الناصرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من زهير أندراوس: قال ميخائيل ميلشتاين، الباحث والمؤرخ الإسرائيليّ البارز في دراسة أعدّها ونشرها مركز أبحاث الأمن القوميّ في تل أبيب إنّ ما تزال الدول العربية ما تزال قادرة على تدبر أمورها بصعوبة برغم التحديات الهائلة التي تواجهها، لكن طبيعة هذه الدول آخذة في التغير وقدرة الحكومات المركزية تضعف في أغلب الحالات. وساق قائلا إنّه كلما كانت الدولة العربية أكثر تجانسا، مثل مصر وتونس، قّلّت مظاهر العنف في الثورة، واحتل النضال من أجل الديمقراطية مكانة أبرز، وكان الانتقال إلى نظم جديدة أكثر سلاسة، وبالمقابل، كلما قلّ تجانس الدولة وضعفت مؤسساتها، رافقت ثوراتها أعمال عنف شديدة وفوضى، على حد تعبيره.
وبرأيه فإنّ جميع الدول في الشرق الأوسط تعاني من انهيار الأشكال التقليدية للحكم، أو تعاني على الأقل من صدمات قوية تهزه، ويجري استبدال النظام القديم المعتمد على الحكم الاستبدادي بوتيرة سريعة بنظام جديد يكافح من أجل تثبيت نفسه اعتمادا على القواعد الديمقراطية، وبحسبه، سيتبقى في الأغلب بعد أن تهدأ العاصفة قوتان مركزيتان. أولاهما الجيش الذي يمّثل بدرجة كبيرة النظام القديم، بما في ذلك العلاقات بالغرب وتحدي معسكر المقاومة الذي تتزعمه إيران، وربما يمثل همزة وصل بين لمرحلة التي سبقت الثورة والمرحلة التي تليها. والقوة الثانية هي التيار الإسلامي وهو الكيان الشعبي والسياسي الأكبر والأكثر تنظيما في أغلب الدول، والمتهيئ للاندماج في النظام الجديد والاضطلاع بدور مهيمن فيه. وأوضح ميلشتاين إنّه في حين يصح القول إنّ العناصر السياسية والشعبية العلمانية تكتسب قوة، يبدو أن وقعها أقل تأثيرا من وقع تأثير الجماعات الإسلامية، لذلك، لا نعرف إن كانت ستحقق نجاحا ذا شأن في اختبارات القوة القادمة التي يمكن أن تمنحهم السيطرة على الحكومات لا سيما الانتخابات الديمقراطية. ربما يعني هذا الوضع تجدد انتفاضات دراماتيكية عاشتها المنطقة أصلا، مثل سيطرة التيار الإسلامي على النظام بالتدريج بالتزامن مع ضعف الجيش كما في تركيا (وهو سيناريو يرجح أن يكون صالحا للتطبيق في مصر على الخصوص)؛ أو منع الجيش التيار الإسلامي من تشكيل الحكومة مما قد يؤدي إلى مواجهة عنيفة بين الطرفين كما حصل في الجزائر؛ أو انهيار المؤسسة الحاكمة وفرض الإسلاميين سيطرتهم بالقوة على غرار نموذج حماس في قطاع غزة.
وتابع المؤرخ الإسرائيليّ قائلا في دراسته التي جاءت تحت عنوان: شرق أوسط قديم جديد: التطورات الجارية وانعكاساتها على الدولة العبريّة إنّه وبالإضافة إلى ذلك، يمكن للمرء تخيل سيناريوهات، وإن كانت مستبعدة في الوقت الحالي، لا يضطلع فيها الإسلاميون بدور مهيمن، كأن يتم نقل السلطة بطريقة منظمة إلى مؤسسات علمانية لا صلة لها بأي حركة إسلامية إثر إجراء انتخابات ديمقراطية. ولكنّه يؤكد على أنّ بروز سيناريوهات مألوفة أو جديدة في المنطقة يعتمد على عدة متغيرات، منها قوة الجيش؛ وقوة الحركات الاحتجاجية والعناصر المعارضة للنظام، وبخاصة الجماعات الإسلامية؛ والسياسة التي يرجح أن يتبّناها المجتمع الدولي، وبخاصة الولايات المتحدة؛ وكيفية نشوء الانشقاقات الداخلية في مناطق متنوعة في العالم العربي.
