حمدين مصاب بهستيريا السيسي!
وإلى المعارك والخلافات التي تزداد حدة وتشعبا حول السيسي وحمدين المرشحين الوحيدين لانتخابات الرئاسة، وسنبدأ بعدد ممن كانوا في الحزب الوطني ومؤيديه ومنهم زميلنا في ‘الجمهورية’ السيد نعيم وقوله يوم الاثنين:’الالتفاف الجماهيري الكبير حول السيسي جعل حمدين صباحي ومن حوله من أنصار ومؤيدين يصابون بما يسمي هستيريا السيسي. فحمدين بدأ السير لمنصب الرئيس في معركته الانتخابية برفض ترشيح السيسي لمنصب الرئيس ثم توالت تصريحاته وتصاعدت حدتها حتى أطلق مؤخرا تصريحه الشهير الذي أحدث ردود فعل هائلة قائلا: لا أعامل السيسي باعتباره مجرما. والغريب أن هذه التصريحات الحادة والصادمة، التي ليس لها محل من الإعراب، سارعت حملة حمدين بنفيها تماما متهمة صحيفة ‘اليوم السابع’ التي نشرت التصريحات بالكذب والتلفيق، ولكن الصحيفة كانت حريصة على تأكيد مصداقيتها وأن تصريحات صباحي مسجلة. وسقطات اللسان تتوالى من جانب حمدين ورصيده لدى الجماهير يتضاءل، بعكس ما يتصور هو من أن هذه التصريحات العنترية ستجذب له مزيدا من أصوات التيارات الشبابية أو جماعة الإخوان’.
الإزدواجية الملتبسة المتناقضة في دعاية حمدين
ونظل في يوم الاثنين وننتقل لـ’الأخبار’ لنجد رئيس تحريرها السابق زميلنا السيد النجار ـ ناصري الاتجاه ـ يقول:’مشكلة حمدين وحملته أنهما يتصوران أن بعض المجموعات التي التبس عليها مفهوم الثورية عن جهل أو عمد، أن هؤلاء هم مصر وشعبها، وأن هذه هي مطالب الناخبين من الرئيس الجديد. ومن هنا جاءت الازدواجية الملتبسة المتناقضة في دعاية حمدين، لا نناقشه في أساسية يؤمن بها كل مرشح حتى لو كان لعضوية مجلس محلي في قرية، وهي الحقوق الأساسية للحياة الكريمة للمواطن ونظام ديمقراطي سليم. ولكن تناقضات حمدين وحملته مهما حاولا إنقاذ أخطائهما، هي ما نناقشه وهو ما يتعارض أيضا مع شعار حملته الرئاسية، العدل والمحبة، فأي عدالة انتقالية في أحداث شهدتها مصر منذ ثورة يناير، وحمدين أول من يعلم أن الإخوان هم من دبروا كل هذه الأحداث لتسير مجريات الأمور مع كل حادث بما يحقق أهدافهم السياسية حسب طبيعة كل مرحلة’.
ناصحو السيسي قادرون
على العيش في كل العصور
وفي العدد ذاته نقرأ لزميلنا وصديقنا رئيس تحرير مجلة ‘آخر ساعة’ الأسبق وأمين الإعلام بأمانة الحزب الوطني بمحافظة القاهرة رفعت رشاد وهو ناصري الاتجاه أيضا وكان يعبر علنا عن ميوله قال:’كثر الأوصياء على المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي البعض يهمس في أذنه باعتبار أن نصيحته للسيسي سر من أسرار الكون ولم يكتشفه السيسي بعد. آخرون يصرخون في كل مكان أمام الميكروفونات وعلى الشاشات موجهين نصائحهم الغالية للرجل القادم رئيسا لمصر خلال أسابيع قليلة، كل يحاول الإيحاء بأنه آت بما لم يستطعه الأوائل.
