بحجة تجاوز المسموح: “البحرية الإسرائيلية” تطفئ عيني الصياد سعيدي بـ 15 رصاصة

حجم الخط
1

هكذا كان على إسرائيل أن تتصرف: سيارة ¬عسكرية كان يجب أن تنتظر لخضر سعيدي على الجانب الإسرائيلي من حاجز إيرز في الأسبوع الماضي، من أجل أخذه للمستشفى وفحص إمكانية إنقاذ عينه المتبقية، تلك التي لم تفقأ. بعد ذلك كان على إسرائيل الاهتمام بإعادة تأهيله، وتوفر له كلباً يرافقه ويوجهه، وتشتري له قارب صيد جديداً بدلاً من ذلك الذي أخذته منه وأعادته إليه كومة من الأخشاب، وبالطبع وجوب تعويضه على عماه وخراب بيته.

الجنود الذين فعلوا به ذلك كان يجب أن يقدموا للمحاكمة ويعاقبوا بشدة. كان يجب عرض قصته في كل دورة سلاح للبحرية وإحضاره كمحاضر أجنبي، وكشهادة حية من قلب الجحيم، وذلك ليعرف الجنود الذين يلبسون الزي الأبيض ما يفعلونه بالصيادين العاجزين، الذين لا يعرضون حياة أحد للخطر ولم يفعلوا شيئاً سيئاً، ولكي يعرفوا باسم عبادة الأمن ماذا يحدث عندما يطلقون النار بصورة عنيفة على الصيادين.

وهكذا تصرفت إسرائيل: طوال شهرين وقف سعيدي الأعمى على أعتابها محاولاً الوصول إلى الفحوصات التي استدعي للقيام بها في مستشفى برزيلاي، الذي أجريت له فيه عملية بعد أن أطلق الجنود النار عليه. وحدة تنسيق شؤون الحكومة في المناطق في جهاز الاحتلال، رفضت طوال شهرين الموافقة على دخوله، وضاعت منه فرصة الفحص في المستشفى. يائساً سافر إلى مصر، وهناك قالوا له إنه لا يوجد ما يعرضونه عليه، وقد يجد في إسرائيل ما يمكن إنقاذ بصره.

التجند المدهش لنائب مدير مستشفى “شعري تسيدك”، البروفيسور دان ترنب، ومستوطن من كفار أدوميم، ورابطة أطباء من أجل حقوق الإنسان وبتسيلم، نجحت بعد جهد حثيث ورفص كبير في إحضار سعيدي للفحص في إسرائيل قبل عدة أيام، ولكن لم ينته الأمر بهذا. لقد رُفض دخول أمه التي رافقته كأعمى. فهي خطيرة أيضاً مثل ابنها الأعمى! وثمة توسلات مرة ثانية إلى أن صودق على دخولها.

النهاية ليست سعيدة: الأطباء في مستشفى “وولفسون” قرروا أنه ليس بالإمكان عمل شيء الآن، وبعد 5 سنوات يمكنهم إعادة تقييم الوضع. حُكم على سعيدي بحياة العمى والتعفن والفقر في قفص غزة. حلمه الصغير بأن يرى أطفاله ثانيةً انتهى، وعالمه انهار نهائياً. خرجت أمه باكية من غرفة الأطباء وأما هو فمسح دموعه. بعد ذلك عاد إلى بيته في مخيم الشاطئ للاجئين الذي يسكن فيه مع زوجته وأولاده الثلاثة ولم يخرج منه منذ أن عمي ولن يخرج.

سعيدي صياد غزي نشر شباكه -حسب ادعاءات الجيش الإسرائيلي- خارج الحدود المسموح بها. لا تعرف الحدود وقاحة إسرائيل التي تمنع صيادي غزة من الذهاب إلى مصادر الرزق الأخيرة في سجنهم الكبير (البحر المفتوح). إسرائيل “خرجت من غزة” وحماس لا تفعل سوى إطلاق الصواريخ.

تضاف إلى هذا الإجراء غير القانوني وغير الإنساني عبر استخدام العقاب الجماعي الذي هو أيضاً ممنوع حسب القانون الدولي، وسائل متوحشة وإجرامية لتطبيق القانون. جنود سلاح البحرية يطلقون النار على القوارب البائسة من أجل أن تهرب، مثلما يطلقون النار على قطيع من الكلاب الضالة، التي لا يتوجب أيضاً إطلاق النار عليها. كل هذا بعيداً عن أعين الجميع، في بحر غزة الذي لا يهم أحداً.

أطلقوا على سعيدي حوالي 15 رصاصة معدنية مغطاة بالمطاط من مسافة قصيرة، جميعها في الجزء الأعلى من جسمه. إحداها اخترقت عينه وفعلت بها العجائب. عرف الجنود أن أمامهم صياداً لا يشكل أي خطر عليهم، ومع كل هذا أطلقوا النار عليه. النظام يجب أن يُتبع: النظام الذي تغزو فيه إسرائيل بحر خان يونس وتمنع الصيادين من كسب رزقهم.

سعيدي المسكين سبق وجُرح بأيدي الجنود، بل وسُجن لمدة 13 شهراً بتهمة اجتياز خط الصيد الذي يمليه الاستبداد العسكري العنيف. لن يعود ثانيةً إلى البحر. في الأسبوع الماضي قادته أمه بيده إلى السيارة التي استأجرتها لهم رابطة الأطباء وسافروا معاً إلى غزة إلى الظلام الأبدي. عينه العمياء هي عيون الدولة وعارها وخزيها.

بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 6/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية