براكين نائمة

حجم الخط
0

احمد السنوسي

يمكن لاسرائيل ان تضيف فضيلة اخري من فضائلها الكبيرة علي الانسانية، كونها ارست مدرسة جديدة من مدارس العلاقات الدولية. فأغلب الحروب كانت تشن من اجل الوصول الي التفاوض والحلول التي يحصل حولها نوع من التوافق، اما اسرائيل فانها تخوض حروبها وحروب غيرها من اجل ان يسود منــــطق المواجهة الدائمة اذ انها تتهيب من سلام دائم سيكون له مفعول مدمر علي كيانها المــــزروع بالارهاب وبالقـــوة في جسد منطقة تلفظها، كـــما يلفظ الجسد البشري اي عضـــو دخيل عليه. لذلك لم يكن مدهشا ان تسارع اسرائيل الي خرق الهدنة الهشة التي سعت اليها بكل قواها بعد ان اصيبت بعسر هضم هزيمتها التاريخية امام المقاومة اللبنانية، وهي انتكاسة لها اعراض جانبية علي التماسك الوهمي لجبهتها الداخلية وتهدد بقصف رؤوس ساستها المحترفين بعد ان اصبح اداؤهم مرادفا للانكسار المبين.

واذا كان الصهاينة لم يهضموا الهزيمة، فان بعض العرب وقفوا مشدوهين، مذهولين امام هذا المعطي الجديد الذي استقبلوه كصاعقة لا يملكون اي استعداد نفسي او سياسي او ثقافي للتعاطي معها، اذ انهم سوقوا لثقافة النكبة والنكسة والهزيمة عربيا، ولم يؤمنوا يوما بأن اسرائيل قادرة بدورها علي اعادة انتاج نفس السيناريو العربي. وكان بعض العرب في بداية الحرب بلبنان قد شربوا انخاب هزيمة المقاومة، وباعوا فرو الدب قبل ان يقتلوه. وها هم اليوم يتخبطون في شباك واقع جديد بعد ان انساقت شعوبهم وراء النصر اللبناني الي درجة ان بعض الحكام العرب يعتبرون اليوم ان الشعوب العربية قد تحولت الي جنود احتياطيين للمقاومة وخلايا نائمة يقظة قادرة علي الفعل. ويبدو والله اعلم ان اصحاب اسطوانة ضبط النفس بالرغم ان الإفراط في ضبط النفس يؤدي الي الاختناق والموت السريري، بالاضافة الي دعاة نبذ المغامرة و المقامرة والتمسك بحبل التبصر والمسؤولية والحكمة في غياب دارها البغدادية. واصبحوا متشبثين اكثر من اي وقت مضي بأدبيات و حكم شعور الانحطاط من قبيل الصمت حكمة، لساني سبع ان تركته اكلني، اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، سألوا الفرن من اين جاءتك النار، قال من فمي، كلما فتحت فمي ملأه البعوض، اسمع فاعلم واسكت فأسلم… الخ.

