بحكومة وبلا حكومة الفلسطينيون يواجهون أزمة بعد الأخرى

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

أضافت استقالة رامي الحمد الله، رئيس الوزراء الفلسطيني يوم 29 كانون الثاني (يناير) لحالة عدم اليقين التي باتت تطبع السياسة الفلسطينية سواء في علاقاتها سياقها الفلسطيني والإقليمي والدولي.

وتأتي استقالة الحكومة التي قادها الحمد الله بعد فشل جهود المصالحة الوطنية بين فتح وحماس مما يضع الخلاف بين الضفة وغزة مرة أخرى في دائرة الفصيلين وهما اللذان يسيطران على المنطقتين. وفي الوقت الذي تشكلت فيه حكومة الحمد الله من تكنوقراط ومحامين ومستقلين، إلا أن هناك دعوات لتشكيل حكومة ذات لون سياسي قوي، أي من فتح وذلك لمواجهة التحديات التي باتت مفروضة على السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله. ومع فشل مشروع المصالحة الذي جاءت حكومة الحمد الله لتمثله ومحاولة فرض قانون الضمان الاجتماعي الذي أدى لاحتجاجات جماهيرية لم يعد للحكومة التي ستستمر بالعمل حتى الاتفاق على حكومة جديدة ورئيس وزراء.

ويتداول الشارع الفلسطيني عددا من الأسماء كلها من فتح لتشكيل الحكومة الجديدة التي يتساءل نقاد السلطة وفتح عن ضرورتها في ظل الوضع السياسي المتأزم للفلسطينيين واستمرار سياسات الحصار الإسرائيلي والمستوطنات والعقوبات الأمريكية المتتالية على السلطة الوطنية في محاولة لعزلها عن سياقها العربي واجبارها على القبول بصيغة السلام التي تعدها وتجرد الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية. وتتواصل لعبة العقوبات وقطع الدعم على السلطة والتي كان آخرها وقف الدعم الأمريكي لقوات الأمن الفلسطينية نظرا للقانون الجديد الذي يناقشه الكونغرس وسرى مفعوله الجمعة.

عقوبات

وتعلق صحيفة “نيويورك تايمز” (29/1/2019) أن الإعلان عن استقالة الحكومة يضيف لحالة التشتت الفلسطينية واستمرار الخلاف بين حماس وفتح ومأزق السلام مع إسرائيل. وفي الوقت نفسه تواجه القيادة الفلسطينية نفسها تحديا تاريخيا، فالرئيس محمود عباس الذي انتهت ولايته منذ سنوات مريض بشكل فتح المجال أمام القادة الفلسطينيين للتدافع لخلافته. وفي الوقت نفسه حدت السلطة من علاقتها مع الولايات المتحدة في نهاية عام 2017 بعد قرار إدارة ترامب الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها. وكان رد إدارة ترامب المزيد من العقوبات على أمل إجبار السلطة على المشاركة في عملية السلام التي تقودها أمريكا. وعلى الصعيد المحلي وبدون انتخابات تلوح في الأفق، حيث كانت آخر الانتخابات قبل عقد من الزمان، يزداد السخط الشعبي خاصة بعد قرار الحكومة فرض ضريبة جديدة لتغطية نفقات قانون الضمان الاجتماعي. ونقلت الصحيفة عن غسان الخطيب، الباحث السياسي في جامعة بيرزيت في الضفة الغربية “لم يرض الناس عن الفكرة كلها” و “لأنهم لا يثقون باستقرار السلطة أو بطريقة إدارة الحكومة للمشروع أو لعوامل أخرى مثل الفساد”. وكان القانون محلا للمراجعة إلا أن الحكومة علقته على خلفية السخط الشعبي.

استعصاء المصالحة

وكان الحمد الله قد عين رئيسا للوزراء في عام 2013 وأصبح رئيس وزراء ما عرفت بحكومة المصالحة الوطنية في حزيران (يونيو) 2014. وجاء تعيينه وسط استمرار الخلافات بين حماس في غزة وفتح في الضفة، حيث واصل الفصيلان منافستهما التي اشتدت بعد فوز حركة حماس الساحق في عام 2006 ثم قيامها بعد عام بالسيطرة على غزة بشكل حدد سلطة عباس في الضفة الغربية. ولم تنجح محاولات المصالحة المتكررة ولا الجهود العربية خاصة المصرية في رأب الصدع وبقيت الاتفاقيات حبرا على ورق بدون تغيير جذري على الأرض. وتفاقمت أزمة الخلاف في ظل الوضع الإنساني الذي يعيشه أهل غزة والحصار المستمر والحروب التي شنتها إسرائيل على سكانه منذ عام 2008. وكان الرئيس عباس قد حل المجلس التشريعي أو البرلمان الفلسطيني الذي تعرض للشلل منذ سيطرة حماس على غزة. وكان رد حماس على القرار الشجب واعتبرته مع استقالة حكومة الحمد الله قرارا من جانب واحد يهدف إلى تأكيد الفصل بين غزة والضفة. وعلق الخطيب على استقالة الحكومة بأنها أمر طبيعي، لكنه حذر من الثمن الذي قد تدفعه فتح لو استفردت بالحكومة المقبلة خاصة أن هناك ترددا من بقية الفصائل للانضمام إليها. وقال إن الحكومة ستفشل في ظل الظروف الحالية، أي القيود الإسرائيلية على الفلسطينيين والخلاف بين الضفة وغزة. ونقلت الصحيفة عن زكريا القاق، الخبير في الأمن الوطني الفلسطيني قوله إن هناك نقصا في الوضوح ولا أحد يعرف أين يسير الفلسطينيون بل هناك حالة غموض.

