باولو كويليو في روايته إحدي عشرة دقيقة : مقاربة المدنس لفهم المقدس في أقدم مهنة في التاريخ
علاء اللاميباولو كويليو في روايته إحدي عشرة دقيقة : مقاربة المدنس لفهم المقدس في أقدم مهنة في التاريخبالبساطة الآسرة والشفيفة ذاتها والتي تذوقها القارئ في رائعته الخيميائي ينسج الروائي البرازيلي باولو كويليو أديم رواية إحدي عشرة دقيقة بصبر واستبصار وسوية فنية عالية.إنها حكاية،لفرط بساطتها وعاديتها، يمكن أن تحتسب لأول وهلة ضمن الإنتاج الروائي التجاري الساذج، غير أن عمق المعالجة ودقة تقانتها لمقاربة موضوع علي درجة عالية من الجدية والخطورة ترقي بهذا الكتاب مرقي الأعمال الروائية الكبيرة التي قدمها هذا الساحر البرازيلي علي حد وصف الناقد الأدبي لجريدة نيويورك تايمز . إنها حكاية الفتاة البرازيلية الجميلة والفقيرة ماريا ، هي ليست فقيرة بمعني معدمة، لنقل إنها من قاع الطبقة الوسطي، لأب يعمل وكيلا لشركة تجارية وأم تعمل خيَّاطة. ماريا الجميلة هذه تنتهي بها مغامرتها للبحث عن حياة تليق بجمالها وعن الغني والسعادة التي اعتقدت أن محبها، صاحب معمل النسيج الذي كانت تعمل فيه، غير قادر علي تقديمها لها، لأن تكون مومسا محترفة في أحد شوارع مدينة جنيف السويسرية وبالضبط في مقهي كوباكابانا في شارع بيرن . و ماريا شخصية حقيقية حرص كويليو علي التقاط صورة مشتركة له معها عند ساعة الزهور الشهيرة في تلك المدينة ونشرت تلك الصورة في الغلاف الداخلي للرواية. يغتنم كويليو بساطة المادة الأولية لهذه الحكاية البسيطة ليطرح أكثر الأسئلة جدية وعمقا عن موضوع العهر الجنسي في العالم المعاصر، وعن الجنس وكيف صار تجارة نافقة وظاهرة لافتة وجزءاً من نمط حياة مجتمعي معين. الكاتب نفسه يسجل أنه لا يدعي (كتابة دراسة للدعارة) ويضيف (حاولت أن أتجنب تماما الحكم علي الشخصية الرئيسية بسبب اختيارها. إن ما يثير اهتمامي حقا هو الطرق المختلفة التي يقارب بها الناس موضوع الجنس). يمكن القول بأن لا جديد في البنية الحَدَثِيَّة للرواية فلم يأت كويليو بما هو خارق واستثنائي وجديد حدثياً، بل يمكن لكاتب متوسط الموهبة أن يقود بطلته ماريا بمواصفاتها المعلنة ـ كمشروع مومس من العالم الثالث في أزقة مدينة من مدن أوروبا الغربية ـ في شبكة مشابهة من الأحداث المتوالية والمتوقعة والوقائع المحتملة إلي هذا الحد أو ذاك للشبكة التي رسمها كويليو دون أن يؤثر ذلك علي نوعية العمل صعودا أو هبوطا، غير أن الجديد الذي يمنح هذا العمل فرادة خاصة عند كويليو يكمن في أمرين: طراز المعالجة الروائية للمضمون والنوعية الخاصة جدا للفكر الإنساني النقدي والعقلاني الذي صيغ منه وبه ذلك المضمون. إنها مقاربة شديدة العمق والتعقيد لطبيعة الجنس وسيرورته التاريخية عند بني البشر ولتحولاته من غرار مقدس له حصته الكبري من المتن الديني والفلسفي والجمالي شرقا وغربا إلي شأن مُدَنَس أو علامة هي الأوضح علي الدَنس. وربما لا يعلم كويليو مع أنه من الملمين بالتراث العربي كما يبدو من مقدمته الخاصة لأعماله المترجمة إلي العربية بأن كلمة قديسة أو قديشة باللغة العبرية كانت تعني في التراث العراقي الرافداني القديم نقيض ما تعنيه اليوم حيث القديشة هي الصفة التي كانت تطلق علي العاهرة المقدسة التي نذرت نفسها لتعاطي الجنس المقدس في الطبقة العليا من المعبد البابلي الزقورة ! وهذه لمحة قد لا تكون بعيدة عن محاولة البرازيلي لفهم التحولات والوشائج والحال الناتجة حضاريا في عصرنا لهذه القضية الأخلاقية الكبري. يبدأ القارئ رحلته المشوّقة مع هذه الرواية باشتباك فني بين كويليو وكويليو ذاته فهو يبدأ النص بعبارة كان ما كان، كانت هناك عاهرة تدعي ماريا ثم يستدرك أن هذه العبارة هي المثلي لبدء قصة خرافية للأطفال أما كلمة عاهرة فهي تستعمل للبالغين فكيف السبيل إلي حل هذا التناقض البَيِّن؟ هذه الفقرة تضع أقدامنا علي أرضية أراد لها المؤلف أن تكون متناقضة بهدف استجلاب المزيد من الغني والتعقيد للموضوع مع المحافظة علي الطاقات الإبداعية الكامنة في القص الخرافي الموجه غالبا للأطفال. لعل مَن قرأ روايته الخيميائي سيفهم علي الفور أن تقنية وأسلوبية هذه الرواية هما حقا تلكما الماثلتان في القص الخرافي الطفولي لدرجة يمكن اعتبار الكتاب ـ الخيميائي ـ معها كتابا مدرسيا تنتظم فيه حكايات غرائبية محملة بدلالات أخلاقية بالغة التنوع والثراء. ينطلق كويليو بمتابعة وتسجيل تفاصيل حياة ماريا،بدءا من لحظة ولادتها (عذراء كسائر العاهرات) كما يستدرك مازحا، فمرحلة مراهقتها،وتشوفها إلي فارس أحلامها، وحماقات الصِّبا، وخيبات الشباب، وصولا إلي اليوم الذي تستفيق فيه من النوم وقد وصلتها رسالة البلوغ الجنسي علي هيئة خيط من الدم الأحمر بين ساقيها! حياة عادية لا تثير الكثير من الاهتمام، ولولا بساطة وحيوية الرَّوْي وأناقة المشاهد والوقائع المنتقاة والمتخيلة لكانت باعثة علي السأم فعلا، غير أننا، ومتي ما بلغنا لقاء ماريا برجل الأعمال السويسري، والذي لم يكن في واقع الأمر سوي قواد أو نخاس يبحث عن البرازيليات الحسناوات ذوات الأجساد الرشيقة المتناسقة والمثيرة والجاذبة لزبائن ملهاه الليلي، حتي ندخل قلب الرواية المضموني وتأسرنا الأحداث والوقائع التي تتري بشكل لا يخلو من نكهة الحتمانية غير المبرأة من المبالغة في التخطيط.من التقنيات التي يلجأ إليها كويليو مذكرات الشخصية الرئيسة للرواية. إن تلك المذكرات المبتسرة والمتناثرة حسب الحاجة السردية مكتوبة بلغة بسيطة هي الأخري وقد جهد المؤلف أن يجعلها بمستوي كتابات الفتاة الريفية المتورطة بحالة كالتي نحن بصددها. وقد حاول المؤلف استخدام هذه الأسلوبية في سبر الأغوار النفسية للفتاة وهي تتأرجح بين الاستجابة والرفض قبل أن تأخذ قرارها النهائي بأن تكون عاهرة: فبعد أن تطرد من عملها كراقصة أو مضيفة في الملهي الليلي لروجيه السويسري تستقل ماريا بذاتها وتسكن غرفة صغيرة محاولة العثور علي عمل آخر تقودها المصادفات إلي التعرف علي فتي عربي يعيش معها لفترة ثم يختفي ثم تتعرف إلي عربي آخر، غني ومثقف فهو يعرف الكثير عن الفن التشكيلي وخصوصا الفنان خوان ميرو والفن السينمائي للرائد الإيطالي فيدريكو فلليني ويبحث عن مومس يقضي وطره منها سريعا لقاء ألف فرنك سويسري (نموذج عربي كهذا يمكن اعتباره خلطة روائية شديدة الندرة، إن لم تكن فضائحية، في الرواية والواقع العربيَين!) ويدعوها هذا الأخير إلي العشاء في أحد المطاعم الراقية حيث يعرض عليها مرافقته لشرب كأس في شقته بعد أن يحدد لها أجرها.. تتردد، تتأرجح، تلتهب، تطلب من مضيفها أن يسكب لها المزيد من الخمر ثم تحزم أمرها وتذهب معه ليبدأ مشوارها الطويل… يمكن للقارئ العربي أن يتوقف عند إصرار المؤلف علي نموذج الفحل العربي في مناسبتين أولاهما تبدو ضعيفة التبرير سرديا، وثانيتهما مرتبكة كخلطة ، غير أن وقفة القارئ لن تطول حين يتعرف فيما بعد علي زبون آخر لماريا هو رجل بريطاني مصاب بالمازوخية والسادية معا، يأتيها خصيصا من لندن إلي جنيف ليجلدها بالسياط وتجلده بدورها مقابل حفنة من الدولارات! بكلام آخر، أكثر تساهلا، يمكن الاعتقاد بأن دلالات الترميز لجنسية هذه الشخصية الروائية أو تلك خالية من نوازع ذاتية هاجية لدي المؤلف لأنها تنبع أساسا من مكونات الحالة العامة والتاريخية السائدة في أوروبا حاليا.يقترب المؤلف من جوهر مسألة المسؤولية الشخصية ـ بالمفهوم الوجودي للعبارة ـ في خيارات النساء اللائي اخترن هذا الطريق كمهنة فيجعلنا نقرأ ما كتبته ماريا في دفتر مذكراتها الطريف بعد سهرتها الأولي مع الفتي العربي. نقرأ إذاً الفقرة التالية المشحونة بالمعني (أذكر كل شيء إلا اللحظة التي اتخذت فيها قراري. الغريب في الموضوع هو أنه لم يساورني أي شعور بالذنب. كنت فيما مضي، انظر إلي الفتيات اللواتي يضاجعن الرجال مقابل مبلغ يتقاضينه وكأنهن كائنات لم تترك لهم الحياة أي خيار آخر. أما الآن فأنا أدرك أن هذا ليس صحيحا. كان بإمكاني أن أقول نعم أو لا، ولم يجبرني أحد علي القيام بما كنت لا أرغب القيام فيه (…) لا أشفق علي نفسي ولا اعتبر نفسي ضحية. كان بإمكاني الخروج من المطعم دون أن تمس كرامتي، وبمحفظة نقود فارغة.ص 65). هذه الفقرة تحمل قلب المفهوم الأخلاقي الذي ـ كما يبدو ـ أراد كويليو الدفاع عنه وتطويره ليغدو فيما بعد شبكة من الأفكار. باختصار شديد ـ قد لا يخلو من تبسيط لا بد منه ـ فنحن إزاء خيارين لا ثالث لهما: امرأة مصانة الكرامة ومحفظة نقود فارغة، أو العكس تماما.غوصاً في أعماق التجربة الحياتية لأمثال ماريا والتي ستكون بمثابة التربة الحقيقية الفاعلة لتحبيذ خيارات مضادة وسالبة لإنسانية المرأة، يكتب كويليو وعلي لسان ماريا في مذكراتها و بوضح صادم (ماذا سأخسر إذا قررت يوما أن أصير عاهرة لبعض الوقت؟ ماذا يمنعني: الشرف، الكرامة أم احترام الذات؟ لو فكرت في هذه الفضائل جيدا لوجدت أنني لم امتلكها قط في حياتي… أترك الآن للأقدار أن تقرر مصيري ص 72).اللعبة التي تلعبها ماريا / كويليو ليست بالبساطة التي تقولها الطبقة الأولي لهذا النص: فهي قد اتخذت قرارها علي قاعدة أنها لن تفقد ما ستأخذه مهنتها كمومس لأنها أصلا لا تحوز تلك الفضائل ، وفاقد الشيء لا يطيل المساومة علي شرائه أو بيعه. غير أنها وقد اتخذت قرارها تعود وتسلم قيادها للأقدار لكي تقرر مصيرها وتلك حلقة مفرغة لا خروج منها علي الصعيد المنطقي لا علي الصعيد الأخلاقي. التوقف عند هذه الشذرات المضمونية لا تغمط شذرات وفقرات مهمة أخري وردت في الشبكة المفهومية التي تضمنها هذا العمل غير أنها تريد التأشير والإشارة لا غير. النقلة الشاعرية التي تدخل كموجة ضوء رائعة في مخطط الرواية هي تلك الخاصة بتجربة الحب الأخيرة التي تقع فيها ماريا مع رسام سويسري خائب ومحبط عاطفيا وجنسيا وناجح فنيا وغني جدا حين يكتشف أن في وجهها ضوءا خاصا لا تخطئه عين الفنان فيطلب منها أن تسمح له برسم بورتريه لها. ومن هنا، وقد بلغنا نهاية الرواية، تبدأ عملية اكتشاف الضوء في قطعة الظلام البائسة والمسحوقة والمقايضة لكرامتها بالدولارات تلك التي تسمي ماريا ، لتنتهي تجربتها بحب جامح وعاصف بين كائنين محبطين ولكنهما ينطويان علي الكثير من الضوء.بقي أن نسجل أن عنوان الرواية إحدي عشرة دقيقة كان عنوانا لكتاب فكرت بكتابته ماريا المومس ذاتها، وتعني به تلك الفترة الزمنية التي تستغرقها المومس في تقديم بضاعتها للزبون بدءا من لحظة خلع ملابسها إلي لحظة ارتدائها ثانية. إنها علي ما تؤكد تجربة جميع ماريات العالم ليست إلا إحدي عشرة دقيقة من الألم الإنساني المنطوي علي مناحة حزينة وغامضة تؤديها الأنثي منذ أقدم العصور في هذه المهنة السالبة لكرامة المرأة والتي تقلب المقدس مدنسا!كاتب من العراقwww.albadeeliraq.com0