ليست هذه هي المرة الأولى في التاريخ السياسي لإسرائيل، التي تصبح فيها الانتخابات في غاية الأهمية، وإحساس الالتزام المدني ثقيل: يعيش اليوم في إسرائيل كثيرون، وليس فقط في اليسار والوسط، ثمة إحساس بالمرارة فيمن أصبحوا مظلومين ولا تأبه بهم الحكومة. في انتخابات 1973، أو حرب يوم الغفران، ساد جو شديد من المقت في الشعب لحكم المعراخ، رغم المرارة الكبيرة، كانت غولدا مائير هي الوحيدة التي نجحت في تشكيل الائتلاف. فقد المعراخ خمسة مقاعد فقط مقارنة بالانتخابات التي سبقتها. ولكن الثورة كانت تدق الباب. وجاء نشر تقرير لجنة اغرانات ليبعث على ضغط جماهيري أدى إلى استقالة غولدا ومع إحساس بالإحباط من أعمال الفساد السلطوي زرعت بذور انقلاب 1977، الذي أنهى نحو 30 سنة من حكم اليسار.
إسرائيل 2019 هي إسرائيل التي مواطنوها مهزومون. هذه المرة ليس بسبب عدو وحشي خارجي، بل أساساً بسبب سياقات داخلية حطمت قدرة الكثيرين على أن يعيشوا حياة كريمة وبتكافل أساسي.
سطحياً، يبدو أن إسرائيل دولة ناجحة مع نمو اقتصادي وجيش قوي. ولكن من يعيش هنا يعرف جيداً أنه تحت هذا الغلاف اللامع تختبئ مصاعب عديدة. فالنمو الاقتصادي لا يتسلل إلى الطبقات الوسطى والطبقات الدنيا. كلنا ندفع اليوم أكثر بكثير لقاء الصحة والإغاثة والتعليم. والسكن بعيد جداً عن متناول اليد. والتحويلات التي شقت في أرجاء البلاد لا تساعد من يقف في أزمات السير التي لا تنتهي، وتنصب في المركز. فمن ليس لديه سيارة، لا يمكنه أن يعتمد على مواصلات عامة ناجعة.
إن حكومة يمينية برئاسة نتنياهو لن تتمكن من حل هذه المشاكل الأساسية. والميول الليبرالية الجديدة ستتعاظم والرأسمالية الخنزيرية ستصفي كل رحمة. القوي سيقوى. أما المتوسطون والضعاف بالمقابل فسيبقون لإخفاقات السوق.
كما أن إحساس الأمن لدى مواطني إسرائيل متعلق بشعرة. فاحتجاج سكان غلاف غزة والذي وصل إلى تل أبيب في نهاية الأسبوع تقاطع بين الأحزاب. فقد سعى لأن يصرخ ألم سكان المنطقة كلهم، ممن يشعرون بأن ليس هناك من يحصيهم أو يأبه لألمهم. غير أن المشاكل المادية مهما كانت هامة، فإنها مجرد شريحة عليا لما سيكون غداً على كفة الميزان: حقوقنا الأساس كمواطنين، بما في ذلك الحق في العيش الكريم، المساواة والحماية من التمييز. هذه حقوق ينبغي للدولة الديمقراطية أن تتأكد من أن الجميع ينالها.
إن إقامة حكومة يمينية برئاسة نتنياهو ستعطل هذا الدور للدولة وستضعف التزامها تجاه المواطنين. وفضلاً عن الجوانب الاقتصادية فإن آثار هذه العملية على المواطنين ستكون متفرعة. إضعاف محكمة العدل العليا وحماة الحمى الآخرين هو إضعاف لكل مواطن، دون صلة بموقفه السياسي. فكل واحد من شأنه أن يجد نفسه في يوم بارد ما عرضة لمصاعب الحياة، لمعاملة تمييزية أو لتنكيل سلطوي. والسبيل إلى الإكراه الديني، إلى إلغاء حرية التظاهر، إلى حرية التحريض، وإلى تقليص حرية الصحافة، إلى تقليص مخصصات المعوقين وتجنيد المعايير (القاسية جداً على أي حال) للسكن العام ستكون قصيرة.
دولة إسرائيل تحتاج اليوم إلى الرحمة. مواطنوها كلهم ـ إلى الحماية. حكومة يمينية برئاسة نتنياهو لن تتمكن من توفير ذلك لهم. وفي حالة قيامها، فإن أحاسيس الإحباط، مع أحاسيس المقت لرائحة الفساد المنكرة، لن تختفي. فهي ستنصب في الاحتجاج الجماهيري. إن أيام هذه الحكومة ستكون معدودة للغاية.
د. رويتل عميران
معاريف 8/4/2019