واستطرد قائلا إنّه يبدو أنّ الكلام المصاحب لموجة الاحتجاجات الإقليمية الحالية يحمل في طياته بذور ثورات مستقبلية. فالغضب العارم على الواقع الراسخ الميؤوس منه يتجاهل بدرجة كبيرة حقيقة أنه متأصل في مشكلات اجتماعية وديموغرافية واقتصادية عميقة يصعب حلها في أحسن الأحوال، ولا يمكن حلها بالتأكيد بالسرعة التي تنشدها الشعوب. وكما حصل في العديد من الثورات السابقة، ربما تواجه هذه الموجة أيضا عما قريب أزمة حادة سببها خيبة التوقعات. وربما يصب ذلك في مصلحة الجماعة التالية التي تعد شعبها بالخلاص، لكنها قد تؤدي إلى استيلاء طاغية على الحكم وإلى العنف كما حصل في مرات كثيرة في الثورات التي حركتها رؤى مثالية ُ كتبت على راياتها. وبرأيه، يبدو أنّ التطورات التي برزت في العالم العربي مؤخرا، لا سيما الثورة في مصر والاحتجاجات في سورية، ُتبرز تحديات كثيرة وفرصا قليلة لإسرائيل. فهذه التغيرات ليست سوى عنصر آخر في عملية إضعاف الواقع الاستراتيجي الإقليمي الجارية منذ عقد والتي يتعين على إسرائيل مواجهتها. إنها عملية معقدة يكتنفها تناقض داخلي؛ فقد نمت القدرات العسكرية والتكنولوجية التي تمتلكها إسرائيل وقوي اقتصادها، في حين أنها تستشعر تغيرا إقليميا ثابتا نحو الأسوأ يتجلى في الأساس في كم التهديدات الصادرة عن دول أخرى وقدراتها العسكرية والسياسية، لا سيما نفوذ إيران في المنطقة، وبرنامجها النووي، واجتماع معسكر المقاومة في طهران، في ما يقابل ذلك من ناحية أخرى تدّني الفرص السياسية، وبخاصة العملية السياسية مع كل من الفلسطينيين وسورية.
وقال ميلشتاين أيضا إنّه ما تزال الأزمة التي تعم الشرق الأوسط تتطور، ومن المبكر تلخيص مكوناتها أو صياغة تقييمات إستراتيجية طويلة المدى لم تكن حتى شهور قليلة مضت مناسبة أو ممكنة، ويبدو أن الشرق الأوسط الجديد يشتمل على ظواهر جديدة وأخرى قديمة. وفك رموز هذا الوضع يتطّلب فهما عميقا لتياراته الخفية، فضلا عن التخّلي عن بعض المفاهيم والتصورات المسبقة التي غّذت التحليلات الخاصة بالمنطقة طوال عدة عقود. وتابع قائلا إنّ ما بدأ كنضال ريادي نشط من أجل الديمقراطية تحول في مناطق عدة إلى مواجهات ذات خصائص مألوفة. فتحت شعار إسقاط الطاغية، تجددت مجموعة من الصراعات القبلية والعرقية والدينية والطائفية والأيديولوجية. واندلاعها أعاد بعض الظواهر التي طالما كانت مألوفة في المنطقة، مثل الطغاة الذين لا يرون بأسا في إسكات شعوبهم بالقوة، والقبائل والجماعات الطائفية المتناحرة، والخطر الحاضر دوما والمتمثل في الانجرار إلى فوضى داخلية سيخرج منها المتطرفون في المنطقة أبرز المنتصرين.
تتجلى هذه الظواهر على الخصوص في ليبيا وسورية واليمن، فضلا عن البحرين حيث يقوي الصراع المتنامي بين الأغلبية الشيعية والأقّلية السنية الحاكمة المخاوف العربية العميقة من الحملات التخريبية الإيرانية والتوترات الشديدة بين السّنة والشيعة. كما أن هذه التطورات تتضافر مع مشكلات قديمة تهدد وحدة أراضي دول في المنطقة مثل السودان انقسم إلى دولتين؛ والعراق الذي تعاني حكومته المركزية من ضعف أساسي ومن القوى المتنامية في أطرافه (وبخاصة حكومة الإقليم الكردي الذي يتمتع باستقلال ذاتي في الشمال)؛ ولبنان الذي يستولي عليه حزب الله بالتدريج؛ والسلطة الفلسطينية التي انشطرت إلى كيانين منفصَلين جغرافيا وسياسيا، على حد تعبيره.