عادل العوفيلغط وجدل ونقاشات ساخنة تلك التي تشوب الحديث عن برامج اكتشاف المواهب في المغرب هذه الأيام فالحدث الأكبر (طبعا حسب المصطلحات الدارجة في عصرنا هذا) صنعته فتاة مغربية كانت حتى الأمس القريب مجرد هاوية حكم عليها بالإعدام (فنيا اقصد ) من لدن لجنة برنامج يصنف على انه مشهور وذائع الصيت (ولا ندري على أي أساس) اسمه ‘أستوديو دوزيم ‘ طبعا ضحايا هذا البرنامج كما برامج أخرى منبثقة عن نفس العنوان العريض أي السعي وراء مجد فني موعود كثر ولا مجال لاحصائهم. ولكن وكما يقال غلطة الشاطر بألف فبعد أن أضحت الضجة التي ترافق كل موسم جديد من عمر البرنامج شيئا عاديا ومألوفا بل وشيئا يصب في مصلحة القائمين عليه ويخدم مصالحهم (على شاكلة جعجعة بلا طحين) ولم تعط كل التحذيرات ولا التهديدات أكلها حسب رأيي المتواضع طبعا بالمقارنة مع ما حصدته الشابة الموهوبة دنيا باطما هذه الأيام وهي بالمناسبة سليلة عائلة فنية عريقة بالمغرب (عمها الفنان الكبير الراحل العربي باطما احد أعمدة مجموعة ‘ناس الغيوان’ اشهر الفرق الغنائية على الصعيد العربي) وذلك من خلال مشاركتها المميزة في برنامج ‘ارب أيدل ‘ الذي أطلقته مجموعة ام بي سي مؤخرا ووصولها إلى المرحلة النهائية وكم الاشادات الهائلة التي تلقتها طوال حلقات البرنامج مما جعلها حديث الصغير قبل الكبير ليس بالمغرب فقط وإنما في كافة أرجاء الوطن العربي، ما يدعو للاستغراب في نظري بعد الاستقبال ‘التاريخي ‘ الذي حظيت به هذه الفنانة الشابة عندما حطت الرحال بمدينة الدار البيضاء مسقط رأسها (وتحديدا الحي المحمدي وهو حي مشهور بإنجاب المواهب في كافة المجالات) قد نجد لهؤلاء الناس الذين يتسمون بالعفوية والطيبة عذرا في زحفهم على المطار لاستقبالها ومشاركتها فرحتها ولكن أن تتهافت عليها وسائل الإعلام بذلك الشكل الهستيري الذي شاهدناه فهذا أمر يطرح أكثر من علامات استفهام أولا ما محل هؤلاء من مشاركتها الأولى في برنامج محلي وإقصائها بطريقة لم تتفاعل معها أية وسيلة إعلامية بالشكل المطلوب؟ وماذا عن الحاسة والنظرة الثاقبة للمواهب والتي من المفترض أن تصاحب كل هذه الجحافل من النقاد؟ وأي مصداقية هذه التي يمكن الحديث عنها بعد ألان؟ وبالعودة إلى سجل هذه النوعية من البرامج على مستوى التلفزيون المغربي فسنجد أن برنامج ‘مواهب ‘ للمبدع الراحل الفنان عبد النبي الجيراري هو الأول من نوعه ويعود إلى سنة 1967 طبعا شتان بين الطريقة التي كان يدير بها هذا الموسيقار الفذ فقرات برنامجه والتي توزعت بين الغناء والشعر والزجل وامتدت لتشمل حتى الصناعات التقليدية في تنوع فريد وغني همه الأول والأخير تشجيع المواهب وصقلها ورعايتها وتجدر الإشارة إلى أن الفنانة سميرة سعيد أول خريجة للبرنامج وكانت آنذاك في سن التاسعة فقط ما يبرز بوضوح النظرة التي لا تخيب للمشرف عليه لتاليها أسماء أخرى ثبتت أقدامها على الساحتين المحلية