نحن اليوم ولاول مرة لم نعد ظاهرة صوتية بل صوتا ينادي بحقه في المواطنة الكونية اي الحق في الاختلاف والتعبير الحر والتظاهر والمقاومة والتضامن مع قضايا عادلة مثل القضية الفلسطينية التي هي المحور الاساسي للمأساة البشرية في الالفية الثالثة. يبدو مرة اخري ان اصحاب الحكمة المباركة قد عادوا الي صف شعوبهم واقروا بان مقاومة المحتل والاحتلال حق مصون لكل الامم، وكأنهم اكتشفوا النار او سرا مكنونا من اسرار الكون. لقد كان حسن نصر الله يطلب من هؤلاء ان يفكوا عنه في وقت كانت اسرائيل تطلب من حلفائها واصدقائها الاكثر حميمية حكام العروبة ان يحموها من شعوبهم. لقد شاهدنا مظاهرات في مختلف انحاء المعمورة شارك فيها عرب ومسلمون وغيرهم نصرة للمقاومة اللبنانية، فيما منعت انظمة عربية ذات رصيد نضالي كبير شعوبها من التظاهر والتعبير عن ألمها في المرحلة الاولي وعن اعتزازها وافتخارها في المرحلة الثانية، بل ان الرصاص الحي واجه تظاهرات عفوية لشعب في الجزيرة العربية وهو رصاص لم يطلق ولو مرة واحدة ضد العدو الصهيوني، لقد كانت هذه المظاهرات مجرد تظاهرات سلمية عزلاء من كل سلاح، لكن الخوف كان ماثلا من ان تنزلق الشعارات عن سكتها اللبنانية لترتدي الازياء المحلية وتزيل الغبار عن البراكين النائمة. وتفننت وسائل الاعلام الرسمية في اختلاق مواضيع جديدة ذات طابع مخابراتي محض لتحويل انظار الجمهور، وتخويفه بفزاعات الهدف من اخراجها من الدواليب، اقناع الشعب بأنه مهدد من الداخل وان اسرائيل واسلحتها النووية ورديفها الامريكي لا يشكلان اي خطر ملموس. ولعل هؤلاء الحكام يراهنون علي خطة جورج بوش اي ما يسمي بالحرب ضد الارهاب لالهاء الشعوب عن الاخطار الحقيقية التي تتهددها. وقال احد حكام امارة عربية اخوتي لا تحزنوا فان المواسم الرياضية وبطولات كرة القدم، وسباق الهجن، في غياب بطولات حقيقية اخري، لالهاء الرأي العام، حتي تمحي صورة المقاوم اللبناني وتندثر من الذاكرة الجماعية وسط عشب الملاعب ومدرجاتها وبعر الجمال، واضاف حاكم الامارة: ابشركم بقرب عودة سيقان وارداف المختصات في استنهاض همم الزعماء النائمة، الي الفضائيات التي غزونا بها الفضاء العربي.

فيما يراهن البعض الآخر من الحكام الذين بددوا ثروات شعوبهم هؤلاء الحكام الذين دخلوا منذ مدة طويلة غرفة الانعاش المركز الامريكية، في انتظار حقنهم بالمساعدات والصدقات والموارد المالية من رشاوي وعطايا التي لا يصادق الكونغرس علي منحها لـ الدول الصديقة الا بطريقة ادخال واخراج جمل من ثقب ابرة، امعانا في اهانة الاصدقاء و الحلفاء الذين استبدوا بالحكم بدون استشارة شعبية تمنحهم الشرعية. والادهي من ذلك ان واشنطن لم تعد تتردد في التدخل من اجل تحوير المناهج الدراسية عندنا لتحذف منها بالحبر الاسود الجاف كل اشارة مسيئة لاسرائيل او للمصالح الامريكية، وكل اشارة الي امجاد عربية اسلامية غابرة، امعانا في محو مقومات هوية شعوب بأكملها، مرة باسم العولمة المنقذة من الغلال، ومرة باسم تحصين العالم من الارهاب الذي يراه جورج بوش حكرا علي الاسلام دون غيره من الديانات والمذاهب والملل والنحل. وربما سيأتي يوم تتسلل فيه امريكا واسرائيل الي احلامنا لتعيد صياغتها بمقاييس هوليوودية وردية اللون حتي نصبح قادرين علي ان نكذب علي انفسنا في اتجاه المزيد من جلد الذات واستصغار القدرات وتذويب الارادة لكي نقبل وصاية الآخرين وكأنها قدر محتوم لا راد له.

ونجحت امريكا في اختراق وزارات الشؤون الاسلامية وسخرتها للتبشير بـ اسلام و روحانيات مهادنة لمصالح العدو، ترفع علم الاستسلام الابيض حتي قبل ان يتم اطلاق ولو رصاصة واحدة.

ان الدويتو الامريكي ـ الاسرائيلي لم يعد يكتفي بترديد اغنية احتلال الارض بل اصبح ينادي باحتلال الذاكرة وشغاف القلب وتحويل العرب الي امة بلا تاريخ، علي صورة اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية اللتين ولدتا بعمليات قيصرية وخرجتا من خضم مذابح ومجازر هي كل تاريخهما وهويتهما ورصيدهما الذي لم يؤهلهما للتعامل مع باقي الامم كحاملة للقيم بل فقط كقناة لتمرير الهيمنة والتسلط ونهب ثروات الآخرين. ہ فنان من المغرب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية