الأردن: القصر الملكي والرأي العام يريدان إنتخابات عامة قبل نهاية العام والحكومة والأخوان المسلمون والبرلمان يفضلون تأجيلها للعام المقبلبسام البدارينعمان ـ ‘القدس العربي’ من بسام البدارين: يختصر الرجل الثاني والقوي في جماعة الأخوان المسلمين الشيخ زكي بني إرشيد المسألة ويبدأ من المشهد الختامي عندما يعلن بأن الجماعة الأخوانية لن تخصص وقتا للحوار مع مؤسسة الحكومة محددا أي حوار سياسي مستقبلا مع رأس النظام مباشرة فيما تزداد قناعة المراقبين السياسيين بأن مؤسسات السلطة بدأت تتصرف في أزمة ملف الإنتخابات تحديدا على أساس عدة إحتمالات من بينها إنتخابات عامة في ظل مقاطعة الإسلاميين.
الملك عبدلله الثاني شخصيا حسم الأمر عصر الإثنين في بلاده عندما إستدعى قادة البرلمان وأبلغهم بصورة لا تقبل الإلتباس بان الإنتخابات في العام الحالي 2012 مشيرا الى ان التعديلات الدستورية الإصلاحية لن يكون لها معنى لو لم تجر الإنتخابات العام الحالي علما بأن ثلاثة أطراف تفضل تأجيل الإستحقاق الإنتخابي لعام 2013 هي للصدفة الحكومة والأخوان المسلمين وأعضاء مجلس النواب.
الأخوان المسلمون يفضلون التأجيل حتى تنتهي عاصفة المزاج الإقليمي والدولي المعاكس لإتجاهاتهم نسبيا في المنطقة على أمل عودة نكهة الربيع العربي للأردن. ورئيس الوزراء الحالي فايز الطراونة الذي حضر للحكم في ظروف أزمة وكوزارة إحتياطية ورثت وزارة الرئيس المستقيل عون الخصاونه يفضل أن يعمل بإسترخاء ويؤجل الإنتخابات قدر الإمكان ويخشى المفاجآت الإجرائية خصوصا وأن ملف الإنتخابات ليس بين يديه بل عند صديقة المحنك عبد الإله الخطيب بصفته رئيسا للهيئة المستقلة لإدارة الإنتخابات.
حتى النواب الحاليون يفضلون تأجيل الإنتخابات لإن عقدها سيعني خصم سنة كاملة عليهم من الأضواء والتمتع بكرسي النيابة بدلا من حل مجلسهم قبل وقته بعام كامل.
هذا الوضع يبقي القصر الملكي والرأي العام فقط في دائرة الحماس لإجراء إنتخابات العام الحالي حتى تتغير معطيات الواقع الموضوعي لكن الملك وبصفة شخصية قطع الإثنين الشك باليقين وقال بأن الإنتخابات ستجري لا محالة قبل نهاية 2012 مطالبا النواب ضمنيا بالعمل على إنجاز القانون قبل 15 حزيران (يونيو) المقبل وهو موعد نهاية الدورة العادية للبرلمان ومطالبا الحكومة بالعمل حصريا على أولوية أساسية هي الإنتخابات والوضع الإقتصادي.
أما الهيئة المستقلة وهي جسم سيادي حديث الولادة بقيادة الخطيب فلم يقل كلمته بعد لوجستيا وزمنيا وأغلب التقدير أن التعليمات وصلت الخطيب قبل تعيينه أصلا في رئاسة هذا الجسم خصوصا وان الرجل يقول لمن يسأل بأنه حصل على كل الضمانات الممكنة لكي تعمل هيئته بشكل مستقل فعلا وتشرف على تفاصيل التفاصيل وتتمكن من تحصيل تعاون الجميع خصوصا في المؤسسة الأمنية.
وفي الدائرة القريبة من الخطيب يقال بأن الإشراف المستقل المقنع الذي يمكن تسويقه لدى المجتمع الدولي يعني تمكين فريق الهيئة المستقلة من مخزن المعلومات اللوجستية والإحصائية خلال مراحل الإنتخابات.. ذلك يعني فنيا وضع الغرفة الأمنية حصريا في نطاق سيطرة الخطيب أما في دائرة التيار الإسلامي فيقول الشيخ حمزة منصور بأن الإرادة السياسية الحقيقية ضد التلاعب بالإنتخابات هي الأساس وليس منظومة النزاهة الإدارية مشيرا الى ان مسألة النزاهة تبقى عبثية ما لم يتمكن فريق الهيئة المستقلة من السيطرة ميدانيا على غرف العمليات.
لكن جميع الأطراف في اللعبة السياسية في موقع الدفاع عن منطقها وموقفها اليوم بعدما قال القصر الملكي بوضوح بأن الإنتخابات وبصورة قطعية ستجري العام الحالي فقد تم تسويق خيار إستقالة الحكومة السابقة أو إسقاطها بمعنى أدق على أساس أنها تماطل في إجراء الإنتخابات والعـــاهـــل الأردني تعـــهد لمواطــنيه وللأصدقاء الأوروبيين بأن تتوقف هذه المماطلة وبأن تجري الإنتخابات المفصلية التي وصفت بأنها تاريخية.
ومن هنا ثمة خلفية سياسية ودبلوماسية للإصرار على إجراء الإنتخابات في 2012، والأمر بتقدير النشط السياسي والقانوني مبارك أبو يامين ينطوي على رسالة إلتزام للداخل والخارج على الأغلب. وتفاعلا مع الحسم الملكي المباشر والواضح والصارخ أيقن أعضاء مجلس النواب بأنهم راحلون قبل وقتهم بعام على الأقل وبأكثر لو عاكسوا الإتجاه الملكي العاصف نحو إجراء الإنتخابات قبل نهاية 2012 فقد علمت “القدس العربي” بأن مؤسسة القصر قد تلجأ للخطة ‘ب’ إذا ما تلمست مماطلة إضافية من النواب خلال الأسابيع الأربعة المقبلة وهي حل البرلمان فورا والإنتقال للبحث عن ‘حل دستوري’ لمسألة الإنتخابات.
وعندما سألت ‘القدس العربي’ عن طبيعة الحل الدستوري قال أحد المراجع المهمة بأن مجلس الوزراء في النهاية له صلاحية التقدير في حالات طارئة لان التعديلات الدستورية تمنع القوانين المؤقتة وحل البرلمان وإن كانت مؤسسة القصر تعمل بوضوح اليوم على أجندة مختلفة قوامها وضع الجميع في ‘مزاج الإنتخابات’ وفورا وبدون تأخير فقد طلب الملك بلغة صريحة من الشعب الإستعداد للإنتخابات ومن البرلمان إنجاز القانون خلال الأسابيع القليلة المقبلة ومن الهيئة المستقلة مباشرة العمل فورا.
وحسم بهذا المستوى يعني ضمنيا بأن موقف الحركة الإسلامية من المشاركة والمقاطعة لم يعد عنصرا حاسما في المشهد وفيما تتخذ دوائر القرار الإستراتيجي بوضوح هذا الإتجاه تبدو الحكومة مرتبكة أو غير مستعدة بعد لمناقشة وإدارة إنتخابات عامة بدون التيار المعارض الأبرز في البلاد شعبيا وبوقت قصير.
لذلك وفي اقرب الدوائر على رئيس الوزراء فايز الطراونه يقال بأن الخلطة الوحيدة المتاحة تشريعيا في ظل الحسم الإستراتيجي تتمثل في قانون إنتخاب شرط نجاحه هو إرضاء أو عدم إغضاب الجميع بإستثناء الإسلاميين كما قال لـ’القدس العربي’ أحد الوزراء وعليه فالسؤال اليوم: هل ذلك ممكن فعلا وكيف؟
الإشكال الذي يعترض قانون إنتخاب ‘يغضب الإسلاميين فقط’ في أسوأ الإحتمالات هو أن الحكومة الحالية ليست الجهة المتحكمة اليوم بملف قانون الإنتخاب بعدما إرتكب رئيسها غلطة ‘عدم سحب القانون’ فالنواب هم المتحكمون بالمشهد وخياراتهم وحتى حساباتهم الشخصية مؤهلة للظهور في نصوص القانون أما الأكثر حساسية فهو غياب أو عدم وجود سيناريو موحد داخل مؤسسات النظام على تصور توافقي لصيغة النظام الإنتخابي المطلوب.
عمليا يعني ذلك بأن الإنتخابات الأهم في تاريخ البلاد والتي ستصيغ مستقبلها السياسي كما ورد في خطاب التكليف الملكي للخطيب أصبحت على الأبواب وبقرار إستراتيجي حاسم لكن بدون ‘وصفة سياسية’ محددة تحدد الإتجاهات وبدون حسم النقطة الأكثر إثارة وهي موقف الأخوان المسلمين ونتائج موقفهم مهما كانت.