إن الاستخدام الصريح الذي استخدمه بايدن (الرئيس الأمريكي الأول الذي اعترف بإبادة الشعب الأرمني) لكلمة “جينوسايد” في خطابه باحتفال إحياء الذكرى السنوية الـ 106 لبداية مذبحة الشعب الأرمني على أيدي النظام العثماني، وصل متأخراً جداً، لكنه وصل. لذلك، هو يستحق الثناء الدولي. حان الوقت الآن إلى أن تنفض إسرائيل عنها قيود تركيا لعدم اعترافها بكارثة الأرمن، وأن تتوقف عن استخدام مفهوم “المأساة الأرمنية” وكأنها نزلت من السماء وتتبنى صيغة بايدن الواضحة والدقيقة.
لقد حظي الأرمن باعتراف أنهم عانوا من أعمال وحشية فظيعة، ومن التعذيب والطرد والتجويع المتعمد ومن كل الفظائع التي رافقت قرار طرد الأرمن من تركيا. ولكن مفهوم إبادة شعب، حسب التعريف الذي وضعته الأمم المتحدة في العام 1948، تم حرمانهم منه. ولم تنجح الدول التي اعترفت بإبادة الشعب الأرمني في الوصول إلى اعتراف دولي شامل، في الوقت الذي سعت فيه الأمم المتحدة دائماً إلى التهرب من الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني بشكل صريح، بذريعة أنها لا تتطرق إلى أحداث حدثت قبل تأسيسها، رغم أن المذبحة استخدمتها الأمم المتحدة كمثال على الجرائم ضد الإنسانية عند تبني الميثاق ضد إبادة شعب. والتقرير الذي قُدم للأمم المتحدة في 1985، المعروف باسم تقرير “فيتاكر” والذي تضمن استنتاجاً يقول إن القتل المنهجي الذي قامت به السلطات العثمانية ضد الشعب الأرمني يستجيب للمعايير بشأن إبادة شعب، هو تقرير لم يغير الموقف. تم تسجيل تقديم التقرير والمصادقة عليه.
في العقود الأخيرة، عملت تركيا بصورة حثيثة وصارمة ضد أي نية دولية أو أي دولة منفردة للاعتراف بإبادة الشعب الأرمني، وقد فعلت ذلك من خلال التهديدات والعقوبات. وحسب تقارير مختلفة، من خلال دفع مليون دولار للإخوان المسلمين في مصر مقابل إحراق الأرشيف القديم في القاهرة، الذي أنشئ في فترة احتلال نابليون، وفيه وثائق متعلقة بقتل الأرمن، والتي كان يمكن استخدامها كدليل إدانة. تركيا -حسب باحثين أتراك أيضاً- أزالت من الأرشيفات العثمانية التي بحوزتها كل وثيقة كانت تتضمن شهادات عن القتل، وحتى أنها “قامت بتحديث كتالوج المتحف العثماني لطمس عملية إخفاء الوثائق.
وبصفتها وريثة الإمبراطورية العثمانية، كان يمكن لتركيا الادعاء بأن المذبحة حدثت، لكنها لا يمكن أن تكون مسؤولة عن أعمال نفذت على أيدي الحكم العثماني. ولكن في سنوات المذبحة والطرد التي بدأت في العام 1915، كانت لدى مؤسس الجمهورية التركية الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، الذي كان قائداً كبيراً في الجيش التركي، معلومات عن الفظائع التي يرتكبها الجيش.
حسب السيرة الذاتية الشاملة التي كتبها عنه المؤرخ أندرو مانغو، فإنه عندما أظهر الجيش الألماني أمامه صدمة من سلوك الجيش التركي، أجاب أتاتورك: “جئت إلى هنا لفهم موقف الجيش الألماني تجاه تركيا وليس لمناقشة الموضوع الأرمني”. ورث أتاتورك موقفه غير المبالي لمن عقبه، وكان هذا أيضاً هو الموقف الذي رافق سياسة تركيا الخارجية حتى الآن. ذهب أردوغان بعيداً إلى الأمام عندما عبر عن حزنه على المعاناة التي وقعت ضد العائلات الأرمنية، ولكنه لم يعتذر، وتمسك بموقف يقول إن هناك أرمن وأتراكاً قتلوا في الحرب. ولكن لم تكن هناك مذبحة متعمدة.
في العام 2009 تناقشت تركيا مع حكومة أرمينيا ووقعت على ثلاثة بروتوكولات حددت أنظمة التحقيق التاريخية في المذبحة، لكن تركيا طلبت من أرمينيا أن تغير دستورها، بحيث يتم شطب البند الذي ينص على أنها ستبذل كل ما في استطاعتها للحصول على اعتراف وإدانة لإبادة الشعب الأرمني. رفض البرلمان الأرمني المصادقة على التغيير الذي طلبته تركيا، وسرعان ما انتهى شهر العسل المؤقت الذي أثار الأمل بحل النزاع.
تطور إنكار إبادة الشعب الأرمني ليصبح أساساً وطنياً سياسياً وسياساتياً، وبحسبه، لا يمكن للدولة التي تؤيد تركيا ومعنية بعلاقات جيدة معها الاعتراف بإبادة الشعب الأرمني. ولكن تركيا أدركت أن هذا الموقف قد يفصلها عن عدد كبير من الدول ويضعها على مسار تصادم مع الدول الغربية، خاصة مع الولايات المتحدة. ولكنها نجحت في إقناع عدد من الدول، من بينها أمريكا وإسرائيل، بأن نتائج الاعتراف ستكون كارثية.
المعضلة الأساسية التي وجهت الإدارات الأمريكية كانت كالآتي: هل يساوي الاعتراف بإبادة شعب، المس بالعلاقات مع تركيا وإمكانية أن تترك تركيا الناتو وتصبح حليفة لروسيا. ظهر الثمن السياسي للاعتراف دائماً باهظاً جداً. واعتراف بايدن بإبادة الشعب يأتي في فترة سياسية مريحة نسبياً، يكون فيها نظام العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في الحضيض، والاتحاد الأوروبي يهدد بفرض عقوبات عليها، وعلاقاتها مع روسيا متوترة أيضاً. في المقابل، الأزمة التي تغرق فيها تركيا تلزمها بتعزيز علاقاتها مع مستثمرين محتملين، والكثيرون منهم في الولايات المتحدة.
على هذه الخلفية، يبدو أن رد تركيا في هذه الأثناء معتدل جداً، وسيتم التعبير عنه بخطاب حاد ومصقول مع حدود واضحة. لا تهدد تركيا بوقف العلاقات مثلما فعلت مع فرنسا قبل عقد، ولا يمكنها فرض عقوبات على أمريكا مثلما هددت الفاتيكان عندما اعترف البابا بإبادة الشعب الأرمني، ولا يمكنها التهديد بالانسحاب من الكتلة الغربية. وإن رد وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، على تصريح بايدن يوضح قرار تركيا الذي اتُّخذ بعد مشاورات حثيثة أجراها أردوغان مع مستشاريه. “من الواضح أن لا أساس بحثياً أو قانونياً لأقوال بايدن، بل وغير مدعومة ببينات… هي ستفتح جرحاً عميقاً سيضر بالثقة والصداقة المتبادلة. نطلب من الرئيس بايدن إصلاح هذا الخطأ الشديد”، قال وزير الخارجية الذي يعرف جيداً أنه لا ثقة أو صداقة بين أنقرة وواشنطن، ولا يوجد ما يمكن أن يتضرر.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 25/4/2021