بعض الناصحين إن لم يكن معظمهم لم يخوضوا حتى انتخابات مجلس الآباء في مدرسة، آخرون يمارسون التنظير على طريقة جنرالات المقاهي، والباقي من الفاشلين الذين خاضوا الانتخابات وسقطوا من حالق. من النصائح الغالية التي يقدمها المنتفعون للسيسي أن يبتعد عن أعضاء الحزب الوطني، وكأن السيسي متعلق بقشة الحزب الوطني، وفي الوقت نفسه يشوه هؤلاء أعضاء الحزب الوطني الذين منهم الآن رئيس الوزراء ووزراء ولم يثبت علي أي منهم حتى مخالفة مرور، هؤلاء لا يخشون على السيسي بقدر ما يخشون على أنفسهم في الانتخابات البرلمانية القادمة، إذا ما خاضها الشرفاء من أعضاء الحزب الوطني أصحاب الشعبية في كل الأحوال. ندعو الله أن ينجي السيسي من شر أعدائه اللبلابيين القادرين على العيش في كل البيئات وفي كل العصور’.
حملة صباحي تتهم أجهزة
الدولة بالانحياز للسيسي
ومن ‘الأخبار’ إلى ‘المصري اليوم’ وزميلنا وصديقنا عبد اللطيف المناوي رئيس قطاع الأخبار السابق في التلفزيون المصري في آخر عهد مبارك وقوله:’في الوقت الذي تستخدم فيه حملة المرشح الرئاسي حمدين صباحي جميع وسائل الهجوم والتهديد بالانسحاب واتهام الدولة وأجهزتها بالانحياز إلى المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي، نجد أن العكس هو الذي يحدث، عندما أقال رئيس الوزراء محافظ الوادي الجديد لأنه أعلن تأييده للسيسي، ومثلما أزالت محافظة القاهرة لافتات دعائية علقها عدد من محبي السيسي بحجة أن التوقيت الرسمي للحملة الانتخابية لم يبدأ بعد، مع أن علينا أن نتخيل رد فعل حملة المرشح الآخر لو قامت الدولة بإزالة لافتاتهم.
ماذا لو تم فتح أبواب الشهر العقاري يوم الاجازة لحملة المرشح الأول لاستكمال توكيلاته، ألم تكن الحملة الأخرى تقوم ولن تقعد؟ ألم يكن سيخرج أحد الناشطين من مكمنه أو مقهاه أو حسابه على تويتر لكي يصرخ في الدولة متهما الدولة بالعمل يوم الاجازة بضعف الأجر للموظفين، في الوقت الذي تعاني فيه الدولة من متاعب اقتصادية تثقل هيكلها الإداري؟
لماذا إذا لم نر شيئا من هذا عندما فعلت الدولة هذا مع المرشح الثاني لكي تساعده في إنهاء توكيلاته؟ وفي الإطار نفسه خرجت اللجنة العليا للانتخابات لكي تضيف رمزا جديدا لم يكن ضمن الرموز لصالح المرشح أيضا، وطبعا لو حدث مثل هذا مع المرشح الأول لكنا سمعنا عشرات الاتهامات للدولة بالانحياز. لقد نجحت عملية التخويف في إجبار الدولة أن تنحاز للمرشح الثاني لكي تنفي عن نفسها تهمة الانحياز للمرشح الأول’.
حملة المباخر وكهان المعبد
يحاولون إفساد عقل السيسي
ونغادر ‘المصري اليوم’ إلى ‘المشهد’ الأسبوعية المستقلة ورئيس تحريرها زميلنا مجدي شندي ـ ناصري ـ وقوله:’كان طبيعيا أن يجد حمدين صباحي نفسه في مواجهة طوفان لهب، فالرجل مس مقدسا وتجرأ على تابو كبير صنعته كراهية الناس للإخوان، وتأليه الحاشية المستفيدة التي سبق أن استفادت من كل العصور وأكلت على كل الموائد ونافقت كل الحكام أو الموعودين بالحكم. تصور لو أن السيسي قال للمحيطين به هذه معركة انتخابية ومن حق المنافس أن يطرح ما يشاء، حينها ستخرس الألسنة ويفيق كل الذين مثلوا من الصدمة، والرعب على وجوههم لمجرد نطق حمدين عبارة ‘محاكمة السيسي. حمدين يطرح رؤية تقدمية لا تجعل أحد فوق القانون، وهو يقصد أن يعترف كل من ارتكب جريمة في حق الشعب بجريمته ليفتح باب المصالحة والغفران تضميدا للجراح وإطفاء للغضب بسبب مقتل أبرياء في الحرب ضد الدولة والإخوان.