تنسيق

إلا أن الغموض ليس حالة السياسة الأمريكية، فبعد سلسلة من العقوبات يتعرض التنسيق الأمني الفلسطيني-الإسرائيلي للتهديد في ظل سريان مفعول قانون توضيح مكافحة الإرهاب الذي أقر العام الماضي ويمنح عائلات الضحايا الأمريكيين الحصول على تعويضات مالية، مما سيعرض السلطة الوطنية للدعاوى القانونية لو قبلت الدعم الأمريكي. ولهذا قررت عدم قبول 60 مليون دولار سنويا لدعم قواتها الأمنية بشكل ينهي عقدا من الدعم الأمريكي المباشر لقوات الأمن الفلسطينية. وهو ما يثير مخاوف الإسرائيليين الذين اعتمدوا ولسنوات على التعاون مع قوات الأمن الفلسطيني. وتحدث مسؤول إسرائيلي مع صحيفة “واشنطن بوست” (31/1/2019) عن القانون قائلا إن إسرائيل تدعم جهود الخارجية وبقية مؤسسات الإدارة “للحفاظ على التعاون الأمني من جهة وتحقيق العدالة لعائلات ضحايا الإرهاب”. وتقول الصحيفة إن القلق الرئيسي للإسرائيليين من وقف التمويل الأمريكي لقوات الأمن الفلسطينية خاصة برامج تدريبهم في الأردن، سيؤدي لتراجع قدرات السلطة الوطنية ويهدد التنسيق الأمني مع إسرائيل. ومع أن التنسيق توقف في وقت الأزمات إلا أن الطرفين لا يزالان يتشاركان وينسقان في الاعتقالات ومنع الهجمات. وتشير الصحيفة إلى أن الإدارة أوقفت مساعدات أخرى للفلسطينيين ودعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” إلا أن الدعم الأمني اعتبرته الإدارة مهما ويجب عدم وقفه. ونقلت الصحيفة عن دان شابيرو، السفير الأمريكي السابق في إسرائيل قوله إن التمويل الأمريكي للأمن الفلسطيني “يعد الصمغ الذي يساعد على استمرار التنسيق الأمني وأدى بنجاح لإحباط هجمات”. وقال إن آثار القانون الجديد “أقلقت الإسرائيليين بدرجة كافية حيث ذهبوا في الأسبوع الماضي إلى الإدارة والكونغرس للبحث عن حل”. وقالوا إن قطع الدعم سيؤثر على برامج التدريب ولن يترك أثرا مباشرا ولكنه سيضعف قدرات السلطة مع مرور الوقت. وعلق شابيرو أن القرار رسالة سياسية “تظهر لقوى الأمن الفلسطيني والشعب الفلسطيني أن أمريكا لم تعد شريكا”. وكان قانون توضيح مكافحة الإرهاب نتاج جهود قامت بها منظمة يهودية متطرفة اسمها “شورات هادين”. واعتبرت رئيستها نيتسانا درشان جهود الخارجية الأمريكية البحث عن طرق لتعويض خسارة الدعم لقوى الأمن الفلسطينية بالمخزية. وقالت “الخارجية تقف ضد الضحايا”. وقالت إن قطع الدعم لن يطال التنسيق الأمني لأن السلطة الوطنية لها مصلحة في استمراره لمنع حماس من توسيع سيطرتها على الضفة. وتقول الصحيفة أن القانون جاء بعد عقد من محاولة المنظمة اليهودية الحصول على تعويضات من السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية للضحايا الذين قتلوا بسبب هجمات فلسطينية. ففي عام 2015 أصدرت محكمة أمريكية أمرا بأن تدفع منظمة التحرير 655 مليون دولار كتعويض لعائلات ولكن القرار الغي بعد استئناف لعدم وجود صلاحية قانونية. ومن هنا فالقانون الجديد يمنح المحاكم الأمريكية صلاحية لتجميد أرصدة تعود لأي فرد أو كيان يتلقى دعما أمريكيا خارجيا. وسيؤدي القانون لإنهاء كل المشاريع التي خططت لها أو بدأت بها وكالة المساعدة الدولية الأمريكية “يو أس إيد” في الضفة وغزة، منها مدرسة في الضفة الغربية ستبقى غير مكتملة إضافة لمشروعي مياه في غزة. وقال مسؤول في الخارجية الأمريكية “سنواصل العمل على تخفيف الآثار الممكنة لقانون توضيح مكافحة الإرهاب” و “بالتشاور مع شركائنا فقد قررنا تخفيف عدد من المشاريع والبرامج في الضفة الغربية وغزة”. ونقلت الصحيفة عن محمد اشتية، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح إن القرار سيؤثر على أداء قوات الأمن. فيما قال إيتان  داغنوت الحاكم العسكري للمناطق الفلسطينية في الفترة ما بين 2009 – 2014 إن التنسيق الأمني في أفضل حالاته  “أي ضرر على الميزانية سيؤدي لمشاكل” وأضاف لو رفضت السلطة الوطنية الدعم “فسندفع الثمن” و”ستضر بالتنسيق والولاء والثقة بين كل القوى” و “ستدمر كل ما بني منذ أوسلو”. وأمام هذه التحديات القانونية والأخرى مثل قانون تايلور العام الماضي الذي يمنع وصول الدعم الأمريكي إلى عائلات الشهداء، تواجه السلطة الوطنية أزمات قانونية ومالية وسياسية في ظل حالة انسداد أفق بحيث تجعل الكثير من الفلسطينيين يتساءلون عن أهمية الحكومة حضرت أم غابت، فأوسلو ووعوده غابت ومعه طار حل الدولتين، والعاصمة القدس تحولت إلى حي فيها حسب التوصيف الأمريكي. ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منشغل بالفتوحات العربية والإسلامية من عمان إلى تشاد، ودونالد ترامب لا يهمه زادت المستوطنات أم نقصت، جاع الفلسطينيون أم أكلوا. وكما قال ناقد حاد للسلطة الوطنية، فنهاية حكومة تعني زيادة قائمة الوزراء المتقاعدين الذين يدفع رواتبهم وتقاعدهم دافع الضريبة الفلسطيني المغلوب على أمره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية