى الجندية، فقد سكن في قبو هناك في الصحراء رفقة جندي آخر، انتحر في ما بعد وترك كتبه.. لقد أصبح رجل المزبلة جنديا حالما، غارقا في قراءة الكتب التي ورثها عن الجندي المنتحر، حتى أنه صار يهذي بصوت عال، فنسي زوجته لشهور، كما صار الذين من حوله، أشياء تافهة لا قيمة لها في عالمه الخاص، وحتى المساءلات التي كان يتعرض لها من قبل الكومندار الكبير لم يكن يبالي بها، بل حتى خيانة زوجته له مع جندي يعرفه، لم تحدث أثرا يذكر في ذهنه، بل الأكثر من ذلك أن زوجته التي كانت طالبة دخلت الوظيفة العمومية، فأنجبت معه ابنة، وبعثت له برسالة تخبره بذلك، فلم يكلف نفسه حتى كتابة رسالة يرد فيها عليها… بعد مدة أصبح رجل المزبلة يعيش موتا بطيئا، إذا طرد من الجندية، وبنى له كوخا وسط المزبلة، وعاش هناك إلى أن توفي…
القارئ قبل أن ينهي قراءة قصة «رجل المزبلة» ليتساءل لماذا أقحم الكاتب هذه القصة في الرواية؟، لكن هذا التساؤل تنطفئ جذوته مع استمرار السرد، إذ تخبر الرواية أن رجل المزبلة هو أبو نعيمة، ابنة المعلمة، الفتاة التي أحبها حميمصة وأحبته، وأن المعلمة هي الطالبة التي تزوجها رجل المزبلة، وغادرته بعد أن سئمت الحياة معه، وأخبرته أنها ترغب في ولوج الوظيفة العمومية.