بالتأكيد من يقبل أن يؤله شخصا يجوع ويشبع ويصح ويمرض ويصيب ويخطئ لن يكون بمقدوره تصور إمكانية محاكمته، سواء كان الأمر هزلا أم جدا، فأنصاف الآلهة لا يحاكمون لست أعرف كيف لا يشمئز السيسي الذي أثق به وبعفويته وتواضعه من حملة المباخر وكهان المعبد الذين يحاولون إفساد عقله وتصويره على أنه فرعون جديد’.
السيسي لا يمتلك تأثير عبد الناصر أو السادات
ومن ‘المشهد’ إلى ‘المصريون’ الأسبوعية المستقلة وصاحبنا هشام النجار وهو من أعضاء الجماعة الإسلامية الذين تابوا عن حكاية العنف ومن كتاباته نجد ان لديه ميولا ناصرية واضحة قال:’اليوم يتقدم السيسي بشخصية سياسية متواضعة ومواهب محدودة وقدرات خطابية هزيلة، مقارنة بقدرات زعماء كبار امتلكوا ناصية البيان والتأثير في الجماهير، بأصوات نافذة وأداء حركي مذهل، كعبد الناصر والسادات على سبيل المثال بمعايير القيادة الذاتية في بلد بحجم مصر يظل أخطر ما سعى إليه من وصلوا لرأس الحكم قديما وحديثا، هي تلك المهابة لمجرد رؤية الملايين لرئيسهم وسماع صوته، وهذا ما لا يتوفر بالمرة عند سماع السيسي أو رؤيته، خاصة في إظهاره التأدب والخجل والجانب العاطفي وابتسامته الغريبة التي تنتمي لأي احد إلا صنف الزعماء. سياسيا ليست هناك شخصية في المشهد الآن تضعف المشير السيسي رغم المحاولات الإعلامية لإثبات العكس، لذلك فالرجل ملاحق برفض قطاع واسع من الإسلاميين والمتعاطفين معهم، ويخوض مباراة ليست أكثر من تقسيم بين الناصريين بعضهم بعضا، والرابح فيها لن يكون إلا ناصريا وسيظل حريصا على عدم إظهار المودة لرجال ورموز نظام مبارك.
يحاول الإسلاميون مؤخرا الاقتراب من جديد للصف الثوري، والاعتذار له وتقديم تنازلات حتى لا تظهر من جهة كتنازلات مباشرة للسلطة الحالية وليمتلكوا بعض القوة في مواجهة ذراع السيسي الحديدية، الخلاف بيني وبين من يحاورني إلى الآن من القادة الإسلاميين ورموزهم حول نقطة جوهرية حول الثابت والمتغير، خاصة بشأن اعتبار العلاقة مع المؤسسة العسكرية كثابت استراتيجي لا كمتغير سياسي. هم يخلطون الأوراق والقضايا وتأخذهم العداوة مع السيسي للعداوة مع الجيش في الوقت الذي كان من الممكن لو أحسن الإسلاميون الأداء أن يكون الجيش بلا مبالغة ذراعهم لا ذراع السيسي’.
لماذا لا نؤيد المرشح الآخر؟
ونطوي صفحات صحف الاثنين لنفتح صفحات صحف الثلاثاء بادئين بـ’المصري اليوم’ التي كتب فيها صديقنا اسكندر متهما كنيسته الأرثوذكسية بالانحياز إلى السيسي ضد حمدين قائلا:’ما يطلق عليه في الكنيسة لجنة المواطنة التي يرعاها أحد الأساقفة الكبار كانت تعطي التوجيهات عبر الكنائس وعبر الأعضاء المنتمين لها للسيطرة مرة أخرى على الأقباط، وكان ذلك واضحا في التأييد الذي حصل عليه الفريق أحمد شفيق في انتخابات الرئاسة، خصوصا في الجولة الأولى، إلا ان بعض الشباب شق عصا الطاعة ووصل الأمر إلى فضح تلك التوجيهات بشكل علني ورفضها، واستمر الشباب في التمرد لأنه رأى أن من حقه كمواطن أن يعبر عن صوته ويختار بعيدا عن سلطة رجال الكهنوت، وما حدث بعد ذلك في ليلة سبت النور هو استكمال لهذا التدخل السافر والتوجيه الواضح، حتى لو جاء تعبيرا عن لحظة يعبر فيها شعب مصر عن رأيه، وأنا لست ضد ذلك، ولكني أراه خارج الكنيسة وسلطة كهنوتها ولا أراه تعبيرا وطنيا يعبر عن لحظة وطنية، إنما هو تعبير سياسي وبالذات بعد أن واكبته تصريحات لبعض الأساقفة الكبار يعلنون فيها تأييدهم لمرشح، بل وصل الأمر إلى أن هناك من حاول أن يفر ولم يجب عن سؤالي: لماذا لا نؤيد المرشح الآخر؟.. وللحقيقة علينا أن نكتشف أيضا ان تدخل الدولة وأجهزتها بوضع الأقباط بين خيارين وبين ما يطلق عليه بديل الدولة من جماعات متطرفة وبالطبع يعيش أقباط مصر الحالتين معا. في النهاية هكذا عاش الأقباط بين مطرقة الدولة حيث المواطنة المنقوصة وسندان كهنوت الكنيسة وبناء نفوذها وتعبيرها السياسي عن الأقباط لذلك كان من الطبيعي أن يعيش الأقباط حالة القط يحب خناقه’.
