بدلة طنطاوي

حجم الخط
0

سمدار بيري

لا أحد عندنا يعرف حقا ماذا يريد محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري الاعلى الذي احتل مكان حسني مبارك. هل يسير الرجل حسب خطة عمل مرتبة أم أنه ارتكب سلسلة أخطاء ادارية؟ فبعد كل شيء، هو الذي سحب الرئيس من القصر وبعث به الى القسم المغلق في المستشفى. كما أن المشير تعهد لمئات الاف الشباب في ميدان التحرير بان ‘الجيش معكم’، ووعد ببناء مؤسسات دولة سليمة، وقال انه سيسير بمصر نحو أفق يوم جديد.

ولكن العشرة الاشهر التي مرت منذ تغيير الحكم تؤدي الى استنتاج بشع: هذا ليس ربيعا، ولا ثورة. الحد الاقصى الذي يبدي الجيش استعداده لعرضه لا يلبي الحد الادنى الذي يطالب به المتظاهرون: حالة الطوارئ لم تلغى، المجرمون يتجولون أحرارا، اعمال الخطف لغرض الابتزاز باتت عادة سائدة، قوات الامن تواصل التصرف بالضبط مثلما في عهد مبارك يلاحقون، يتنصتون، يعتقلون، يحققون بعنف، يهددون، يهينون. وبالمقابل، الاقتصاد ينهار، لا ذكر للمستثمرين، السياح الذين أصروا على العودة فزعوا وهربوا، مصر تبدو ضائعة. اليوم، اذا لم تقع مفاجأة دراماتيكية سيتوجه عشرات ملايين المصريين للتصويت الى البرلمان. بعد ذلك سيأتي دستور جديد، وبعده ستجرى انتخابات للرئيس. في الفوضى الكبيرة لا سبيل للتنبؤ من سيدير الدولة العربية الاكبر. حسب أوراق اجهزة الاستخبارات الغربية، فان الحركة الاسلامية ستحصل على 30 في المئة ‘فقط’. وحسب المخاوف عندنا، التي تعاظمت بالطبع مع تعزز الاسلاميين اول أمس في المغرب أيضا، فان الحركات الدينية من شأنها أن تحتل البرلمان مع نصف المقاعد. فهم الجهة المرتبة، لديهم التمويل، كما أنهم حرصوا على عدم إثارة غضب أعضاء المجلس العسكري.

صورة واحدة، في ذروة حر الصيف، التقطت للمشير طنطاوي في بدلة مدنية يسير باستمتاع وكأنه بالصدفة في أحد شوارع القاهرة متمهلا، مبتسما، بدون حراس شخصيين يصافح المواطنين المتفاجئين، مثلما في حملة انتخابية. في هذه اللحظة بالذات التي برزت فيها بوادر المواجهة مع شباب التحرير: البدلة الغامقة للمشير رمزت الى الصحوة من الحلم ـ اما أن يكون الجيش يتآمر لابقاء المفاتيح في يديه أو أن الحركات الاسلامية نجحت في سرقة الثورة. أين اختفى نجم غوغل وائل غنيم؟ من أصدر الأوامر بفتح النار وقتل المتظاهرين في الميدان؟ لماذا انقض الجيش على الشباب بدلا من فرض النظام في المساجد؟ الاعتقال العاجل لمنى التهاوي، في نهاية الاسبوع، يشغل البال. فقد ولدت في مصر، تربت خلف الخمار في السعودية، تراكضت كصحافية بين القاهرة، القدس ورام الله، الى ان هبطت في نيويورك. هنا تحولت الى صنم عبادة للحركات النسوية العربية، تجرى معها المقابلات كنجمة في البرامج التلفزيونية الاهم، تدعى بانتظام للمؤتمرات الدولية، ترفع علم الجيل الشاب. ثمة للتهاوي مدونة حيوية تحظى بالاف الزوار في كل يوم، والاف المعجبين الذين سحروا بجسارتها وبلسانها اللاذع.

قوات الامن اختطفت التهاوي من جمهور كبير من المتظاهرين في القاهرة، وأرسلتها الى المعتقل. وتمكنت من الاطلالة في التويتر وكان يخيل اليهم أنهم اوشكوا على تصفية الحساب معها. ولحظها يوجد لها جواز سفر أمريكي، وبعد تدخل كتوم قرر قادة المجلس العسكري ان الضجيج من شأنه على يشوش عليهم خططهم. هذه ليست حالة ايلان غرابل: فالتهاوي لم يتجرأوا على اتهامها بانها عميلة موساد.

مع 6 الاف مرشح يتنافسون على 498 مقعدا في البرلمان نحن نغرق في السؤال الخالد: ديمقراطية أم مساجد؟ صحيح، المجلس العسكري لا يترك، ولكن طريقة سلوك طنطاوي وأجهزة الامن تمزق الاعصاب. حتى عندما يعلنون مجددا ان ليس في نيتهم الغاء اتفاق السلام، من الصعب الهدوء. اذا لم تكن هناك نية للالغاء، فلماذا تكرار الوعد؟ السلام فرغ من مضمونه، ليس لنا ممثلية في القاهرة، انبوب الغاز يتفجر، سيناء خطيرة. محبط أنه لا يوجد (تقريبا) ما يمكن عمله. الانتظار فقط، بدون اوهام، الى أن يصعد الرئيس القادم.

يديعوت 28/11/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية