في الوقت الذي تتدهور فيه أفغانستان نحو الفوضى، وباتت الولايات المتحدة غير مستعدة، وقف بايدن أمام مواطنيه، لكنه فضل التحدث عن موضوع آخر. خطاب الرئيس الأمريكي الذي ألقاه يوم الاثنين، قدم رداً مفصلاً لسؤال سأله العالم من قبل. لقد أراد تناول خيار الانسحاب من أفغانستان حتى نهاية آب المقبل. وكانت له مبررات كثيرة وجميعها ممتازة. ولكن رده على السؤال الملح الذي يشغل معظم دول العالم “لماذا خرج الانسحاب الأمريكي عن السيطرة؟” كان رداً قصيراً وغير مقنع.
“أشعر بالحزن الكبير على الحقائق التي نواجهها، لكني غير نادم على قراري وقرار أمريكا بإنهاء القتال في أفغانستان كي نستطيع مواجهة الإرهاب في أرجاء العالم”، قال بايدن.
لقد أظهر بايدن الشفقة على الأفغان، لكنه في الوقت نفسه وصف الانسحاب عن بعد وكأنه قوة للطبيعة وليس قراراً اتخذه هو نفسه. كرئيس، هو قادر أيضاً على مضاعفة حجم القوات في أفغانستان بجرة قلم. الانطباع الذي تولد هو عدم المبالاة بوضع العملاء الأفغان الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة وبقوا في الخلف.
إن قراره إلقاء خطاب خاص للأمة الأمريكية، وعودته من إجازته في كامب ديفيد من أجل ذلك، يدل على أن بايدن شعر بالضغط. في خطابه، أراد التوضيح للأمريكيين بأنه خلافاً لسلفه دونالد ترامب، هو رئيس يتحمل المسؤولية. كرر بايدن التعبير المنسوب للرئيس هاري ترومان: “أتحمل المسؤولية”. هذه إعادة صياغة لمقولة قديمة حول تحمل المسؤولية، التي ظهرت على لوحة احتفظ بها ترومان على طاولته. كانت هذه هي الرسالة التي عرضها على كل زائر في الغرفة البيضاوية، ثمة صاحب للبيت وثمة مسؤولية.
إعلان بايدن بات مسموعاً وظهر بشكل جيد، لكن سيكون فعالاً أكثر لولا أن بقية خطابه كرست لدحرجة المسؤولية. صور الأفغانيين وهم يركضون وراء طائرة أمريكية قدمت تجسيداً رمزياً للانسحاب. ولكن بايدن لم يتطرق إلى هذا الأمر. ولم يتوقف عن فشل المخابرات الذي أدى إلى انهيار الأجهزة المطلق في أفغانستان، وإلى الحاجة الملحة لانسحاب مستعجل.
أفغانستان الآن هي نقطة الحضيض لرئاسة بايدن. ومن غير المستبعد أن تكون هناك نقطة أكبر وأعمق، لكن خطابه أوضح بأن المسؤولية لا تتوقف عنده فقط. يدرك بايدن كيف يقتبس ترومان، لكنه لم يظهر أول أمس كشخص فهم الرسالة. كان يمكن رؤية ذلك في عدد المسؤولين الكبير الذين أشار إليهم بشكل صريح أو بشكل رمزي. بدأ هذا بالرئيس الأفغاني المنفي حديثاً، أشرف عبد الغني. ووصف بايدن حليف أمريكا الذي هرب من بلاده كخيبة أمل. “صمم السيد عبد الغني على أن تحارب القوات الأفغانية، لكن لا شك أنه أخطأ”، قال الرئيس، واستمر في توجيه إصبع الاتهام إلى كل “الزعماء السياسيين في أفغانستان الذين رفعوا أيديهم وانسحبوا من الدولة”.
أكد بايدن أن الولايات المتحدة استثمرت عشرين سنة ومئات مليارات الدولارات في بناء جيش أفغانستان. لم توجه خيبة أمله وإحباطه للجيش في أفغانستان وزعماء الدولة فقط، بل انتقد أيضاً الموظفين العامين والدبلوماسيين المحليين الذين لم يستطيعوا، حسب قوله، إجراء حوار وتحقيق تفاهمات مع طالبان. بالطبع، لم يفوت بايدن الفرصة، مثل معظم الرؤساء الذين سبقوه، لدحرجة المسؤولية نحو أسلافه.
“عندما توليت المنصب، ورثت اتفاقاً وقع عليه الرئيس ترامب مع طالبان”، ذكر بايدن وقال إن الاتفاق كبّله. وحسب قوله، قام ترامب بخطوات داخل أفغانستان ورثها له. وعند توليه لمنصبه، أجّل موعد الانسحاب من 1 أيار إلى 11 أيلول. وبعد ذلك، قدمه إلى نهاية آب، لكنه أكد في خطابه أن أي تغيير في الاتجاه كان يحتاج إرسال جنود أمريكيين آخرين إلى أفغانستان.
كان بايدن محقاً؛ فقد وضع ترامب حقائق على الأرض، ولكنه لم يذكر أن تسليته المفضلة كانت إلغاء القرارات التي اتخذها ترامب في الأشهر السبعة الأخيرة. في الحقيقة، سياسته الخارجية تواصل سياسة سلفه في الرغبة في استخدام الضغط على الصين، ولكن الاستراتيجية مختلفة كلياً. أيضاً لم يتردد بايدن في إعادة الولايات المتحدة إلى اتفاق المناخ في باريس، أو البدء في محادثات حول النووي مع إيران من جديد. هو يعرف كيف يغير الاتجاه عندما يريد. ولكنه ببساطة، لم يرغب بذلك في أفغانستان.
لا شك أن بايدن متساوق في مواقفه بخصوص الانسحاب من أفغانستان، على الأقل منذ العام 2005. وقد عبر عنها مرة تلو الأخرى حتى أمام الرئيس باراك أوباما، الذي تولى في فترته منصب نائب الرئيس. ولكن أوباما لم يتبن نصيحته بالانسحاب. لذلك، أمسك بايدن بيديه اتفاق ترامب الذي سهل عليه الدفع قدماً بانسحاب سريع. كان بايدن على حق عندما قال إن انهيار الجيش في أفغانستان أثبت ادعاءه بأن حان الوقت للانسحاب ولم يدحضه. الانسحاب الآن، قبل خمس سنوات أو بعد خمس سنوات، كان سيؤدي إلى صعود طالبان. ولكن الحديث يدور عن ستارة من الدخان. مسألة الانسحاب، نعم أو لا، هي في الواقع كانت تقف في مركز خطاب بايدن، لكن ليس هذا هو السؤال الذي يشغل أفغانستان والولايات المتحدة أو العالم الآن. فشل المخابرات الأمريكية هو الذي في مركز الاهتمام الآن. إن الاحتلال السريع لطالبان كشف أن إدارة بايدن لا تعرف ما يحدث في أفغانستان وكيفية الرد على ذلك. خطاب الرئيس الذي وعد فيه بتحمل المسؤولية، كشف أنه لا ينوي فعل ذلك.
بقلم: نتنئيل شلوموفيتس
هآرتس 18/8/2021