بتمجيده “الدكتاتور الأحمر”: هل يطمح بوتين لإخضاع “عبدة الشيطان” قبل استكمال حملته اللاسامية؟

حجم الخط
2

قبل نحو 70 سنة، في 5 آذار 1953 توفي بين أسوار الكرملين الطاغية الشيوعي الوحشي جوزيف فيساريونوفيتش ستالين، واستقبل النبأ بفرحة كبرى في أوساط مليون من السجناء في السجون السوفيتية سيئة الصيت والسمعة. بالمقابل، فإن كُتّاباً وشعراء وأدباء كثيرين من أن يحصوا في الغرب حزنوا عليه بصدق؛ انطفأت “شمس الشعوب”، هكذا اشتكوا بكرب قاتم، مغشي العيون.
من زاوية نظر يهودية كانت وفاة ستالين (في عيد البوريم – المساخر) نجدة من السماء. في 13 كانون الثاني 1953 بدأت حملة مطاردة لاسامية مجنونة في الاتحاد السوفياتي حين زعم في جريدة الحزب الحاكم “برابدا” بأن كبار الأطباء، كلهم يهود باستثناء واحد، عقدوا مؤامرة “صهيونية قومية” لقتل قيادة الحزب والدولة. وترافقت تحقيقاتهم بتعذيبات شديدة، لكن رفض أغلبهم الاعتراف بجرائم ملفقة أجّل المحاكمات الاستعراضية. غضب ستالين ورأى اليهود من خلف الستار الحديدي أمام عيونهم الكارثة الثانية. الحملة اللاسامية توقفت بعد يوم من جنازة سالتين والأطباء اليهود (باستثناء واحد مات تحت التعذيب) بُرئوا من كل تهمة.
بالتدريج اختفت صور ستالين موسومة بأشرطة الحداد السوداء من نوافذ العرض، وبدأت حملة سياسية مناهضة لستالين. اتهم ستالين بتنمية عبادة الشخصية، وانكشفت جرائمه بالتدريج، وشطب اسمه من الشوارع والميادين والمصانع والمنظمات والمدن. اسم ستالينغراد، رمز البطولة المدنية الروسية في وجه الغازي النازي، تحول إلى فلغوغراد. تغيير أبدي، هكذا آمن مواطنو الاتحاد السوفيتي.
ولكن، في الأسبوع الماضي أعيد إلى المدينة اسمها السابق، وهي حالياً ومرة أخرى “ستالينغراد”. نصب في مركزها مجدداً تمثال برونزي لستالين نفسه؛ وجبال من الورود وضعت أسفله. وأمر رئيس روسيا فلاديمير بوتين الذي وصل إلى زيارة المدينة بالتغيير بمناسبة مرور 80 سنة على صد الجيش الألماني عنها؛ وتحطم الحصار على المدينة نهائياً في 2 شباط 1943 ويعتبر نقطة الانعطافة في الحرب العالمية الثانية.
تحولت زيارة الرئيس بوتين إلى حملة دعائية تستهدف تعزيز معنويات الجماهير الروس وتأييدهم المتناقص للحرب الروسية ضد أوكرانيا. في خطابه الطويل في المكان، كرر بوتين روايته الثابتة ورواية القوميين الروس حوله وإلى جانبه: تسيطر على أوكرانيا عصبة من النازيين والهتلريين السابقين وتستخدم رأس جسر لاحتلال روسيا وإخضاعها للإمبراطورية الأمريكية ومنفذي قولها في حلف شمال الأطلسي الناتو. لذا لا تدافع روسيا فقط عن نفسها الآن ضد هجمة غربية – عسكرية، ثقافية واقتصادية – منسقة وجبانة، لكن مثلما هزم النازيون في النهاية على أطراف ستالينغراد، هكذا سيهزم أيضاً “عبدة الشيطان” كما يُسمّى المقاتلون الأوكرانيون على لسان وعظاء دين روس، في أطراف كييف. أوكرانيا الجديدة المطهرة من “إرهابيين نازيين” والخاضعة للكرملين، ستعترف بسيادة روسيا في شبه الجزيرة القرم وفي القاطع الأمني على طول الحدود الجنوبية.
بوتين ليس شيوعياً؛ هو بعيد عن الفكر الماركسي، فما بالك فكر لينين أو ستالين. وهو يفضل السوق الحرة ورجال أعمال أغنياء ما داموا لا يتدخلون له إدارته للدولة. مرساه التاريخي هو الإمبراطورية الروسية الكبرى تحت القيصر المحافظ القومي وكاره الغرب ألكسندر الثاني، وليس دكتاتورية البروليتاريا التي حلم بها ثوار 1917. أما الآن، في ضوء الضربات التي يتعرض لها الجيش في ميدان المعركة المغرقة بمستنقعات أوكرانيا، فإنه أصيب بالشوق لستالين وأساليبه وحروبه وانتصاراته.
عندما يمجد الرئيس الروسي “الدكتاتور الأحمر” بعد 80 سنة من موته هو ونظامه الظلامي، فهذا دليل على أن بوتين لا يزال يحلم بالامبريالية ولم يدع أحلامه جانبا.

بقلم: سيفر بلوتسكر
يديعوت أحرونوت 7/2/2023

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية