«بدل عن ضائع» تقدم «الحرب الأهلية» حبلى بأزمات المجتمع المتراكمة

حجم الخط
0

عمان- «القدس العربي» – من آية الخوالدة في ندوة خاصة عن روايته الجديدة «بدل عن ضائع» والتي أقامها المركز الثقافي العربي في العاصمة الاردنية عمان، يقول الروائي والشاعر اللبناني شربل داغر: «يصعب على الشاعر ان يكون روائيا، ما يستطيعه البعض منهم، هو الاستمرار في كتابة الاسم العلم، في رفع انا المتكلم علما للكتابة، وهذا ما فعلته بدوري في عملي السردي الاول».
الرواية الصادرة عن دار الساقي في بيروت، تحمل عنوان «بدل عن ضائع» ما يوحي بأنها رواية البحث عن اصل ضائع، اذ تطلب البحث عن هادي، المولود اللبناني– الافريقي الضائع او المفقود، ولا نلبث ان تتحقق في نهاية الرواية من كونه حي على الأرجح دون ان نرى له وجها، او نسمع له صوتا.
وتحدث في الندوة التي ادارها الروائي إلياس فركوح، الروائية شهلا العجيلي والكاتب الصحافي محمود منير، حيث قدمت العجيلي ورقة نقدية بعنوان «مكاشفات سردية لاستعادة الهوية» تناولت فيها الجماليات الروائية، اذ يمتاز النص بحبكته البوليسيّة، التي يشكّل البحث عن المفقود ظاهرها، إنّها أقرب ما تكون إلى مظلّة تظلّل الأحداث العارمة التي تتعلّق بالجوهر، قضايا الرغبات، والنوستالجيا المصحوبة بالهرب، وغيرها من التناقضات المتعلّقة بالأنثروبولوجيا حنين الأبيض لاكتشاف الأسود، وحنين الأسود لاكتشاف الأبيض. كما ان النص كُتب بأصوات الضحايا، التي تصف جلاّديها جيّداً، مرضى نفسيّون لا سبيل إلى شفائهم مهما مددت لهم من أيادي بيضاء للمساعدة. هؤلاء هم الذين يشكّلون الآن القوّة الاستناديّة لعالمنا، لذلك يتمتّع عالمنا بالهشاشة والخبث، إنّهم أولاد الميليشيات الذين تحوّلوا إلى وزراء وقادة، ورجال أعمال، ومنظّرين للفكر.
ولفتت العجيلي النظر الى قدرة النص على طرح الأسئلة الإشكاليّة لفنّ الرواية، والمتجسّدة في أهميّة القضايا الكبرى التي تعتريها تحوّلات تشكّك في أصالتها، بالنسبة لأصالة الوجع اليوميّ التي تخلّفه تلك المواجهات، كالحروب والصراعات الدينيّة والعنصريّة، والقدرة على صناعة نماذج فنيّة جديدة، لا استعادة النماذج السائدة، فالبطوليّ هنا ليس مغرقاً في التراجيديا، إنّه يقاوم تكريس كونه ضحيّة، ويحاول التخلّص من فكرة أن يكون ضحيّة، كما يحاول المعذّب أن ينفي استمتاعه بالعذاب، ليكتشف معنى جديداً للسعادة غير معنى الاستسلام.
وعن المرأة في «بدل عن ضائع» بينت العجيلي انها لم تكن نموذجاً جماليّاً، إنّه ظهور أكثر جدّة للنساء، نساء لسن جميلات أو قبيحات، ومعذّبات بالهويّة، ومتحرّرات من سجن الجسد. نساء لا يشبهن إيمّا بوفاري، ولا آنا كارنينا، ولا سلمى كرامي. كما تحدثت العجيلي عن «الإيروتيكا» التعالق الثقافيّ الذي يرمز فيه النصّ إلى القديم والجديد، في العلاقة بين المقدّس والمدنّس، والرقص والتصوّف، والجسد والعبادة، في هذا الإطار يمكن قراءة الإيروغرافيك على أنّها تجلّ من تجلّيات المورفولوجيا الوظيفيّة للنصّ، مثلها مثل العمران، والأزياء، والمناخ.
فيما قدم منير ورقة نقدية حملت عنوان «»بدل عن ضائع» نمتلك حياتنا بالكتابة عنها» وتطرق فيها الى عنوان الرواية ومجريات أحداثها، موضحا:» «بدل عن ضائع» تتضمن أفكاراً عدة تدل على مناخات العمل والقضايا التي ينبش في تفاصيلها، وربما في مقدمتها فكرة الكتابة نفسها، وفكرة الحرب. وينتقي الكاتب «أجير كتابة» لدى إحدى دور النشر مهنةً لبطل روايته وراويها، إذ يعد ملفات حول مواضيع مختلفة حسب الطلب، تبتدئ بصناعة الكاوتشوك، وتاريخ العملة، والفائزين المتتابعين في سباقات «الفورمولا وان»، وتنتهي بكبار الطباخين العالميين».
واضاف منير:» تبدو الكتابة بأشكالها كافةً خدمة ممتازة حتى لو ظهر اسم الكاتب على عمله، لكن شربل أراد أن يختبر هذه المهنة تحديداً لبطل روايته الثانية، لعله ينجو به من الواقع، ويبقيه كائناً خفياً لا صلة له بما يكتب، فينتقل إلى بيت جديد ليهرب من ماضيه وذاكرته المتخمة بأهوال الحرب الأهلية اللبنانية، وما علِق منها من تشوهات لا تمحى، ظنّاً منه أنه سيعيش حياة أخرى».
وتابع «يضع الحرب وراءه، ويمضي بطل رواية «بدل عن ضائع» رغبةً في الخروج من متاهته الشخصية عبر كتابة رواية ممهورة باسمه، عوضاً عن إعداد دراسات تُنشر بأسماء آخرين، فيتتبع مأساة امرأة في الجوار فقدت ابنها، ويبدأ رحلة الكشف عن أسرارها، ليتواجه من جديد أمام ضعفه الشخصي؛ الغواية الحسية، وآثار الحرب الناهشة في الروح».
ويلفت منير وصف صاحبة دار النشر، الحرب موضوعاً ذا صلة، فتقول: «الحرب تعني الصمت، تعني الغياب، تعني انتفاء السرد، لمّا يكون الرجال هم من ارتكبوا الحرب، وهم من يقومون بالسرد. إنه قانون الفحولة… إنه قانون العشيرة: تحتكمُ إلى نفسها، لا إلى الدولة، فيما تتخاصم مع غيرها».
ومن الإشارات اللافتة حول سرد الحرب، كما يقدّم منير، ما يعرضه الراوي عن والده الذي كان يعمل في محطة القطار التي يأمل بتشغيلها، وكان يعتبر نفسه «ابن دولة»، كونه موظفا بها سنين طويلة ويؤمن بها فوق كل العشائر، لكن الحرب تدخل المحطة، فتتخذها إحدى الميليشيات مقراً لها، ويتعطل القطار من جديد، وتنتهي الأمور بمقتل الوالد على يد مجهولين، كما يراد لكل تفاصيل الحرب الأهلية أن تكون.
يؤمن منير بأن تكرر مفردة «الحمْل» أكثر من 60 مرة في «بدل عن ضائع»، إذ تُلّح على كاتبها الذي حاول أن يجد لبطله مساراً يخلصّه من الحرب وآثارها، لكن لعنتها تبقى مصاحبة له، إذ تبدو هذه الحرب «حبلى» بأزمات المجتمع المتراكمة، التي مهما غُيبت فلا بد من مواجهتها ذات يوم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية