برامج الأسرة في المحطات الخليجية: مجالس نسائية… وأخري رجالية!!
محمد منصوربرامج الأسرة في المحطات الخليجية: مجالس نسائية… وأخري رجالية!!المتأمل لحال البرامج التلفزيونية التي تناقش قضايا الأسرة في العديد من المحطات الخليجية تحديدا، يلحظ ذلك الفصل الحاد بين الرجل والمرأة… فهناك برامج للنساء مثل (للنساء فقط) و(كلام نواعم) وهناك برامج مخصصة للرجل مثل برنامج (آدم) علي قناة (إم. بي. سي) و(الرجل) علي قناة (الرأي) الكويتية… وغيرها من البرامج والقنوات التي تتشابه في البنية والأسلوب والانتماء.طبعا أنا لست ضد البرامج الاجتماعية المتخصصة، التي تخاطب فئة عمرية محددة، كالبرامج المخصصة للأطفال، والبرامج المخصصة للشباب… لأن لكل فئة عمرية خطابها التربوي والفني والإعلامي الخاص بها، ولأن الفصل هنا يكون علي أساس الفئة العمرية حصرا، وليس علي أساس الجنس… بمعني أنني لم أعرف في حياتي مثلا، برنامجا للأطفال من الصبيان، وآخر للبنات… الأمر الذي يدفعني للتساؤل: لماذا يتم تقسيم الأسرة الواحدة تلفزيونيا علي أساس المرأة والرجل، في حين أن كليهما هما الأسرة… فلا وجود لأسرة بغياب مثل هذا التشارك والتعاون وحتي التناحر بين الرجل والمرأة؟حاولت أن أتتبع أساس هذا الرؤية إعلاميا… فحضرت في الذهن علي الفور صورة المجلات النسائية، التي لم تبتكرها الصحافة الخليجية في الأساس… لكنها والحق يقال أبدعت فيها، وساهمت في رواجها وتكاثرها من خلال الكثير من النماذج والمطبوعات والمؤسسات الصحافية، التي تعاملت مع المرأة باعتبارها عالما مثيرا ليس في قضاياها ومشاكلها الجوهرية، بل في اهتماماتها الهامشية والثانوية، من أزيائها ومكياجها وعطوراتها وتسريحات شعرها، إلي فنون الطبخ وقضايا تخسيس الوزن، وأساليب الرشاقة، وهوس تفسير الأحلام، وديكورات البيوت المترفة، وسراب البحث عن ابن حلال في أبواب صحافية مهمتها تجميع رأسين بالحلال.طبعا لم تغرق البرامج التلفزيونية في مثل هذه التفاهات دائما، وان أولتها اهتماما، إلي جانب الاهتمام بالقضايا المثيرة اجتماعيا، والصادمة للرأي العام إعلاميا، والمستقطبة للرعاة الإعلانيين مالياً… لكنها كرست ـ كما المجلات النسائية ـ فكرة أن قضايا المرأة تناقشها المرأة لوحدها، وقضايا الرجل زوجا كان أم غير ذلك يناقشها الرجال بأنفسهم… وأن الرجل إذا حضر في برامج النساء استثناء يكون ضيف شرف، والمرأة إن حضرت في برامج الرجال ستكون زهرة بين الأشواك… ونسمة رقيقة بين الأشاوس.والغريب أن الرجل ـ وخصوصا في الصورة الإعلامية التلفزيونية ـ يدخل في أكثر الأعمال والمهمات النسائية خصوصية… فمعظم مصممي الأزياء النسائية الذين يظهرون في البرامج هم من الرجال… و99% من ضيوف فقرات الطبخ في كل البرامج التلفزيونية العربية، بما فيها برنامج (مكسرات) الذي تقدمه مجموعة من المذيعات علي التلفزيون السعودي هم من الرجال… فمن أين لنا أن نصدق موضوعية هذا الفصل حتي في الاهتمامات الأساسية… وليس القضايا الاجتماعية الشائكة التي تحتاج لوجهتي نظر معا؟