بتعيينه بولو رئيساً لجامعة.. كيف يوفق أردوغان بين التعليم التقليدي وثقافة “الهارد روك”؟

حجم الخط
1

“امتثلوا للسيد، حياتكم تحترق بسرعة، أذعنوا للسيد، للسيد؛ سيد الدمى، أنا أمسك بخيوطكم، أدير رؤوسكم وأحطم أحلامكم. أعميكم، ولن تستطيعوا رؤية شيء، ادعوا باسمي كي أسمعكم تصرخون، أيها السيد، أيها السيد!”. هذه السطور من الأغنية التي تهز المنصات لفرقة “متاليكا”، “سيد الدمى”، استهدفت إظهار كيف تؤثر المخدرات والكحول على أدمغة أعضاء الفرقة. ولكن وجدت لهذه الأغنية القوية مهمة أخرى. فقد أسمعتها مكبرات الصوت والطلاب عندما اندلعت المظاهرات في حرم جامعة بوازيتشي في إسطنبول، ومنها أشعلت الشوارع. هناك اشتبكوا مع قوات الأمن التركية المسلحة بالهراوات والغاز المسيل للدموع والسلاح.

“متاليكا” حظيت بالتقدير بعد أن قال عميد الجامعة الجديد، ميليا بولو، في مقابلة أجريت معه بأنه يحب “الهارد روك” وأنه معجب بالفرقة. كلمات الأغنية تناسب المناخ السائد في الجامعة منذ قرر الرئيس أردوغان تعيين البروفيسور بولو في منصبه بأمر رئاسي.

الاثنين الماضي، اندلعت موجة المظاهرات الأولى، وبعد يومين اشتعلت الشوارع بموجة مظاهرات أخرى. اعتقل أكثر من 36 طالباً وعضواً في هيئة التدريس، وأصيب الكثيرون في المواجهات العنيفة، والموضوع لم ينته بعد. هذه هي المرة الأولى منذ الانقلاب العسكري في 1980 التي يتم فيها تعيين عميد للجامعة الأرفع في تركيا، الذي هو ليس من أعضاء هيئة التدريس وبدون إجراء انتخابات كما هو متبع فيها. “هي خطوة أخرى ضد الديمقراطية، هدفها المس بحرية الأكاديميا واستقلالية العلم وقيم الجامعة الديمقراطية”، كتب أعضاء هيئة التدريس الذين انضموا إلى مظاهرات الطلاب. وبعد أن استخدم أردوغان في جامعات أخرى الصلاحيات التي أعطاها لنفسه في 2018، بتعيين مباشر لعمداء ورؤساء الجامعات، خرج إلى الجبهة أمام قلعة الليبرالية الأكاديمية واليسار المثقف في تركيا، وعيّن بولو، وهو العضو الناشط في حزب العدالة والتنمية والذي تنافس في 2015 على كرسي في البرلمان من قبل الحزب.

  لبولو خلفية أكاديمية رائعة؛ فهو خريج جامعة بوازيتشي في إدارة الأعمال، وحصل فيها على شهادة الدكتوراه، وكان عميداً لجامعتين أخريين. في السابق اتهم بأنه نسخ في رسالة الدكتوراه أجزاء من كتاب آخر، لكنه أمر تم إغلاقه. نشر بولو في حسابه على “تويتر” رسالة موجهة لـ “عائلة بوازيتشي”، أشركهم فيها بالاحترام الذي يراه لنفسه بأن يشغل منصب عميد الجامعة. وكتب أنه يتذكر بشوق مطاعم الجامعة ومأكولاتها، وتحدث عن اعتياده على مشاركة القطط التي قفزت إلى حضنه هناك بالأكل من صحنه. حقاً هو جزء لا يتجزأ من الجامعة. ولكن الطلاب لم يتأثروا من ذلك، بل رأوا قدم أردوغان التي تركل من خلف العميد السياسي، وإقالة مئات أعضاء هيئات التدريس في الجامعات منذ الانقلاب الفاشل في 2016، وليس أقل من ذلك خطاب أردوغان في احتفال تدشين الحرم الجامعي في الجامعة باسم “ابن خلدون” في تشرين الأول. “بسبب وسائل الإعلام، ضعف تأثير التعليم التقليدي، بما في ذلك تعليم العائلة. الفجوة التي وجدت في أدمغة وقلوب أولادنا امتلأت بمواضيع مصدرها الثقافة الغربية… أولادنا يحصلون على التعليم، لكن ليس لدينا ما يكفي من القوة البشرية لتجعلنا أكثر أماناً. نربي سكاناً شباباً، لكننا لا نستطيع أن نجسد حلم حضارتنا. لوسائل الإعلام بنى تحتية حديثة لكنها لا تعكس صوتنا أو أفكارنا”، قال الرئيس الذي سحق وما زال يسحق وسائل الإعلام في تركيا، ويغلق صحفاً وقنوات تلفاز، ويعين الرؤساء الذين يترأسونها.

  كان هذا خطاباً هجومياً، لكنه صريح، رسم فيه أردوغان الحدود بين التعليم الذي يتوق إليه وبين الخطر الذي يهدد ثقافة تركيا – أفكار ومكونات غربية تطرد التراث إلى الخارج. ولكن عندها يعيّن عميداً يتفاخر بإعجابه بموسيقى “الميتال” في جامعة تدرّس باللغة الإنجليزية، وتطمح بالانضمام إلى قائمة أفضل 500 جامعة في العالم، فيما تقيّم هذه الجامعات حسب المعايير الغربية، حينئذ من المهم كيف ينوي أردوغان التوفيق بين ما يسميه “تعليماً تقليدياً” وبين حلم العميد الجديد الذي ينوي زيادة دراسات الحاسوب والهندسة والعلوم الطبيعية.

من المبالغ فيه البحث عن آثار في سلوك أردوغان، حتى أكثر مخلصيه باتوا يجهلون إلى أين يقود الدولة. انسحب كبار الحزب واحداً تلو الآخر وشكلوا أحزاباً منافسة، التي وإن كانت تفتقر إلى شعبية كبيرة، إلا أنها تدل على الإحباط في الحزب والقيادة السياسية. الأخير الذي قطع علاقته مع القيادة هو بولانت ارينيتش، الذي كان رئيس البرلمان وعضواً كبيراً في المجلس الاستشاري للحزب. قبل شهر تقريباً استقال من الحزب، بعد أن أطلق عليه أردوغان عدة سهام مسمومة لأنه تجرأ على معارضة استمرار اعتقال صلاح الدين دميرطاش، الذي كان رئيس الحزب المؤيد للأكراد “اتش.دي.بي”، ورجل الصدقات عثمان كابالا المعتقل منذ ثلاث سنوات. وهذه أمور لا تغتفر. لم تشكل هذه هزة أرضية أو إشارة على تحطم الحزب ومن يترأسه، لكن عندما تشير الاستطلاعات إلى انخفاض الدعم له إلى حوالي 28 في المئة، فإن قصر الرئاسة بحاجة إلى تحصين نوافذه.

بقلمتسفي برئيل

 هآرتس 11/1/2021

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية