وجه ترامب ضربات موجعة للأوروبيين في التعامل التجاري وقلل من أهمية منظمة شمال الحلف الأطلسي. وبهذا يكون قد ضرب أهم مبدأين تقوم عليهما الشراكة الغربية.
لندن-القدس العربي”: يعتزم الرئيس الأمريكي الجديد الديمقراطي جو بايدن إعادة الولايات المتحدة إلى العمل المشترك بالتنسيق مع المنتظم الدولي بل تزعم الغرب مجددا بعد أربع سنوات من سياسة الانعزالية التي طبقها الرئيس الجمهوري دونالد ترامب. لكن المهمة ليست بالسهلة بحكم الضرر الذي ألحقه الأخير بالوضع الاعتباري والجيوسياسي لواشنطن في الساحة السياسية وأعين الرأي العالمي.
وسيتولى الرئيس بايدن تسيير أوضاع البلاد ابتداء من 20 كانون الثاني/يناير المقبل، وقد حدد أجندة تتكون من ثلاث نقاط رئيسية بل ومصيرية نسبيا للولايات المتحدة بعضها على المدى القريب جدا وهو مواجهة فيروس كورونا ثم وضع استراتيجية إنعاش اقتصادي وأخيرا تزعم العالم الغربي في مواجهة نفوذ الثنائي الصين-روسيا.
ويجمع المحللون على أن رحيل دونالد ترامب يعني رحيل سياسي خسر الانتخابات لكن الضرر الذي ألحقه بالوضع الداخلي للولايات المتحدة كبير للغاية. وتناولت مجلة “ذي أتلانتيك” يوم الجمعة من الأسبوع الجاري هذا الضرر في مقال عميق باسم “الضرر سيستمر” من توقيع الباحث يوري فريدمان. ومن عناوين هذا الضرر المس بأسس الديمقراطية الأمريكية، حيث لم يسبق لأي رئيس أمريكي أو في الغرب أن أعرب عن رفض نتائج انتخابات شفافة وشكك فيها وحاول ضرب المصداقية الديمقراطية حتى وقع هذا مع ترامب.
ويمكن تلخيص الضرر الداخلي في مشاعر القومية الوطنية التي أحياها ترامب وجعل منها ما يشبه اليمين القومي المتطرف في أوروبا، فقد صوت عليه ما يفوق 71 مليون أمريكي، في ثاني أكبر نسبة من الأصوات في تاريخ البلاد بعد تلك التي حصل عليها بادين بما يفوق 75 مليون صوت، وجزء من 71 مليون يؤمن بالأفكار المتطرفة التي ستعيق التناغم الداخلي.
في غضون ذلك، إذا كانت المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة صلبة لاحتواء التصدع مستقبلا، يبقى التحدي الحقيقي في السياسة الخارجية الأمريكية، أي زعامة الولايات المتحدة للعالم وخاصة العالم الغربي. لقد انسحب ترامب من السياسة العالمية سواء من منظمات مثل اليونسكو أو منظمة الصحة العالمية أو التقليل من منظمة شمال الحلف الأطلسي ومن تقديم المساعدات إلى العالم الثالث. وهذا الفراغ، وجد من يملأه تدريجيا وأساسا الصين في المجال التجاري والمساعدات وروسيا في المجال العسكري. وعليه، سيواجه الرئيس الجديد جو بايدن تحدي بناء التمركز الأمريكي مجددا في الخريطة الجيوسياسية العالمية.
ويجد جو بايدن أمامه عالما جديدا آخذا في التشكل، عالم أهم ما يميزه هو ضعف اعتماد الحلفاء والشركاء على واشنطن من جهة، وحدة التنافس الذي تشكله الصين وروسيا من الناحية الاقتصادية والعسكرية. ويبقى التساؤل: هل سينجح بايدن في استعادة ثقة الأوروبيين والحيلولة دون رهانهم الكبير على الاستقلالية؟ ويقوم الغرب بمفهومه الحالي على العلاقة الأطلسية بين ضفتي المحيط وعلى العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وكل تصدع في هذه العلاقة، يعني بدء تراجع الغرب لصالح قوى أخرى مثل الصين.
وتميزت العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة خلال الأربع سنوات الأخيرة بتوتر كبير للغاية، ولم يسبق تسجيل ملاسنات بين الطرفين مثلما حدث مع حقبة دونالد ترامب. وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل المعروفة بهدوئها ولباقتها في العلاقات الدولية قد أدلت بتصريحات قوية ضد دونالد ترامب بسبب ما وصفتها “السياسة العشوائية للبيت الأبيض”.
لقد وجه ترامب ضربات موجعة للأوروبيين في التعامل التجاري بسبب العودة إلى الحمائية الجمركية. في الوقت ذاته، قلل من أهمية منظمة شمال الحلف الأطلسي. وبهذا يكون قد ضرب أهم مبدأين تقوم عليهما الشراكة الغربية وهي حرية التجارة ومبدأ الدفاع المشترك.
