رشاد أبوشاور
لم أقرا من قبل نصاً أدبياً عن ثورة( ظفار) التي خمدت نيرانها وانطفأت، وتفرّق ثوارها، فمنهم من (كوّع) وباع، ومنهم من اختار المنفى اضطرارا، ومنهم، ومنهن.. من احتواهم ثرى بلادهم الذي افتدوه، هم الذين وعدوه أرضا وبشرا بالحريّة.
محمد الشحري، كاتب عماني شاب، صدرت له في العام 2010 مجموعة قصصية بعنوان (بذور البوار)، وأنا أقرأ له للمرة الأولى، ولعلها أيضا المرة الأولى التي أقرأ فيها نصوصا نثرية عُمانية، وهذا يعود ليس إلى تقصير منّي، ولكن إلى أسباب خارجة عن قدراتي، فأنا أتلهف دائما على قراءة نصوص نثرية من البلدان العربيّة التي لم أطلع على كتابات مبدعيها، ولكن حظّي مع الشعر أفضل، فقد قرأت أعمالاً شعرية عُمانية، وتعرّفت بشعراء من عُمان. تتوزع هذه المجموعة بين (الحكاية) و(القصّة القصيرة)، ويجمع نصوصها: شعور بالمرارة بسبب البور الذي آلت إليه الثورة، ولخيانة (رفاق) تنكّروا للمبادئ، وانتقلوا إلى مناصب أغرتهم بها السلطة، فكانوا أحد أخطر أسباب البوار، والزمن الخراب.
يهدي الشحري قصصه: إلى شهداء ظفار.. أهديهم آلام الجراح. ثمّ يهدي القصّة الأولى المعنونة بـ( طفول): إلى روح المناضلة البحرينية ليلى فخرو التي رحلت في 28 أيلول/سبتمبر2006. أماً (طفول) فهي ثائرة استشهدت في إحدى المعارك، وبقيت منها صورتها المعلقة على جدران بلد ما زال يحتفي بالثورات، كوبا، التي ما زالت مخلصةً لذكرى الثواًر والثائرات، وإن اختلفت اللغات، والقارات، كون الأهداف واحدة، والأعداء هم أنفسهم في كل مكان، وشهداء وأبطال وبطلات الثورات في كل القارات يجمعهم هم واحد: حريّة الإنسان وكرامته.
طفول هنا ليست مجرّد فتاة شهيدة، إنها الثورة نفسها.. التي غُدر بها: ما يؤلمني ليس المشهد الأخير في هذه الرحلة، أو هذا الضياع، بل أن كل الحوامل ولدن إلاّ حملك يا طفول لم نره، ولم نعرفه: ذكر أم أنثى.(ص 15)الكاتب الغاضب، كما تشي نصوصه، ينتمي لجيل دفع ثمن (البوار) لأنه يعيش فيه، فمن وعدوا.. تبددت رياحهم، ولذا تراه يبدأ نصّه (صحف المجانين) كما لو انه يكتب منشورا سياسيا: الغرباء امتلكوا أرضي، ولم يعد لي فيه موطئ قدم سوى الصمت والحنين. وشعبي مكبل بالرسوم ومخنوق بالأسعار، شعب لا يملك الحّق في السؤال حتى عن ثمن زيته. أناس يستظلون بخوف يسمّى أمنا، ويصدقون مقولة الأرباب إنهم شعب سعيد.
بعد هذا المدخل الصارخ المًدين للعسف، يأتي النّص الأدبي، غنيا قاتما أحيانا، ملتاعا أحيانا، مسكونا بالمرارة في كل فقرة، ومشوبا بشيء من السخرية، وكثير من المرارة.
تنتهي الثورات الفاشلة غالبا بالخيانات، وقفز (الشطاًر) من الثورة إلى عقد الصفقات على ما بشّرت به، سعيا للمكافأة بالمنصب والجاه والمال.
هذا ما نقرأه في قصة (نحبوها)، وهي مواجهة بين من باع، بحجة الواقعية، ومن دفعت ثمن إيمانها بالثورة.. عينها، وشبابها، وبقيت على العهد لمن آمنت معهم بالحلم، والوعد، وحافظت على العهد عن إيمان ويقين مهما غلت التضحية، وفدح ثمنها.
ينتقل الكاتب بالقارئ إلى عالم الحلم، كما في قصة (يان أجدريت)، وهو اسم بطلها العجوز المحب للإبل الذي يسترق السمع على أبنائه الذين يتشاورون لبيع النوق تخلصا من تكلفة علفها، ورعيها، هي التي لا تدر عليهم، كما يقولون متذمرين، سوى حليب بطعم زيت السمك.
يستخدم الكاتب آيات قرآنية من سورة (يوسف) ببراعة:
ـ يا أبانا ما لك لا تأمنا على (سمهور) وابنها، إناً لها لراعون، أرسلها معنا غدا تسرح وترعى إناً لها لحافظون.
وسمهور هي ناقة يحبها يان أجدريت، وتمثّل له ماضيه، وحلمه، والمستقبل الذي يتمناًه.
يقع البسطاء ضحايا للشركة التي تشتري منهم إبلهم، وتخدعهم بصحون لاقطة، وتلفزيونات، وهواتف نقاًلة.. وهكذا يخسر يان أجدريت كل شيء، فلا حليب نوق، ولا ذكرى لزوجة وفيّة، ولا ناقته سمهور الغالية.
قد تبدو الأسماء في القصّة، وغيرها من القصص غريبة بالنسبة للقارئ العربي، ولكن الكاتب يشرحها، هي والمفردات التي ترد في الحوار بين شخوص القصص والحكايات، فتزداد دهشتنا واستغرابنا لهذه (اللغة).. أو بقايا اللغة التي نجهلها!
في كل حال ها أنا ذا أتعرّف على مفردات من (الشحرية) التي لا أدري إن كانت تعود إلى اللغة العربيّة القديمة، أو إحدى تفرعاتها، أو لعلها تعود إلى اللغة الحميرية المنقرضة والتي بقيت منها مفردات في منطقة شحار العمانية، وفي اليمن.
قصّة (ما تبقّى من ظفار)، هي قصّة ما تبقّى من زمن الثورات، والأحلام، والاتحاد السوفييتي، والدراسة في جامعة (باتريس لومومبا) أو (الصداقة بين الشعوب)، وهي الجامعة التي كانت تستقبل طلاّب العالم الثالث من القاًرات الثلاث، لينهلوا العلم ثمّ يعودون إلى بلدانهم مستنيرين، مثقفين أمميين، ومشاريع مناضلين، وغالبا عشاًقا لرفيقات سوفيتيات، أو من بلدان مختلفة، ولتشتعل القلوب حبا، وأحلاما.. وبعد الانهيار (العظيم)، وفشل الثورات: خيبات وحسرات.
كتب الشحري قصّته ببراعة، فبطل القصة يعمل في مكتب للبريد، ومدير المكتب يطلب من العاملين إتلاف كل الرسائل القديمة المرتجعة التي مضى على وجودها على الأرفف سنوات ولم تصل لأحد، وما عاد لها لزوم.
يلتقط (الموظف) رسالة قديمة مضت عليها سنوات عشر، وهي مرسلة من مواطن ظفاري درس في الاتحاد السوفييتي، أحب فتاة وعدها بالعودة إليها، ولكن: الاتحاد السوفييتي انهار، وجدار برلين سقط، و.
ومرسل الرسالة (الظفاري) وجد أن بلده تغيّر عندما عاد، ويختتم الرسالة – القصّة: بعدها بثلاثة أشهر حصلت على وظيفة في مصلحة حكومية. أعيش على هذه الرتابة، لا غد أنتظره ولا يوم أستمتع به. (آنا) سأظل متعلقا بك إلى أن تتوقف الأرحام عن الدفع. ويرم الدهر أبداننا، وتبلع الأرض هذه الأرصفة ومن عليها.
البراعة الفنيّة في القصة، أن الرسالة واحدة من الرسائل (المُرجعة) التي لم تصل إلى العنوان الموجهة إليه في الاتحاد السوفييتي!
في مجموعته القصصية الأولى يقدّم محمد الشحري نفسه كاتبا موهوبا، و.. صاحب موقف، ويبشّر بقاص قادم.
وبعد: إذا كانت هذه المجموعة تطفح بالمرارة والإدانة، فإنها قد جاءت قبيل انفجار الثورات العربيّة بقليل، ولعل في هذا ما يؤكد على أن الثورات المغدورة لم تذهب سدى، هي وتضحيات من دفعوا الثمن لرفعة أهدافها، فهي البذور التي تينع هذه الأياًم من المحيط إلى الخليج، لأن أسبابها ما زالت تحّض على الانفجار الثوري على المستبدين الطغاة في كل بلاد العرب. صدرت ‘بذور البوار’ عن دار الفرقد في دمشق، أواخر 2010