والعربية كالفنانة عزيزة جلال و المطربة الراحلة رجاء بلمليح والفنان محمود الإدريسي والقائمة طويلة جدا ممن يصنفون على أنهم الأجود في تاريخ الطرب المغربي وهنا يتضح الفرق الشاسع بين الذين يضعون الإمكانيات الصوتية للمشترك على راس الأولويات والعمل على تطويرها والحرص الشديد على إرشادها مستقبلا والدليل أعمار المشتركين الصغيرة جدا بعيدا عن رهانات الربح والخسارة وكذلك دون التركيز على ‘المقومات ‘ الأخرى التي تكفي بنظر القائمين على برامج اليوم لصناعة من يسمون’ بالنجوم ‘ . من المؤسف جدا أن التلفزيون المغربي وكعادته دوما أوقف هذه التجربة الرائدة في سنة 1985 دون ذكر للأسباب التي جعلته يقدم على مثل هذه الخطوة المتهورة والتي تندرج ضمن سلسلة طويلة من القرارات الغير مفهومة في تاريخ هذا الجهاز، الذي عاد بعد فترة لينخرط هو الأخر فيما يطلق عليه حاليا ببرامج ‘تلفزيون الواقع ‘ بإطلاقه سنة 2003 لبرنامج ‘كاستينغ ستار ‘ والذي لقي فشلا ذريعا ولم يفرز أي اسم فني يمكن الافتخار به، قبل أن تدخل القناة الثانية على الخط ضمن برنامج ‘أستوديو دوزيم ‘ والذي ظل جاثما على صدور المغاربة ليومنا هذا وبإمكانيات مادية هائلة وانطلقت أولى حلقات موسمه الجديد نهاية الأسبوع الماضي ودون أن تحمل أي إشارات مطمئنة على تغيير ملموس سيلجأ إليه المشرفون عليه بالاستفادة من دروس وعبر الماضي، فقط رأينا الوجوه ذاتها التي صارت كالقدر المحتوم بالنسبة للمشاهد مغربي سواء من مقدمي البرنامج إضافة إلى أعضاء لجنة التحكيم الوفية والمخلصة في الحضور كل موسم، بالمقابل أثارت انتباهي بعض الكلمات ‘الدخيلة ‘ على مقدمي البرنامج في إحدى الفقرات التي صاحبت جولة التنقيب عن المواهب وهي بمثابة اعتراف صريح بالفشل حينما ذكر احدهم بان على المشتركين عدم الرهان على القناة وبرنامجها في ما يتعلق برعايتهم وتوفير سبل النجاح لهم مستقبلا لان دورهم محدود ويتمثل فقط في تقديمهم للجمهور المغربي، ربما هي لعنة دنيا باطما وطيفها هو من فرض تقديم هذا الاعتراف المتأخر جدا، والذي لن يغير من واقع الأمر شيئا ولن نستغرب رؤية اكتساح مغربي متوقع للنسخة المقبلة من البرنامج العربي الشهير طالما بقيت برامجنا المحلية لا تقدم ولا تؤخر شيئا.. دولة البحرين ‘الفاضلة’.. والعهدة على الجزيرة لن أعود إلى النبش في تغطية قناة الجزيرة لانتفاضة الشعب البحريني ومدى نجاحها أو إخفاقها وكذا سقطاتها المتعددة منذ ولادة ما يطلق عليه بالربيع العربي، ولكنني سأكتفي بتقرير أعده الزميل محمد فال مراسلها المعتمد بالدولة المذكورة، وموضوعه يتعلق بسماح الدولة لوسائل الإعلام بزيارة المرافق الأمنية في خطوة بدت مفاجئة حتى للمراسل الذي بدا غير مستوعب لما يجري حوله ليتدارك الموقف في ما بعد مسترسلا في إحصاء مميزات السجون البحرينية التي توفر كل شروط الراحة (حتى أن الشكوك ساورتني وتخيلت التقرير عن خدمات فنادق