رأي القدس في ذروة انشغال مئات الملايين من المسلمين بالفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم، وردود الفعل الغاضبة تجاهه، كانت هناك ظاهرة مشرّفة لا يمكن تجاهلها، او المرور عليها مرور الكرام، وهي موقف الاشقاء المسيحيين في مختلف انحاء العالم الاسلامي المدين لهذا العمل المقزز.في ميدان التحرير في القاهرة كان هناك الآلاف من الاشقاء الاقباط يقفون جنبا الى جنب مع اشقائهم المسلمين، يحتجون بأقوى الحناجر على هذا الفيلم المسيء وأصحابه، وبالأمس تدفق آلاف المسيحيين للمشاركة في المسيرة الاحتجاجية التي نظمها حزب الله للغرض نفسه.جميع الكنائس المسيحية في الوطن العربي وقياداتها الروحية ادانت هذا العمل بقوة، وتبرأت من الحفنة القبطية التي انتجت الفيلم، واكدت رفضها الاساءة بأي شكل للدين الاسلامي، وللرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وشاركوا المتظاهرين مظاهراتهم امام السفارة الامريكية، وطالبوا بوضع تشريعات وقوانين تحترم الأديان والأنبياء جميعا.منتجو الفيلم المسيء ومن يقفون خلفهم ارادوا إحداث فتنة بين المسلمين والمسيحيين، وتفجير حرب اهلية تمزّق الوحدة الوطنية، وتهزّ استقرار المنطقة، ولهذا بالغوا في الاساءة والبذاءة والإهانات والمواقف المبتذلة الملفقة والكاذبة، بما يثير التقزز.هذا التلاحم المسيحي ـ الاسلامي الذي انعكس في اجمل صوره، من خلال الوعي الكامل بالمخطط، والتصدي بقوة له، والنزول الى الشوارع جنبا الى جنب لتأكيد التعايش والتآخي، هو الذي افشل هذه الفتنة ووأدها في مهدها، بل وجعلها ترتد عكسيا على اصحابها ومن يحتضنونهم.هذا النفر القليل من اقباط المهجر الذين يحتمون بالولايات المتحدة وبعض الجماعات المسيحية الامريكية المتطرفة لمواصلة اساءاتهم للاسلام، لا يمثلون اقباط المهجر والاغلبية الساحقة منهم محبون لوطنهم الأم، ويتطلعون دوما للحفاظ على أمنه واستقراره وازدهاره، كما انهم لا يمثلون المسيحيين في العالم الاسلامي، ولذلك لا يجب التعاطي معهم الا بقدر حجمهم وشذوذهم عن الاغلبية الساحقة المتسامحة المتعايشة التي تعتز بهويتها الوطنية والقومية، مثلما تعتز بانتمائها الى بلدانها التي تعتبر جزءا اصيلا من نسيجه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.الحكومات العربية، والمصرية منها على وجه الخصوص، يجب ان تقدر هذا الموقف القبطي الوطني الذي تجلى بأروع صوره في هذه الأزمة، من حيث اعادة مراجعة كل القوانين والأعراف والممارسات التي كانت تتعاطى بشكل سلبي مع معتنقي الديانة المسيحية، وتميز ضدهم في الوظائف والمواقع الرئيسية في الدولة واجهزتها الأمنية والعسكرية، والتجاوب مع مطالبهم العادلة في المساواة.الرئيس محمد مرسي الذي عين مستشارا قبطيا له يجب ان يستمر في هذا التوجه ويعززه، والاقدام على خطوات اخرى تطمئن الاشقاء الاقباط بأن مصر تسير في الاتجاه الصحيح وتتبرأ من كل ممارسات النظام السابق التي تميّز بين ابناء الشعب الواحد، بل وتشعل نار الفرقة بين ابنائه، مثلما حدث في مأساة كنيسة القديسين في الاسكندرية.الامم لا يمكن ان تتقدم الا بالقضاء على الطائفية وكل ممارسات التمييز الديني والعنصري، وتؤكد على التعايش المشترك في مناخ من المساواة.Twitter: @abdelbariatwan