الجيش يبني إمبراطوريته الاقتصادية
وإلى الردود والمعارك المتعددة التي يضرب أصحابها في كل اتجاه لا يلوون على شيء حيث اختار صديقنا عميد الجيش الأسبق وبطل معركة وقف عملية بيع محلات عمر أفندي يحيى حسين عبد الهادي الذي سخر يوم الأحد في ‘اليوم السابع’ من اتهام الجيش بأن له إمبراطورية اقتصادية فقال موضحا بالوقائع والأرقام:’إنني أذكر أنني في بداية خدمتي كضابط مهندس بالقوات المسلحة في نهاية السبعينيات من القرن الماضي فوجئت بأن العشاء المقرر للجندي في هذا الجيش المنتصر هو قرص جبن نستو مستدير أو بيضة واحدة، وليس كليهما، ورغيف خبز جراية يقيم بها أوده حتى الصباح في خدمته، وهو نفس المقرر للضباط الذين يضطرون لدفع مبلغ من المال تحت مسمى ‘تحسين عيش’ لإضافة بعض الفول أو الزبادي. وعرفت أن غذاء وكساء أي جيش في العالم هو مسؤولية الدولة، وهذا ما لا تستطيع أن تقدمه الدولة الفقيرة والمأزومة في مصر.
كان يخالجنا شعور بالآسى لهذه الحالة البائسة لجنودنا وضباطنا، يمتزج بشعور من الخجل لأننا نثقل كاهل الدولة بهذا العبء، رغم ضآلته على مستوى الفرد، إلا أنه كبير بعدد أفراد الجيش، ثم استنكف وزير الدفاع الوطني عبد الحليم أبو غزالة أن نظل عبئا على الدولة، وكان مما قاله أليس منا بيطريون وزراعيون يستطيعون أن يفعلوا ما يفعله أي فلاح مصري بإنشاء مزرعة دواجن، وأّكرر أننا كنا في سعادة بالغة في السنة التي أعلن فيها أن ثلث احتياج الجيش من البيض تم تدبيره بواسطة القوات المسلحة، ثم تطور الأمر سريعا عاما بعد عام إلى أن تم إعفاء الدولة من العبء الإداري بالكامل للقوات المسلحة، فضلا عن ان تحسن هذا النشاط لا يأخذ من ميزانية القوات المسلحة مليما، بل على العكس أصبح يحقق فائضا بسيطا يدعم به الجيش مجهوده الحربي الذي لا تكفيه الميزانية المعتمدة من الدولة أو يؤمن احتياجات القوات المسلحة في أمور أخرى، سواء لتخفيف العبء عن الدولة أو لدواعي الأمن الحربي.
أتعجب من كلمة إمبراطورية، فالموضوع كله في حدود عشرين شركة معظمها من حجم الأعمال المتوسطة، أي أقل من عدد شركات شركة قابضة واحدة وما أكثرها، لذلك فإنني أتعجب مما يقال عن انها تشكل 60′ من الاقتصاد المصري. ليس سرا الآن ما حدث في مجلس الوزراء سنة 2005 عندما ذهب محمد محيي الدين ليفاخر بأنه باع حصة الدولة في شركة السويس للأسمنت، وأنه في خلال شهور قليلة سيبيع الشركة القومية للأسمنت، فإذا المشير طنطاوي ينتفض متسائلا من أين يحصل الجيش على احتياجاته من الاسمنت؟ هل يتسول لدى شركات أجنبية حيث أن شركات الاسمنت بيعت لأجانب؟ فقرر الجيش إنشاء مصنع اسمنت بالعريش وحاولت شلة أمانة السياسات إثناء الجيش عن بناء المصنع بحجة أن عصر قيام الدولة بإنشاء مصانع قد انتهى للأبد في مصر. الحمد لله أن هذا المصنع قائم الآن يؤمن احتياجات الجيش ويبيع الفائض للشعب بسعر يقل عن سعر السوق في أوقات الأزمات بحوالي مئتي جنيه للطن’.
توظيف الاعلام لتكريس الظلم واتهام الأبرياء
وثاني المعارك هي من نصيب زميلنا الكاتب الإسلامي الكبير فهمي هويدي الذي هاجم الإعلام المصري الذي يحول أي تصرف أو تحرك الى انتصار مثلما حدث في زيارة رئيس الوزراء لعدد من الدول الافريقية قال يوم الاثنين في مقاله اليومي المتميز بـ’الشروق’:’زيارة المهندس إبراهيم محلب لتشاد لم تغير شيئا في موقف الاتحاد الافريقي، كما أنه لم يكن هناك أي تراجع في الموقف الأمريكي إزاء مصر، لأن ما حدث كان بمثابة تطور محسوب وليس تراجعا، فضلا عن أن زيارة السيد نبيل فهمي لبيروت لم تحقق أي تقدم يذكر، في دور مصر الذي لا أحد يشعر به في العالم العربي. وهذه النتيجة تنطبق على زيارة الوفود الشعبية والسياحية السياسية التي قامت بها لعدة عواصم أوروبية، إن شئت فقل أن ذلك كله تم في إطار المساعي والتطلعات السياسية التي تعاملنا بها إعلاميا على أنها حقائق وأخبار. والأسوأ من توظيف الإعلام في تلميع المسؤولين ومداهنتهم أن يستهدف التوظيف تكريس الظلم واتهام الأبرياء، ذلك أنه إذا كان الغش والتدليس أمرا سيئا ومذموما، فإن إيقاع الظلم واستباحة كرامات الناس وحرماتهم أسوأ وأضل سبيلا، والاثنان حاصلان في مصر للأسف الشديد إذ بموازاة الشواهد التي أشرت إليها توا، فإننا نجد تنافسا أشد في الإعلام على كيل الاتهام للمخالفين بما يؤدي إلى اغتيالهم سياسيا وأدبيا، فهم بين مشتبهين في انتمائهم إلى الطابور الخامس أو منخرطين وضالعين في الخيانة والعمالة، وإذا كان تبادل الاتهام والتجاذب مع المخالفين أمرا مفهوما، وبعضه مشروع ضمن حدود معينة، إلا أن أسوأ الاتهامات وأفدحها هي تلك التي يرمي بها أناس يعجزن عن الدفاع عن أنفسهم والرد عليها، وذلك هو الحاصل مع آلاف البشر الذين تم اعتقالهم في مصر منذ شهر أغسطس/اب 2013، إذ تنافست الأبواق الإعلامية بتوافق أو تنسيق مع المؤسسة الأمنية على إطلاق سيل الاتهامات بحقهم، التي لا تستهدف تجريمهم وشيطنتهم فحسب، ولكنها استهدفت أيضا تلويث تاريخ امتد الى عشرات السنين السابقة’.