الخمس نجوم بالمنامة) ففي الوقت الذي تدعو فيه منظمات حقوق الإنسان بضرورة مراجعة الوضع الصحي للناشط عبد الهادي خواجة مثلا والمضرب عن الطعام منذ فترة في نسخة بحرينية للفكرة الأصلية الفلسطينية التي تسمى ‘معركة الأمعاء الخاوية’ وهنا يكتفي مراسل الجزيرة بإشارة بسيطة إليه من باب رفع العتب لا اقل ولا أكثر، طبعا المستفز في نظري أننا لم نتعود المجاملات والتملق من محطة بهذا الحجم كانت دوما نعم السند وصوت الإنسان العربي المغلوب على أمره وخلقت ثورة في عالم الإعلام العربي وهذه حقيقة لا يمكن لأحد دحضها و لكن ملامح الشيخوخة بدأت تظهر جليا على محياها وصار لزاما عليها مراجعة الأوراق في ظرف عصيب جدا نحن في أمس الحاجة إلى ‘الجزيرة ‘ الفتية و المشاغبة التي لا تخشى في قول الحق لومة لائم، وكي لا يصبح الربيع العربي خريف قناة ملأت الدنيا وشغلت الناس في فترة من الفترات..’مؤمن قريقع’ نموذج الإرادة والصمودبحكمي ولعي الشديد بفلسطين وأبنائها وقصص صمود أهلها وكذا لسخطي على درجة استهتارنا في حمايتها وتقديمها كهدية على طبق من ذهب للصهاينة لافتراسها، صرت مؤخرا أجد صعوبة بالغة أثناء جولاتي الفضائية في إيجاد برامج تشفي الغليل وتحيي في نفسي الأمل وتجعل من هموم وماسي شعبنا البطل مادة لها، طبعا لا جدال على وجود أجندة لم يعد مجديا وصفها بالخفية لأنها باتت تعمل في واضح النهار على واد هذه القضية وهل هناك توقيت أفضل من هذا للإجهاز عليها بالكامل؟ والربيع العربي في ذروته والشعوب العربية غارقة في سعيها الحثيث للانعتاق من سطوة أنظمة قمعية لا ترحم، كلها عوامل زادات من حجم الهوة العميقة بين الإنسان العربي وبين قضية فلسطين.
وبعد جهد جهيد استوقفني ريبورتاج صحفي بثته قناة فرنس 24 عن شاب فلسطيني يدعى مؤمن قريقع يتضح للوهلة الأولى أن الهدف وراء التقرير تسليط الضوء على معاناة هذا الشاب المقعد كالعديد من الحالات الأخرى العادية والتي عادة ما تكون الغارات الصهيونية السبب المباشر لها، لكن الجديد هنا أن الفتى موضوع التقرير هو صحفي فلسطيني ابن مدينة غزة بترت قدماه بعد استهدافه من لدن جنود الاحتلال أثناء عمله على تحقيق حول الوضع الاقتصادي في غزة سنة 2008 ما حد من طموحاته التي يصفها بالكبيرة في مجال الإعلام وهو الذي يحمل على عاتقه على غرار الصحفيين الآخرين مسؤولية جسيمة تتمثل في وضع الإصبع على الجرح وإيصال حجم الظلم والقهر اللذان لطالما كان الإنسان الفلسطيني عرضة لهما، الجميل في سيرة هذا الشاب العشريني نزعة التحدي والإصرار وكذا الإيمان الكبير الذين يساير بهم حياته بل لا يجعلك تحس بوجود أي نقص لديه يمكن أن يعيق خطواته وتراه حاملا آلة تصويره يشق بها طريقه المليئة بالأشواك والمطبات والعراقيل لكنها لن تثنيه عن بلوغ الهدف المنشود من اجل فلسطين حرة بدون معابر ولا حواجز تمرغ كرامته في التراب كل يوم.. كاتب من المغرب[email protected]