قبل سنتين ونصف السنة كان ابن محمد عويسات ـ 5 سنوات ـ يسير مع أمه في شارع في جل المكبر. ومثل معظم الشوارع في الحي، هناك ايضا لا يوجد رصيف، واصيب الطفل بسيارة مارة. ولحسن الحظ، انتهت الحادثة باصابة طفيفة وكسر في الساق. عويسات، الذي يعمل كرئيس لجنة الاهالي في القرية، قرر الكفاح من أجل شق رصيف في هذا المقطع، المجاور للمدرسة. «ذهبت الى البلدية، قالوا لي ان هذه ليست أرض بلدية، بل أرض خاصة. ذهبت الى صاحب الارض وطلبت منه أن يوافق على عمل رصيف. فقال انه يقدم هذه الارض تبرعا للقرية. عدت الى البلدية وحتى اليوم أنتظر بان يقيموا الرصيف».
هذا الكفاح الصغير في سبيل الرصيف هو واحد من كفاحات عديدة يديرها عويسات من أجل اطفال جبل المكبر: اقامة مدرسة في القرية التي تعاني من نقص 80 صف تعليم، لتحسين الظروف في الصفوف القائمة، بعضها شقق سكنية جرى تحويلها لتصبح صفوفا، لحل مشكلة الاكتظاظ في الصفوف التي يجلس فيها احيانا ثلاثة تلاميذ في كل طاولة؛ معظم الكفاحات تنتهي بذات الشكل: بعد جملة من المراسلات مع البلدية ووزارة التعليم، الجولات والمداولات مع الموظفين ومنتخبي الجمهور، يبقى في الغالب مع الوعود فقط.
عويسات هو واحد من عشرات الزعماء المحليين في احياء شرقي القدس ممن قرروا محاولة تحسين وضعهم. ولهذا الغرض حطموا حظرا امتد لعشرات السنين ضد التعاون مع بلدية القدس والوزارات الحكومية. ولكن نجاحاتهم محدودة جدا. وفي احيان قريبة وان كانوا يواجهون معاملة حسنة في البلدية وفي السلطات، ولكن الميزانيات الطائلة المطلوبة من اجل اعمار شرقي القدس، معارضة السياسيين من اليمين والبيروقراطية البسيطة، تجتث معظم المبادرات وهي في مهدها.
من الصعب أن نعرف بالضبط ما هي اسباب اندلاع العنف الذي يعصف بالقدس في الاشهر الاخيرة، ولكن كل الجهات الفلسطينية التي تحدثنا معها تتفق على أن اهانة القيادة المحلية، التي تحاول حل المشاكل، واستمرار الجور والتمييز لم يساهما في تهدئة الخواطر.
منذ وفاة فيصل الحسيني واغلاق الاورينت هاوس من جانب اسرائيل في 2001 توجد أزمة قيادة في شرقي القدس.
منذئذ وحتى اليوم تدير المخابرات والشرطة صراعا عنيدا لقمع كل نشاط المنظمات السياسية الفلسطينية في المدينة. كل حدث – اطلاع للديبلوماسيين الاجانب أو مهرجان مهرجين للاطفال – له أي صلة بـ م.ت.ف او بالسلطة الفلسطينية يغلق ويفرق، واحيانا بالقوة، من قبل الشرطة.
وينضم عمل قوات الأمن لاغلاق جدار الفصل حول القدس، الذي فصلها ماديا وعقليا عن رام الله، والى المقاطعة المستمرة للفلسطينيين عن المشاركة في الانتخابات البلدية.
وهكذا بقي الفلسطينيون في المدينة في العقد الاخير دون قيادة حقيقية. والى داخل هذا الفراغ دخلت جهتان – النشطاء الإسلاميون من حماس، حزب التحرير، أو الجناح الشمالي للحركة الإسلامية كانت الجهة الاولى التي حظيت بنجاح في المدينة. الجهة الثانية هي اللجان الشعبية في الاحياء، لجان الاهالي، رؤساء المراكز الجماهيرية وزعماء محليين مختلفين حاولوا ان يدفعوا الى الامام، بالكفاح أو بالمفاوضات، الشؤون المختلفة للاحياء مع البلدية والسلطات الاسرائيلية. وكان نصيب معظم هؤلاء القادة هو الاحباط واليأس من معاملة السلطات. مما عزز بزعم الكثيرين المجموعة الاولى.
والامثلة لا تنقص. في العيساوية وفي الطور اعد نشطاء محليون، بالتعاون مع منظمة «بممكوم» ومخطط خاص، مخططا هيكليا جديدا للاحياء على مدى سنين. ونالت المخططات مباركة البلدية، ولكن بعد أن اعدت ورفعت رفضت ودفنت في البلدية.
وبدلا منها اقر بسرعة استثنائية مخطط لاقامة حديقة وطنية جديدة، واسمه «سفوح جبل المشارف»، ينتزع مساحة واسعة من الاراضي المخصصة في مخططات السكان لتنمية الحيين.
أدار سكان القرية الهادئة بيت صفافا في السنوات الاخيرة كفاحا مدنيا أصيلا ومصمما ضد شق طريق 4 (طريق بيغن) الذي يقطع القرية. وحرص قادة الكفاح على ألا يكون ذا طابع سياسي. «اعتقدنا أننا، مثل سكان رحافيا والقطمون، سننجح في كفاحنا حتى دون أن رفع إعلام فلسطين ودون أن نحرق شيئا. ولكن هذا لم ينجح»، يقول علاء سلمان، من قادة الكفاح. وقد ازداد احباطهم ليس فقط لان القضاة ولجان التخطيط اعترفوا بالاخطاء التخطيطية والقانونية ولكنهم رفضوا وقف الطريق، ولكن أيضا لان السلطات ردت على الكفاح بالضبط مثلما ترد على اعمال الاخلال بالنظام في احياء اخرى، بما في ذلك الاعتقال في الساعة الثانية صباحا لرئيس لجنة الاهالي في المدرسة، اقتحامات مبادر اليها من سلطات الضرائب على اعمال تجارية في القرية وتوقيف المتظاهرين.
مخطط البناء الكبير في حي عرب السواحرة اصبح مع السنين رمزا لمحاولات حل أزمة السكان في شرقي القدس. وقد كان هذا مخطط للبناء الاكبر للسكن للجمهور الفلسطيني في المدينة في عشرات السنين الاخيرة. رئيس البلدية، نير بركات، تعهد بدفع المخطط الى الامام، ولكنه واجه مقاومة شديدة من اليمين.
وتأخر كل المخطط الهيكلي للقدس على مدى نحو سنتين من وزير الداخلية الاسبق ايلي يشاي، فقط كي يوقف هذا المخطط. ونجح ممثلو اليمين في لجنة التخطيط في افشاله المرة تلو الاخرى في التصويتات، لشدة احباط اصحاب الاراضي الفلسطينيين. وقبل شهرين، بعد تأخير لسنوات، اقر المخطط في اللجنة المحلية، ولكن الطريق الى البناء لا تزال طويلة.
«الناس يقولون لي منذ الان لا تحاول، فهم يعرفون ماذا ستكون النتيجة. يقولون ان موظفي البلدية يوجدون هناك كي يجعلوك تيأس، ولكني اقرر الاستمرار»، يقول عويسات من جبل المكبر. «الانسان يعيش على الامل»، يضيف درويش درويش، من قادة العيساوية، «حاولنا أن نفعل ما هو جيد للقرية، ولكن كل مرة يدخلون لنا السياسة. لا يوجد هنا لا عدالة ولا مساواة».
«لقد أثبت فشل هذه الكفاحات للسكان الفلسطينين بان الكفاحات المدنية لا تؤدي الى شيء. وبدلا من ان تنشأ قيادة تتبنى طريقة العمل هذه، فان نشطاء الكفاحات اصحوا موضعا للهزء والانتقاد».
يقول أفيف مترسكي، باحث في جمعية «عير عميم».
«النشطاء في هذه الكفاحات اختاروا الوجه المدني وتخلوا عن الرموز الوطنية – لم يشككوا بمجرد سيطرة اسرائيل في القدس الشرقية، لم يتحدثوا عن الاحتلال، المستوطنات أو المطالبة بعاصمة فلسطينية في القدس. كانوا مواطنين صرفا. اما البلدية فقد كان يمكنها أن تعرض هذه الكفاحات كنوع من الاعتراف الفلسطيني الضمني بسيادتها. وكان يمكن للبلدية ان تستغل هذه الكفاحات كي تحدث انقلابا في علاقاتها مع سكان شرقي المدينة. ولكن بشكل ثابت اختارت البلدية النهج المعاكس.
شخصية أساسية في علاقة البلدية مع شرقي القدس هو مستشار رئيس البلدية للشؤون العربية، د. دافيد كورين، المسؤول عن العلاقة مع القيادة المحلية. وفي حديث مع «هآرتس» يرفض كورين الادعاء بالمس بالعناصر البراغماتية في شرقي القدس. ويدعي فيقول ان «كل مخططات العمل والمخصصات تتم بالتعاون مع المدراء الجماهيريين والقيادات المحلية».
وعلى حد قوله، ففي جبل المكبر اضيف في السنوات الاخيرة بين 20 و 30 صف جديد. ومبنى آخر يوجد الان في اجراءات الشراء. وفي العيساوية البلدية هي التي ضغطت لنقل مساحة 40 دونم من الحديقة الوطنية لاحتياطات القرية.
وفي بيت صفافا بزعمه كانت البلدية هي التي دفعت الى الامام بحل يتمثل بتجدير جزء من الطريق الذي يقطع الحي. ويضيف كورين فيقول: «نحن لا يمكننا ان نقبل كل طلب».
«ولكن ما ينتقل الى كل المستويات الميدانية، هو ان هؤلاء هم الاشخاص الذين نعمل معهم. ذات القيادات التي تؤثر على النهاية على مخططات العمل وعلى المخصصات البلدية والحكومية وهم شركاء في الطريق. وفي النهاية فان العناصر البراغماتية ستنجح في التعزز مقابل العناصر القومية المتطرفة. إذ بينما تعمل الاخيرة بالتخويف، فان العناصر البراغماتية هي التي تجلب النتائج».
هآرتس30/11/2014
نير حسون