ولا يعد رحيل ترامب بالنسبة للأوروبيين نهاية هذا الكابوس، فقد ترك الرئيس الجمهوري تصورا وسط الإدارة الأمريكية قد يغيب في عهد جو بايدن ولكن هناك احتمال عودته مع رئيس جمهوري مقبل. ومباشرة بعد تولي ترامب الرئاسة بدأت خيوط سياسته تتضح، قرر قادة الاتحاد الأوربي وخاصة المحور الرئيسي برلين-باريس بدء إعادة تأسيس الاتحاد الأوروبي سنة 2017 كرد فعل على سياسة ترامب وانسحاب بريطانيا من الاتحاد بعد بريكسيت. ويشمل هذا التطور الذي يحمل “إعادة بناء الاتحاد الأوروبي” بناء قوة عسكرية وسياسية وتجارية موحدة مستقبلا ثم وضع أسس التعامل مع القوى الكبرى الصين وروسيا والولايات المتحدة.
ومن أبرز المحطات في هذا المسلسل، توقيع وزراء الدفاع الأوروبي يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 على وثيقة التكامل العسكري التي تهدف إلى تطوير البحث والتنسيق العسكري بين الدول الأوروبية. وقتها، صرحت فيدريكا موغيريني التي كانت تشغل منصب الممثلة العليا للسياسة الخارجية للاتحاد “أننا نعيش لحظة تاريخية للدفاع الأوروبي، وهذا الاتفاق سيسمح بزيادة تطوير قدراتنا العسكرية لتعزيز استقلاليتنا الإستراتيجية”. ولإبراز القرار، قالت وزيرة الدفاع الألمانية حينئذ أورسولا فون در ليين “كان من المهم لنا، خصوصا بعد انتخاب الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) أن نتمكن من تنظيم صفوفنا بشكل مستقل، بصفتنا أوروبيين. هذا أمر مكمل لحلف شمال الأطلسي، ونحن نرى أن أحدا لن يستطيع بدلا منا إيجاد حل للمشاكل الأمنية التي تواجهها أوروبا في محيطها. يجب أن نقوم بذلك نحن بأنفسنا”.
وعمليا، تعد مهمة “إيرني” مراقبة السواحل الليبية لمنع تسرب الأسلحة إلى هذا البلد المصادق عليها آذار/مارس الماضي ضمن تصور استقلالية القرار الاستراتيجي الأوروبي في مجال الدفاع.
وما زال التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي هو الأضخم في الوقت الراهن والأكبر من نوعه في التاريخ حتى الآن بحوالي 610 مليار دولار سنويا. ووعيا منها بسياسة الحمائية الجمركية التي بدأها ترامب وهمش اتفاقية التبادل التجاري التي كانت إدارة باراك أوباما ترغب فيها، قرر الاتحاد الأوروبي تنويع شركائه بشكل استراتيجي مما يخدم مصالحه المستقبلية. في هذا الصدد، ورغم المشاكل التجارية الكثيرة مع الصين وكذلك الملفات الحقوقية والسياسية، قرر الاتحاد الأوروبي تعاملا براغماتيا مع عملاق التجارة العالمية دون تنسيق مع الولايات المتحدة. وكانت جريدة “لوموند” قد أشارت في بعض افتتاحياتها منتصف ايلول/سبتمبر الماضي إلى أهمية العلاقة التي يرسيها الاتحاد مع الصين في وقت تخلت فيه واشنطن عن الأوروبيين. ويسجل التبادل التجاري في الوقت الراهن 560 مليار دولار، وقد يصبح في ظرف سنوات قليلة ما يقارب 700 مليار دولار، أي الأعلى في التاريخ بحكم أن الاتفاقية التجارية الموقعة خلال ايلول/سبتمبر الماضي بين الطرفين تأتي لتصحيح الميزان التجاري الذي يصب لصالح الصين.
يرسم الاتحاد الأوروبي سياسته المستقلة المستقبلية بعيدا عن وصاية واشنطن، وهو حلم قديم قام بتسريعه الرئيس دونالد ترامب بسياسته التي رفعت شعار “أمريكا أولا” دون الأخذ بعين الاعتبار التاريخ المشترك مع المكون الثاني للغرب وهو أوروبا باستثناء نسبيا بريطانيا التي غادرت سفينة الاتحاد. ورغم الترحيب الأوروبي بفوز المرشح الديمقراطي، سيجد بايدن صعوبة كبيرة في إعادة بناء جسور الثقة على شاكلة الماضي، لأن الأوروبيين أخذوا الدرس من سياسة ترامب. وتراجع جودة العلاقات الأطلسية هو أكبر ضرر تسبب فيه ترامب منذ الحرب العالمية الثانية وأكبر ضربة يتلقاها الغرب بسبب ظهور أنظمة نازية وفاشية. ويحدث هذا في وقت يتعاظم فيه النفوذ الصيني عالميا.