ذهاب الهيبة عن العدالة
وعن هيبة القضاء ونزاهته التي عُرف بها في مصر يتحدث لنا رئيس تحرير ‘المصريون’ جمال سلطان في مقاله الذي عنونه بـ’على هامش احكام الاعدام’ قائلا:’أسوأ ما يمكن أن ينتج عن الأحكام القضائية الغريبة في مصر مؤخرا، هو ذهاب الهيبة عن العدالة نفسها، وتحول القضاء في وعي الناس وتصورهم إلى مجرد أداة للسلطة لقمع معارضيها، القضاء في النهاية له هيبة لا يستمدها من سلاح ولا من سلطة ولا حتى من قوانين، وإنما من ثقة الناس في أن هؤلاء القضاة يغرسون بذور العدل في المجتمع، وأنهم موئل الناس عندما تسد في وجوههم الأبواب، وأنهم ملجأ الناس لرد المظالم أو الانتصار للمظلوم أو حمايته، وأنهم حصن المستضعفين من تغول السلطة أو المسؤولين، أو أي مستقو بغير الحق أيا كان مصدره، هيبة القضاء لا تأتي من العنف المقنن، وإنما تأتي من الثقة بأنه ‘خليفة’ الحكم العدل في هذه الأرض، وحتى القوانين والتشريعات ليست هي التي تحقق العدالة في الأرض كواقع، هي هياكل منظمة للعمل، وإنما يحققها القاضي العادل، وبالتالي فعندما تتوالى أحكام تهز ضمير العالم كله من فرط قسوتها وغرائبيتها، فإن الخاسر هنا هو القضاء نفسه بالدرجة الأولى، لأنه يفقد الثقة به داخل مصر وخارجها، لا يمكنك أن تقنع أحدا الليلة في العالم كله بأن في مصر قضاء عادلا ومستقلا، وتصريحات الإدانة الغاضبة والحادة تنطلق الآن من عواصم الشرق والغرب، سواء تندد بما حدث في مصر، ومهما قدمت من أغنيات وأناشيد وتصريحات داخلية عن استقلال القضاء، وأن قضاءنا شامخ وقضاءنا ليس عليه رقيب إلا الله وقضاءنا لا يقبل تدخل أحد في أعماله وأحكامه، كل هذا لن يقنع أحدا، ولن يخدم لك أي قضية، ولن يجد من يشتريه، ولن يغير الصورة الكئيبة والسوداوية التي ترسمها أنت بنفسك لنفسك في العالم كله .
الخطير الآن أن القضاء يتحول تدريجيا إلى خصم وعدو سياسي في وعي الحركات الوطنية، الإسلامية واليسارية والليبرالية على حد سواء، لأن أحكامه القاسية والغريبة وغير القابلة للتفسير شملت الجميع، فوصلت الرسالة للجميع أنه لا يقصد من حملة التأديب الإخوان أو أنصار مرسي مثلا، ولا الإرهاب ولا العنف، وإنما القوى الوطنية التي فجرت ثورة يناير/كانون الثاني وقادتها وأسقطت نظام مبارك، بطبيعة الحال هذا الوعي الجديد الذي بدأ تشكله على وقع الأحكام المتوالية، سينتج خريطة سياسية جديدة ربما حارب السيسي والمؤسسة العسكرية وأجهزتها طويلا من أجل تحاشيها، كما أن الأسوأ من هذا أن مصر تدخل في مرحلة من الصراع العلني والمكشوف بين مؤسسة القضاء والقوى الوطنية، خاصة المعارضة للحكم العسكري، من غير العملي ولا المفيد أن تناقش أي الطرفين أخطأ وأي الطرفين أسرف وأي الطرفين بدأ الدوامة، لأن ما حدث حدث، ومعظم القوى الوطنية المعارضة الآن تنظر إلى القضاء كخصم سياسي وليس كحكم ورمز للعدالة .
عندما سرب أحد المواقع الإخبارية تصريحات لحمدين صباحي يتحدث فيها عن أنه سيقدم السيسي للمحاكمة، انشغل الجميع بالسؤال عن حقيقة التصريحات من عدمها، نفيا وإيجابا، ولم يتوقف أحد كثيرا عند مسألة أن يقدم الرئيس شخصية عسكرية أو سياسية للمحاكمة، كأن الجميع يتعامل مع المحاكمات باعتبارها قرارا سياسيا وإرادة سياسية، من يقبض على زمام السلطة السياسية يمكنه أن يحاكم أي خصم سياسي أو لا يحاكمه، فالمسألة لا تتصل بمنظومة العدالة والقضاء بقدر اتصالها بالقرار السياسي والإرادة السياسية، وفي مثل هذه الأجواء من الصعب أن تنفي عن كل ما يجري في مصر حاليا أنه محاكمات سياسية بقرارات سياسية .’
