مصادرة تفرض نفسها في الواقع العربي الحالي بتفاوت لكنها واضحة:’ما كل من التحق بالثورة يستمر فيها للنهاية’، تنسحب منها مكونات تعتبر أن مجرد الإطاحة بالرمز المكثف للسلطة كافٍ، ولا ضير في إعادة تقسيم الأدوار مع توجيه حملات تشويه ودعاية مضادة للقوى الثورية الحقيقية، التي انخرطت منذ تشكلها في النضال الديمقراطي، قصد إضعاف السلطة القائمة ومن ثم القضاء عليها. في الوقت الذي كانت فيه قوى معاداة الثورة التي أصبحت تنعت بقوى الثورة المضادة تمارس التهريج على نطاقٍ واسعٍ ولا تعادي إلا من عادى النظام متغلفة بأغلفةٍ شفافة ظاهرها ثوري لتنكشف على محك الواقع. وكلما تقدمت الثورة كشرت عن أنيابها وتسقط ورقات التوت التي تغطت بها فإذا هي منخرطة كالقطيع في مبادرات قوى الالتفاف وأذناب مافيات أوروبا وما وراء الأطلسي وفلول سلطات النهب التي أطيح جماهيريا برؤوسها.
لم تستطع في المقام الأول مجموعات واسعة من مثقفي وأشباه مناضلي الثورة المضادة فهم ما حدث ويحدث على الساحة العربية فزجوا بحركات اجتماعية منظمة ذاتيا نجحت في جر كل المتذبذبين في أواخر مراحل انتفاضاتها في خانة التلقائية والهامشية والمؤامرة، ورفعوا فزاعات البدائل الظلامية والفراغ السياسي وعسكرة السلطة وهشاشة الاقتصاديات وخرافات أخرى. لكنهم تراجعوا تحت وطأة تقدم مسار الجماهير التي تنادت ميدانيا من أجل مسألة جوهرية هي:’تغيير جوهر السلطة السياسية، حيث يتم نقلها لقوى ديمقراطية ووطنية تهدف الى توجيه الدولة في مرحلة انتقالية محدودة زمنيا، نحو التحرر الديمقراطي والوطني والانعتاق الاجتماعي المنشود، الذي دفعت فيه الجماهير الثائرة فواتير باهظة من دمائها’. لقد قامت الأوساط التي انخرطت في آخر مراحل الإطاحة بالسلطات القائمة في دوامات مفهومية محورها: ‘نهاية الثورة برحيل رمز الطغيان’ وسوقت في غالبيتها لإجراءات سلطات ما بعد رحيل الطغاة القدامى الذين عادوا بأسماء أخرى بهدف إجهاض أي مكتسبٍ حققه الشعب في هبته، وأدخلت معارك وهمية حشدت لها إعلاميا، مستفيدة من دعم وزارات الداخلية التي لا تزال هياكلها فاعلة ومن رصيدٍ سابقٍ في إثارة قضايا لم تنجح في توجيه الرأي العام عن أهدافه الثورية ومطالبه المشروعة. كم هائل من الشائعات والتضليل وأقلام تسيل بلا حدود وتشكيك حتى في الشك نفسه تقوم بها الأوساط الانتهازية التي لم يكن من صالحها تغيير الأنظمة لكنها أجبرت على الانخراط في الاتحاد الشعبي للإطاحة بالنظام لما تيقنت من حتمية إنتصار الجماهير. والغريب أن بعض هذه الأوساط تتغلف برايات حمراء للماركسية اللينينية وهي منها براء، ومنهم من لم ترتفع هتافاته يوما ولم يوجه سلاح النقد إلا للقوى الثورية التي تنادت بالإطاحة بأنظمة الرجعية والعمالة منذ نشأتها، بل انخرط عددٌ منهم في دوامة البيروقراطية وتقزيم منظمات المجتمع المدني المناضلة، وعادوا تحركات اجتماعية مشروعة وكانوا أبواق دعاية في ثوبٍ مغايرٍ في الشكل لسلطات الطغيان المطاح برموزها، ولم يكن التناقض الرئيسي لديهم يوما بين سلطة وشعب. بكى البعض من مثقفي الثورة المضادة ومشتقاتهم وأشباههم من مناضلين درجة عاشرة، الأنظمة المطاح بها في مرثيات تندد بتوسع موجة الحراك المطلبي بعد سقوط العروش، وبظهور تنظيمات سياسية كانت إما محظورة أو سرية. ومنهم من عدد محاسن الطغاة حاصريها في معطى الحداثة من دون تناول قضايا محورية ذات أولوية قصوى أهمها التحرر الديمقراطي والوطني والانعتاق الاجتماعي والعلمانية التي لم يتداولوها إلا للتحريض الأمني ضد قوى الإسلام السياسي التي لا يمكن تحجيمها إلا بالقضاء على شروط وجودها وربط ظروف انتشارها بمعطى علمي هو الصراع الطبقي، إذ لا يتناقض خطاب العولمة النيوليبرالية الدموية مع خطاب قوى الإسلام السياسي، بل يتكاملان واحده سندٌ للآخر ولا سبيل للتحرر إلا بفضح العلاقة العضوية بينهما وإبرازهما كما هما فعليا: ‘الإسلام السياسي يدحر مقاومة الشعب لصالح تركز مصالح ليبرالية مافياوية في الأقطار المحررة من نير الطغيان’، ولا موجب للحديث عن حداثة في عواصم أوروبا وواشنطن في ظل سيطرة خطابٍ محكومٍ بأوهام محركات للتاريخ صدئة مثل صراع الحضارات وموت التاريخ.
لقد سالت أقلام أشباه المثقفين ونفايات المناضلين للترويج في ما مضى لإصلاحية النضال الديمقراطي ومحدودية معارك حقوق الإنسان ولعب بعضهم أدوار المطافئ لحرائق وهزات اجتماعية ومنهم من عادى حتى حراك العاطلين عن العمل ونراهم الآن يشرعون لعلميات نصبٍ وتحايلٍ تقوم بها عصابات الحكم في مرحلة ما بعد رحيل الرموز الأكثر كثافة للطغيان، وتجاوبهم مع مبادرات الالتفاف التي أطلقتها بقايا مبارك وبن علي مثلا، وحتى ترويجهم لإصلاحات رئيس دمشق لا يمكن أن يدخل إلا في خانة التموقع الطبقي الحقيقي لهم: ‘بورجوازية صغرى وضيعة’ تبحث عن كراسي أفرغتها جماهير الغضب الموحدة من محتليها ودفعت الدماء من أجل مطلب التحرر والكرامة فإذا بالبهائم تعود لمعدنها وإذا بهيئات إصلاح يؤثثونها في تونس ومجالس تنقيح دستور يملأونها في مصر ونوايا إصلاح لم تعد تروي دماء روت درعا وبانياس وإذا بمعارك تعلن بهدف التمويه عن حجم مؤامرات هذه الأطراف على الثورات التي لم تنته وليست إلا في منتصف الطريق ومثلما نجحت الجماهير في مرحلةٍ أولى ستنجح في تعرية تلك المخططات وإعادة تصويب مسارات ثوراتٍ تكتمل وترتسم معالمها غصبا عن النفايات. السموأل راجي