بذور المجتمع وطوفان الدولة في الخليج
عبد العزيز محمد الخاطربذور المجتمع وطوفان الدولة في الخليج الخيار الوحيد والآمن أمام دولنا الخليجية في عصر اصطدام دور الدولة بنمو مؤسسات المجتمع المدني علي مستوي العالم ووقوفها أي هذه المؤسسات أمام تأثيرات دور الدولة السلبي سواء علي المستويات البيئية أو الاقتصادية أو حتي الانسانية هو أن تترك لقوي مجتمعاتها الخليجية المدنية والأهلية فرصة النمو بأقل نسبة من التدخل من جانبها أي الدولة أو حيادها تجاه هذه القوي بمعني آخر. لعل الفترة السابقة كانت استثنائية حيث تم المزج بين الدولة والمجتمع في المنطقة لظروف خاصة باختزال عملية التطور التي عايشتها هذه المجتمعات الي درجة أصبحت الدولة هي المجتمع ولم تصبح أدوات ومؤسسات المجتمع هي ما يحرك الدولة وبالتالي طمست جوانب عديدة من شخصية هذه المجتمعات ولم يظهر الا الجانب الاستهلاكي الهش الذي أصبحت الشخصية الخليجية مثلاً بارزاً له بامتياز ومع ذلك فأن امكانية النمو الذاتي موجودة كما ان القاعدة الأساسية لمثل هذا النمو متوافرة أيضاً. في الوضع الطبيعي يكون التأثير متبادلاً بين الدولة والمجتمع لا أن يحل أحدهما مكان الآخر أو أن يلتهم أحدهم الآخر كما أن امتدادات الدولة لا يمكن أن تكون بديلاً عن مؤسسات المجتمع الأهلية حيث أن هذه الامتدادات سواء كانت جمعيات أو نقابات لا تتمتع ولا تتحرك في فضاء حر – لكونها امتدادات لسلطة الدولة – وهو ما يشترط أو ما تتميز به الجمعيات والنقابات الأهلية. أن بذور التحول الديمقراطي الآمن الذي ننشده جميعاً بعيداً عن بتر الماضي أو الخصام اللدود مع مراحله التي تعاقبت علي هذه المنطقة يتمثل في افساح المجال أمام أمكانية نمو المجتمع الأهلي الخليجي ذاتياً. بالطبع ليست جميع دول الخليج العربية متساوية فيما يتعلق بدرجة اكتمال مؤسسات المجتمع المدني ولا بدرجة نشاطها ولا بقوة تأثيرها في الرأي العام ولكنها ربما تشترك في تدني سقف مشاركتها الفعلية وموازاتها لدور الدولة ويتضح ذلك من عدم بروز خطابها السياسي والاجتماعي الساعي الي تطوير هذه المجتمعات واقتصار هذا الخطاب علي الطابع الخيري. لحل الاشكالية الواضحة اليوم بين تراجع دور الدولة عالمياً واقتصاره علي الخدمات الأساسية التي تضمن أمن وسلامة المجتمع وبين ما نشهده من انقضاض من جانب الدولة علي دور المجتمع يكمن في ترك امكانية النمو متاحة لهذا المجتمع والسماح لعناصره الحية بالتشكل والتفاعل.أن البعد التاريخي لظهور الدولة في الخليج وارتباط ذلك بظهور النفط أعطي الدولة خصوصية تاريخية جعل منها راعية وحاضنة للمجتمع بدلاً من وجود مساحة بين الجانبين وهو الأمر الطبيعي لحصول التفاعل البناء علي عكس ما تم في مناطق أخري من العالم حيث كان التعاقد والتفاوض تأسيساً للدولة وبمشاركة المجتمع. لقد استطاعت الحقبة النفطية من بين أسباب أخري أن تؤجل نمو المجتمع المدني في حين كانت النخب العسكرية وشبة العسكرية تلعب نفس الدور في مناطق أخري من عالمنا العربي ولكن بذور مثل هذا المجتمع في منطقة الخليج ترجع في بعض ارجائه الي الثلاثينات أو حتي العشرينات من القرن المنصرم فلذلك فأن قيام الدولة بدور المجتمع حتي اليوم أمر لا يمكن تبريره وأنه وان استمر لا يعمل علي تطوير المجتمع ولا علي تقوية الدولة فأهمية مؤسسات المجتمع المدني تتمثل في كونها أداة خلق الطلب الفعال وهذا في حد ذاته البوصلة التي تهتدي بها الدولة وتسترشد بها طريقها في المستقبل وبدون هذه المجتمعات والمؤسسات الأهلية لا يمكن قيام الديمقراطية التداولية حيث يتداول المجتمع قضاياه ومشاكله حيث لا يمكن للدولة أن تقيم ديمقراطية حقيقية دون طلب فعال من المجتمع ولا يرجي من أي أصلاح الاستمرار أذا لم يشارك المجتمع في صياغته وبلورته ثمة شراكه حقيقية بين المجتمع والدولة هو ما أوصل تلك الدول المتقدمة الي ما هي علية اليوم لقد أن الأوان لاقامة الشراكة الحقيقية اللازمة لثقافة العصر ولقد آن الأوان لترك بذور المجتمع المدني الأهلي في الخليج وفي غيره من محيطنا العربي تنمو داخل فضاءاتها المتعددة. لقد كان للدولة الدور الكبير والأساسي في منطقتنا منذ قيام دولنا الخليجية ولكن تيار العصر فرض آليات ومنطقاً آخر يلقي بأشكال الصراع القديم بعيداً ليقيم مجتمع الشراكة بين المجتمع الفاعل والدولة الحديثة المتطورة. فالدولة الأبوية التي تحتضن المجتمع وتلتهمه متي شاءت وتفكر عنه وتزيله من الوجود أذا لزم الأمر، أصبحت عبئاً ثقيلاً حتي علي نفسها ويظهر ذلك من خلال تلمس خريطة العالم السياسية والاقتصادية فالفرق بين المجتمعات المدنية وغيرها أنه في الأولي لا يشعر الفرد بثقل وقع الدولة علي حياته في حين أن في الثانية يتساءل وربما يكون زائراً وليس مقيماً عما اذا كان هناك مجتمع من الأساس وذلك لتمظهر الدولة وتجليها بشكل يخطف بصره ولا يستطيع معه انفكاكاً. ہ كاتب من قطرّ8