تغيير يليق بتغير شعب
وعن التغيير واهميته وضرورة ملاءمته وتوافقه مع تغير الشعب الذي قام بما عليه القيام به يتحدث لنا كاتب ‘الشروق’ عمرو خفاجي قائلا:’أهم ما أفرزته ثورة 25 يناير 2011، أن الشعب تغير ولم يعد ذلك الشعب نفسه الذي كان متساهلا من قبل، على الأقل هذا ما تيقنا منه حتى الآن، وتحديدا، كما يقول أستاذ العلوم السياسية الدكتور أحمد يوسف، أن ذلك هو الضمانة الأساسية للحفاظ على المسار الديمقراطي، وحتى لمواجهة أي أفكار تنوي عسكرة الدولة، وأن هذه القوى الشعبية لن تتنازل عن حريتها، حتى لو تعطل ذلك لبعض الوقت، وأن الديمقراطية آتية لا ريب في ذلك، وهو سياق يبدو منطقيا إلى حد كبير، خاصة أن مطالب الثورة لم يتحقق منها أي شيء حتى الآن، والحاضر لا ينبئ عن إمكانية تحقق أي منها، وبذلك نكون قد أمسكنا في أيدينا فقط، ما نستطيع أن نطلق عليه أن التغيير صار هو الضرورة، رغم أننا لم نلحظه أو نقابله، وإن أصبح التغيير هو العنوان الرئيسي لما نعيشه طوال الأعوام الثلاثة الماضية.
إن التغير الحاصل في مصر لم يقدم الأفضل، أو على الأقل هذا ما يشعر به الغالبية، بل ان أطرافا عديدة، تشعر للأسف الشديد، بأن الأمور أصبحت أسوأ مما كانت عليه، بدرجات متفاوتة، ففريق يرى ما قبل 25 يناير/كانون الثاني كان أفضل من كل ما تلاه، وفريق آخر يرى أن 30 يونيو/حزيران صححت ما حدث بعد 25 يناير، وبينهما من فرح بيناير ورفض ما فعله الإخوان ثم عاد وفرح بيونيو، وهناك أيضا من فرح بيناير لكنه غضب من يونيو وما بعدها، لتتشكل حالة مذهلة من الانقسام في فهم التغيير وضروراته وآلياته، وعلى وجه الخصوص انقسمت الرؤى في ما يطلبونه من تغيير، فهناك غالبية (الحمدلله) تبحث عن تغيير لما كان سائدا قبل 25 يناير، وآخرون يرغبون في العودة لما بعد يناير وقبل يونيو، وقلة، كما أتصور، تطلب تغييرا هيكليا وجذريا لمصر أخرى حضارية ومتطورة وناهضة لا تعرف أوجاع الماضي السياسية والاقتصادية والثقافية، وهؤلاء لا يرون ذلك ممكنا في هذه اللحظة. فإذا كنا نعترف بعدم الاتفاق على التغيير الذي نرجوه، فيجب أولا، وقبل كل شيء أن نتفق على الهدف العام الذي يجب أن نعمل من أجله ونغير في اتجاهه، كما يجب أن نتعرف على تفاصيل هذا الهدف، ونطمئن الى أنه سيمثل تغييرا حقيقيا للمواطنين الذين تغيروا فعلا، وقاموا بما عليهم، بينما لم تنجح الأنظمة المتعاقبة بعد يناير، فى إحداث أي تغيير يوازي تغيير المواطنين، وربما هنا تتعقد معادلة التغيير في مصر، فالمسألة ليست فقط إمكانات هزيلة أمام رغبات جامحة، وإنما غياب الرؤية والهدف الجمعي، وأن ما يراه فريق شرا يراه الفريق الآخر خيرا، والعكس صحيح، وأعتقد أن هذا ما يجب أن نبذل الجهد من أجله، لأن التغيير لمجرد التغيير مصيبة كبرى نحن في غنى عنها، كما أن القضاء على الفساد بداهة ولا يعتبر من أوجه التغيير ولا يستوجب النقاش أصلا، والانحياز للفقراء أمر مقرر بحكم الثورة ولا نعتبره من أشكال التغيير، أما أن يتغير الشعب فيجب أن نكون بصدد تغيير يليق بتغير شعب بكامله، تغيير يستوجب نهضة أمة وقفزة كبرى إلى مستقبل قادر على نسف كل فساد الماضي وخلافات الحاضر’.