وبالبحث عن الثقافة الاجتماعية التي أفرزت مثل هذا التوجه الإعلامي في القنوات التلفزيونية الخليجية، أو المتمسحة بأعتاب السوق الخليجية إعلانيا… سنجد أن هذه الثقافة هي نتاج الشكل الذي يسود الحياة الأسرية في كثير من المجتمعات الخليجية أيضا… حيث المجالس النسائية تكاد تكون معزولة عن المجالس الرجالية حتي في المناسبات الاجتماعية التي تجمع الأسرة الواحدة، والتي يمكن أن تندرج ضمن الواجب الشرعي المسمي: صلة الرحم!أرجو ألا يفهم بعضهم من كلامي أنني أدعو إلي إباحة الاختلاط بين الجنسين بما يتنافي مع القواعد والأعراف التي نشأت عليها الكثير من المجتمعات الإسلامية…ففي مفهوم العمل الإعلامي وصناعة البرنامج التلفزيوني، لا وجود لمثل هذا المفهوم أساسا، لأننا في مجال عمل مفتوح يحضر فيه الرجل بجانب المرأة إن لم يكن أمام الشاشة فخلفها… وهو أمر يعرفه الجميع… ما أستغربه وأستهجنه حقا هو لماذا هذا التغييب لقيم الحوار الاجتماعي بين المرأة والرجل في مناقشة القضايا الأسرية التي تعنيهما معا… ولماذا يصبح الإعلام الذي يفترض فيه المهام التنويرية تابعا لثقافة اجتماعية تحتاج لإعادة نظر، وتحتاج لمد جسور التواصل، عوضا عن تكريس حالات وأشكال العزلة والانغلاق؟ وإذا أسقطنا حال مثل هذه البرامج علي صناعة الدراما من أفلام ومسلسلات مهما كان موضوعها، أو انتماؤها أو خصوصية القضية التي تعالجها… فهل بالإمكان أن نتصور اليوم أعمالا نسائية بمعزل عن وجود الرجل كعنصر جوهري في الصراع الدرامي… وأعمالا رجالية بمعزل عن وجود المرأة أيضا؟بالطبع لا يمكننا أن نعثر علي مثل هذه الصورة حتي في أكثر المجتمعات تشددا وانغلاقا، لأنها ببساطة تتنافي مع مبدأ ومسار الحياة الطبيعية… فلماذا نسعي لتكريسها إعلاميا في البرامج والندوات إذن؟ لماذا نقدم برامج تحت عناوين ومسميات يصر كل منها أن ينظر إلي العالم بعين واحد، وإحساس وواحد؟! سؤال أو مجموعة أسئلة… لا تحتاج للبحث عن إجابة، لأنها تحمل الجواب في ثنايا إشارات الاستفهام… مهما كنا نحرص علي عدم مصادرة الرأي الآخر عبر فخ الأسئلة الإيحائية التي تحمل نصف الجواب علي طريقة محطات التلقين السياسي والزي الواحد.حركات الاحتجاج الشعبي بين العمل والأمل فكرة مميزة وموحية، ومعالجة جدية وعميقة قدمها برنامج (قلم رصاص) للإعلامي حمدي قنديل، علي قناة (دبي) حين ربط في إحدي حلقاته الأخيرة، بين يأس الشباب وغياب المشاركة السياسية الشعبية الفاعلة في القرار السياسي في الكثير من بلدان الوطن العربي… وبين ظهور حركات الاحتجاج الشعبي عبر العديد من الحركات أو الحملات الشعبية التي شهدتها بعض البلدان العربية في شتي المجالات… فمن حركة (كفاية) المصرية، التي باتت في أهدافها ولاءاتها أشهر من أن تعرف… إلي حركة (فزعتكو) الأردنية التي تستنجد بما تبقي من المروءة الشعبية لحماية حرية الرأي والتعبير في الصحافة الأردنية… إلي حركة (بس) الكويتية، التي تنتقد فساد العمل الرياضي، بعدما استفزت الكويتيين وصدمتهم النتائج الباهتة في كأس الخليج الشهير بـ (خليجي 18) إلي حركة (حلوها… أو حلوا عنا) اللبنانية التي أرهقتها السجالات السياسية البيزنطية التي أدخلت لبنان في معادلة معيشية مستحيلة… لم يعد مهما معها، عند كثير من اللبنانيين أن يكونوا مع أو ضد… بل أن يصلوا إلي حل واتفاق، يمكنهم من الانصراف لتحصيل رزقهم اليومي، وممارسة حياتهم الاعتيادية بعيدا عن الاعتصامات والتظاهرات والإضرابات في ثلاثاء الفتنة أو الخميس الأسود.هذه الصورة المتنوعة الأهداف والاتجاهات والمجالات لنمو حركات الاحتجاج الشعبي العربية، تركت في نفسي بعض الأمل فوجدتني أغني بيني وبين نفسي، متمسكا بانتمائي لعالم النقد الفني: (علي صوتك بالغنا… لسه الأغاني ممكنة!) علي اعتبار أن بالإمكان مثلا… أن أفكر بالدعوة لحملة احتجاج شعبية سورية، لإنقاذ الأغنية السورية من الحال الذي وصلت إليه… (علي سبيل المثال لا الحصر) لولا أن الإعلامي حمدي قنديل نوه في نهاية الحلقة المشار إليها، أن هناك دولا عربية غير مسموح بها حتي مثل هذا النوع من حركات الاحتجاج الشعبي السلمي… والذي قد لا يغير في النهاية في واقع الأمر شيئا.رأس غليص… دراما الذبح والذبائح! رغم إعجابي شخصيا بأداء الفنان رشيد عساف الدرامي لشخصية (غليص) في الدراما البدوية التي كتب السيناريو لها مصطفي صالح عن رواية لمريم مشيني، وأخرجها أحمد دعيبس… وانتهت قناة (إم. بي. سي) مؤخرا من عرضها… إلا أنني لم أستطع أن أتعاطف مع صورة هذا المجتمع البدوي العربي، التي يقدمها المسلسل.فأحداث العمل تبدأ بمشهد لغليص وهو طفل يري في خيمة والده، شخصا يذبح غدرا في ظلمة الليل… الأمر الذي يدفع بوالده لأن يصرخ بأن (دخيلي ـ أي ضيفه ـ انذبح يالربع… يا فظيحتي بين العربان) ثم تتوالي بذبح والد غليص نفسه… وبدسائس وفريات نسائية باطلة تمس العرض والشرف، وتودي أو تكاد بحياة خيرة الرجال… ثم تنتهي بتحول غليص إلي قاطع طريق ولص وسافك دماء لا يشق له غبار…. إلخ!!لست خبيرا أو مطلعا علي حياة البدو، لأجزم إن كانت هذه الصور هي معبرة عن صراعات البيئة البدوية العربية أو هي تشويه وافتراء عليها… فقد تكون الصورة كذلك بالفعل… وقد تكون السيرة فيها جانب كبير من الوقائع الحقيقية أو المتخيلة لا يهم… ما يهم هو هل نحن بحاجة لنبش هذه الصورة فعلا… وهل نحن بحاجة لتقديم دراما عربية لا يفرق فيها بين ذبح البشر غدرا في ظلمة الليل وذبائح الكرام من الخراف والماعز لضيوفهم عملا بمبدأ إكرام الضيف؟وللعلم فقد سبق لهذه (الملحمة البدوية) كما عرّفتها القناة التي عرضتها، أن قدمت في مسلسل تلفزيوني في سبعينات القرن العشرين، لعب بطولته عبد الرحمن آل رشي وأخرجه علاء الدين كوكش… ومن دون أن أتذكر اليوم إن كانت المعالجة والرؤية نفسها… فإنني أشعر بالحيرة حقا… لمبررات إعادة تقديمها في مسلسل تلفزيوني ثانية… راجيا من المولي عز وجل، ألا يكون ذلك مقدمة لإعادة إحياء الدراما البدوية من جديد… إن كانت ستبقي أسيرة ثيمات الغزو والغدر وسفك الدماء والاعيب النساء في الادعاء بمساس العرض والشرف… وعليهم يا عرب!كاتب من سورية[email protected]