الفلسطينيون في غزة لم يعودوا يعرفون من المسؤول عن مآسيهم
سكان غزة المليون ونصف المليون ليسوا فقط سجناء في ذلك الحبس الأكبر في العالم، وانما هم ايضا عُرضة بصورة يومية للهجمات الاسرائيلية التي تُنزل في صفوفهم القتلي والضحايا. أمس الاول قُتل طفلان جديدان، ولم يتوقف الأمر علي المشبوهين باطلاق صواريخ القسام. وان لم يقوموا بالقصف، فهناك الاجتياح لفترة محددة واعتقال عشرات الاشخاص الذين يمرون بحملة من الاهانة التي تتواصل يوما بأكمله.
هناك ايضا قتلي علي يد الفلسطينيين ـ وان كان بأعداد أقل من تلك التي كانت تحدث إبان فترة حكم فتح. ولكن دائرة الثأر تواصل الدوران والتهديد. هناك ايضا اشخاص من فتح اعتُقلوا وعُذبوا، وكان هناك ايضا عريس مؤيد لفتح قُمع حفل زفافه علي يد مسلحي حماس.
الاقتصاد مشلول تماما منذ شهرين. عشرات آلاف العاملين في القطاع الخاص لم يرتزقوا حتي بمئة شاقل في الاشهر الأخيرة. الصادرات معدومة ـ لأن معبر كارني مغلق. وفقا للعبة إنزال الأيدي مع حماس، هذا الوضع سيتواصل لمدة طويلة قادمة.
عندما لا يتم إدخال قطع غيار اجهزة الضخ المعطلة في منشآت تنقية المياه الي قطاع غزة، فقد تحدث كارثة فيضان مياه المجاري مرة اخري. الكهرباء قُطعت لأن الاتحاد الاوروبي يخشي من أن حماس تقوم بجباية ثمن الكهرباء من محطة الطاقة الخاصة في غزة، ولم يعد يمول الوقود الذي تحتاجه للعمل. أمواج القمامة تتكدس في خانيونس وفي غزة وفي جباليا المزدحمة. عندما لا تتم إزالة القمامة يقومون باحراقها فتتحول الي سحب من السموم والرائحة الكريهة.
العاملون في البلديات لم يحصلوا علي رواتبهم منذ شهر كانون الثاني (يناير) من هذا العام، وهم مُضربون. في المقابل هناك عشرات آلاف الشرطيين والموظفين في القطاع العام الذين لا يمتثلون للعمل بسبب الأوامر التي صدرت لهم من رام الله، إلا أنهم يتلقون رواتبهم المتدنية. هناك موظفون يعملون ولا يحصلون علي رواتبهم لانهم عُينوا في فترة حماس. شخص يشي بجاره الذي يواصل العمل كشرطي، فتقوم رام الله باقالة هذا الجار فورا. الوشاية والخوف منها يؤديان الي تفتيت المجتمع من الداخل.
الخوف الأكبر الآن هو افتتاح السنة الدراسية الجديدة: حكومة رام الله وجهت أوامرها بأن عطلة نهاية الاسبوع هي في يومي الجمعة والسبت. أما حكومة غزة فقد قررت انها ستكون في يومي الخميس والجمعة. من يعمل يوم السبت يتم تجميد راتبه، ومن يعمل يوم الخميس يخشَ من قيام حماس بمضايقته. الحل في اغلبية مكاتب الحكومة كان ثلاثة ايام إجازة.
ولكن المدارس لا تستطيع أن تُعطل ثلاثة ايام، وهناك خوف من ان يتجدد النزاع بين حماس وفتح من خلال ساحات جديدة علي ظهر التلاميذ والمعلمين.
سكان غزة ممزقون من كثرة المسؤولين: اسرائيل الاحتلالية التي تتنصل من التزاماتها كقوة احتلالية، وسلطة رام الله التي تُهمل مواطنيها بينما تواصل تحركاتها لافشال حركة الاغلبية ونبذها، وحماس التي تتفاخر بأنها قد حررت غزة وتجد المفر من اخفاقاتها السياسية والاقتصادية من خلال اطلاق صواريخ القسام، واجترار شعارات المقاومة، والدول المانحة التي تقوم من خلال هِباتها (السخية) بالتغطية علي العجز السياسي، والولايات المتحدة التي تقود حملة المقاطعة وتدعم اسرائيل.
كثرة العناوين تتسبب بالبلبلة والاضطراب والشلل. لا غرابة اذا من أنهم في غزة يتدربون في هذه الاثناء علي الاستعداد لامتصاص الضربة القادمة.
عميرة هاسمراسلة للشؤون الفلسطينية(هآرتس) 23/8/2007