لندن – «القدس العربي» ـ وكالات: وصل الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى كوريا الجنوبية، أمس الجمعة، في مستهل أول جولة آسيوية له منذ توليه منصبه فيما يخشى من تجربة نووية قد تجريها كوريا الشمالية بالمناسبة.
من قاعدة أوسان الجوية التي هبطت طائرته فيها، توجّه إلى مصنع لأشباه الموصلات تابع لشركة سامسونغ الكورية الجنوبية العملاقة في بيونغتايك في جنوب سيول مع الرئيس الكوري الجنوبي يون سوك-يول الذي تولى المنصب في أيار/مايو.
وقال بايدن في أول تصريحات له بعد وصوله إن التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية “أحد أعمدة السلام والاستقرار والازدهار في العالم”.
ولم يكن اختيار مصنع سامسونغ ليكون أول محطة في رحلته اعتباطياً، فالتزود بأشباه الموصلات الأساسية في صناعة معظم الأجهزة الحديثة من الهواتف إلى السيارات والأسلحة عالية التقنية، يشهد نقصاً ضمن التباطؤ العام لسلاسل الإمداد العالمية الذي يهدد بتقويض التعافي الاقتصادي من وباء كوفيد.
وشدد بايدن على ضرورة أن تعمل كوريا الجنوبية والولايات المتحدة من أجل “الحفاظ على مرونة سلاسل إمدادنا وموثوقيتها وسلامتها”.
وأشار يون إلى أن كوريا الجنوبية توفر حوالي 70 % من إنتاج العالم من أشباه الموصلات. كما اعتبر أن زيارة بايدن يمكن أن تساعد البلدين في تشكيل “تحالف اقتصادي وأمني جديد يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والتعاون فيما يتعلق بسلاسل الإمداد”.
وصرح أستاذ الدراسات الكورية في جامعة أوسلو فلاديمير تيخونوف أن “أشباه الموصلات باتت سلعة استراتيجية” في وقت تحاول الولايات المتحدة إعادة بناء صناعتها الوطنية، وأضاف أن بايدن “يحتاج إلى تعاون سامسونغ في هذا الشأن”.
وبعد سيول، يتوجه الرئيس الأمريكي، الأحد، إلى طوكيو حيث يشارك في القمة الإقليمية للتحالف الرباعي (كواد) الذي يضم أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة. وأوضح مستشار الأمن القومي، جايك ساليفان، من على متن طائرة “إير فورس وان” أنّ الولايات المتحدة تريد “تأكيد صورة ما يمكن أن يكون عليه العالم إذا اجتمعت الديمقراطيات والمجتمعات المنفتحة لإملاء قواعد العمل (وفق) حس القيادة” الأمريكي. وتابع: “نعتبر أن هذه الرسالة ستصل إلى بكين. لكنها ليست رسالة سلبية وليست موجهة إلى دولة واحدة”.
كذلك، ستكون الصين وتايوان في الواجهة. لكن القضايا الأمنية لم تكن على رأس جدول أعمال الجمعة. وأشار البيت الأبيض إلى أن الرئيس الأمريكي لن يذهب إلى المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين، حيث التقى دونالد ترامب في العام 2019 الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في إطار قمة لافتة إلا أنها لم تساهم في تغيّر مسار النظام.
تجربة نووية
وأبدت إدارة بايدن مراراً استعدادها للتواصل مع كوريا الشمالية، لكن الأخيرة لم تتجاوب وكثفت إطلاق الصواريخ منذ بداية العام.
وتتوقع سيول وواشنطن أن تستأنف بيونغ يانغ التجارب النووية على الفور، بعد أن أجرت ست تجارب بين عامي 2006 و2017. وأكدت إدارة بايدن قبل مغادرته واشنطن، أنّ وفقاً للمخابرات الأمريكية هناك “احتمال حقيقي” بأن تقوم كوريا الشمالية بعمل “استفزازي” بعد وصول جو بايدن إلى سيول الجمعة.
وقال ساليفان إن ذلك قد يعني “تجارب صاروخية جديدة، تجارب صواريخ بعيدة المدى أو تجربة نووية، أو كليهما” قبل أو أثناء أو بعد جولة بايدن. وتواجه كوريا الشمالية تفشياً لوباء كوفيد-19 مع تجاوز عدد الإصابات حتى الآن 1.7 مليون بحسب الصحافة الرسمية.
كذلك أكد جايك ساليفان أن إجراء كوريا الشمالية تجربة نووية سيؤدي إلى “تعديلات في وضع قواتنا المسلحة في المنطقة”، لكنه نفى أن يُنظر إلى مثل هذا الحدث على أنه انتكاسة لدبلوماسية جو بايدن. لكنه أضاف أن “من شأنه أن يؤكد إحدى الرسائل الرئيسية لهذه الرحلة، وهي أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب حلفائها وشركائها”.
وأشار الأستاذ في جامعة الدراسات الكورية الشمالية يانغ مو جين إلى أن كوريا الشمالية ستتابع على أي حال نتائج اجتماع يون وبايدن، “وبناء على النتيجة، ستقرر تسريع أو إبطاء” برامج أسلحتها، على حد قوله.
ومن المقرر أن يلتقي قادة الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا الأسبوع المقبل في طوكيو سعياً للتوصل إلى أرضية توافق بمواجهة الصين، رغم الاختلافات في المواقف حيال الغزو الروسي لأوكرانيا. وترفض نيودلهي حتى الآن التنديد بهجوم موسكو على أوكرانيا وقاومت المحاولات لضمها إلى التحرك الدولي ضد روسيا.
والتحالف الرباعي للحوار الأمني (كواد) الذي يضم واشنطن وطوكيو وكانبيرا ونيودلهي متحد لتشكيل قوة مضادة لنفوذ الصين الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي المتزايد في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
ويجتمع تحالف كواد الثلاثاء في وقت يحذّر العديدون بأن بكين تراقب عن كثب الرد الدولي على غزو أوكرانيا وتدرس خياراتها من أجل “إعادة توحيد” تايوان مع البر الصيني.
وقال روبير دوجاريك من معهد الدراسات الآسيوية المعاصرة في جامعة “تمبل” إن قادة كواد سيبحثون “سبل تعزيز الردع والتعاون العسكري” بمواجهة الصين، مؤكداً أنهم “سيظهرون لبكين أنهم يعملون معاً لاحتوائها وردعها”.
لكن من المرتقب أن تكون تصريحات كواد أقل شدّة، على غرار النداءات الصادرة من أجل جعل “منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرّة ومفتوحة”، والتحذيرات من خطوات “أحاديّة” في المنطقة، بدون ذكر بكين بالاسم، وقد تطغى على القمة مسألة كوريا الشمالية.
كما تبدي اليابان مخاوف من الوجود الصيني حول جزر متنازع عليها بين البلدين، فيما تتكثف المحادثات حول سبل الرد على التهديدات الصينية لتايوان. وأجرى وزير الخارجية الياباني، الأربعاء، محادثات لأول مرة منذ ستة أشهر مع نظيره الصيني داعياً بكين إلى لعب “دور مسؤول” على الساحة الدولية.
وحذرت بكين من أن المعلومات التي تفيد بأن واشنطن وطوكيو “ستوحدان قواهما” ضد الصين، تنعكس سلبياً على الأجواء. وحذر كبير مسؤولي الشؤون الخارجية في الحزب الشيوعي الصيني يانغ جيشي بشأن تايوان بأنه إذا استمرت الإدارة الأمريكية “في الطريق الخاطئ، فستوصل الوضع حتماً إلى نقطة خطيرة”. ويبدو أن واشنطن تسعى إلى التهدئة إذ أكد مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جايك ساليفان أن رسالة بايدن “لا تستهدف أي بلد تحديداً”.
وسيسعى بايدن وكيشيدا ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والفائز في الانتخابات التشريعية الأسترالية في 21 أيار/مايو للتوصل إلى توافق على صعيد التعاون الاقتصادي ولا سيما بمواجهة عرقلة سلاسل الإمداد.
وستكشف الولايات المتحدة مبادرة تُعرف باسم “الإطار الاقتصادي لمنطقة الهندي والهادئ”، وهو تجمع تجاري جديد يعتبر وسيلة لإقامة سلاسل إمداد بدون الصين. وتأتي هذه المبادرة الجديدة بعد انسحاب واشنطن المفاجئ عام 2017 من “الشراكة عبر المحيط الهادئ” التي تضم دولاً من آسيا والمحيط الهادئ والقارة الأمريكية.
غير أن أي موقف مشترك قد يصطدم بخلافات مع الهند، الدولة الوحيدة في تحالف كواد التي امتنعت حتى الآن عن التنديد بموسكو بعد شن هجومها على أوكرانيا، لا بل زادت وارداتها النفطية من روسيا رغم الانتقادات.
وقال ميشيتو تسورووكا المحاضر في جامعة كيو إن “كواد بدأ كإطار أمني، لكن لديه الآن برنامجاً موجهاً أكثر نحو الاقتصاد” على ضوء الصعوبات مع الهند حول المسائل الدفاعية.
ومن المستبعد أن تتمكن قمة 23 آيار/مايو من تغيير هذا الوضع برأي جيتندرا ناث ميشرا الدبلوماسي الهندي السابق والمدرس في جامعة جيندال العالمية. وأشار إلى أن واشنطن وحلفاءها “أثبتت أنها تدرك حاجة الهند إلى حماية روابطها الإستراتيجية والعسكرية مع روسيا لتطوير قدراتها بمواجهة الصين”. وتابع أن “الضغط على الهند لا يخدم حاجة الغرب إلى إقامة تحالف للتصدي للصين”.