أمام مقر التلفزيون في الجزائر
إذا سألنا أي شخص، في الجزائر، ما هو البرنامج الثقافي، الذي تفضل مشاهدته على التلفزيون المحلي، فلن يذكر واحداً من البرامج الحديثة، على كثرتها، لن يرد في باله أي برنامج من البرامج التي تعودت الشاشة الصغيرة على بثها في السنوات الأخيرة، بل سوف يستعيد برنامجاً قديماً، وفي الغالب فإن الجزائريين يحنون إلى برنامج «نادي السينما» مثلاً، الذي أشرف على إعداده وتنشيطه الصحافي والناقد أحمد بجاوي طيلة عشرين سنة، من 1969 إلى 1989، في حقبة كانت فيها البلاد تعج بقاعات الفن السابع، قبل أن تختفي عقب العشرية السوداء، وكان البرنامج ذاته يتيح للمشاهد خيارات واسعة، من مشاهدة ومناقشة أعمال كلاسيكية أو أخرى معاصرة، من الغرب ومن العالم العربي، وما يزال الناس إلى حد الساعة يحنون إلى سنوات «نادي السينما» الذي عجزت مؤسسة التلفزيون عن ابتكار بديل له، مثلما عجزت عن إقناع المتفرجين بسلة من البرامج تهتم بالكتاب والأدب، فشلت في مصالحة الناس مع القراءة.
إذا أجرينا مسحاً علمياً ونبشنا في أرقام المتابعة، فلا بد أن حصص الثقافة، التي كثرت في السنوات الأخيرة، مع تباين في محتواها وجودتها، هي الأقل مشاهدة، مع أن المتفرج المحلي يقبل على برامج ثقافية، على شاشات أجنبية، فمثلاً حصة «فواصل» الشهيرة، التي عرضت بين 1975 و1990 على القناة الفرنسية الثانية، من تقديم الصحافي الشهير برنار بيفو، الذي تخصص في محاورة الأدباء، ما تزال عالقة في الذاكرة، كما إن البرنامج الحالي «المكتبة الكبيرة» من تقديم فرنسوا بينال، على القناة الفرنسية الخامسة، يحظى بمشاهدة واسعة في الجزائر. لماذا إذن فشلت الجزائر في صناعة محتوى ثقافي تلفزيوني، وتركت مواطنيها يبحثون عن إشباع نهمهم للثقافة في قنوات أجنبية؟
ليس سراً إن قلنا إن برامج الثقافة، في التلفزيون الجزائري، في خطر، لا نكاد نرى أثراً لها، ولم تخرج من عباءة المهادنة، ومن كونها برامج عادية، وألا نتفاجأ حين نرى الجزائري يهجر قناته المحلية، بحثاً عن مادته الثقافية في الخارج، وإن لم تكن مادة تمس هواجسه الخاصة فإنها على الأقل تتيح له الحق في متابعة كلام وجدال يلهيه عن ملل حياته اليومية.
طرق صناعة المحتوى
الغاية من حصة ثقافية هي استقطاب الجمهور، فقيمة أي قناة تلفزيونية ترتفع وتنخفض حسب أرقام مشاهديها، وفي الجزائر لا يبدو أن هناك سياسة تلفزيونية واضحة في صناعة برامج ثقافية، فالشرط الأول من أجل برنامج ناجح أن تقدمه شخصية معروفة لدى الناس، سواءً كان كاتباً أو فناناً، مع أن القنوات تتكل في الغالب على الكتّاب، بحكم احتكاكهم أكثر بأوساط الصحافة، وفي الجزائر لم يسبق أن شاهدنا، في السنوات الأخير، إلا نادراً، واحداً من مشاهير الثقافة يشرف على برنامج في مبنى التلفزيون، فقد شاع أن إدارات التلفزيون المتوالية تحمل حساسية تجاه كل كاتب له سمعة واسعة في الأوساط الشعبية، خشية أن يستحيل إلى نقد السلطة وتجد نفسها في ورطة، فالتلفزيون العمومي مرادف لسياسة الحكومة، لا يخرج عن خطها ولا يسمح لنفسه ببث أي كلام يعارضها، ومن يعمل في التلفزيون يتوجب عليه الحفاظ على هذه المسافة، إما مدح الحكومة أو الصمت، بالتالي يلجأ منتجو البرامج إلى مقدمين نصف معروفين أو مغمورين في بعض الأحيان، المهم ألا سوابق لهم في النقد أو المعارضة. بالتالي، من اللحظة الأولى لن يتآلف المشاهد مع وجه المذيع، الذي لا يجد فيه رائحة الثقافة، التي يعرفها في الشارع أو من أقاويل الناس في المقاهي. يشعر بأن مسافة تفصله عن ذلك المنشط، لن ينفعه ولن يقدم له جديداً، لذلك سرعان ما سيغير المحطة بحثاً عن برنامج ثقافي أجنبي.
العامل الآخر الذي يلعب دوراً في سوء تلقي البرامج الثقافية، في التلفزيون الجزائري، هو نزعتها إلى المهادنة، إصرارها على انتقاء ضيوف عاديين، ليس لهم في الغالب وزن ولا تأثير في المشاهدين في الحياة اليومية، فقد جرت العادة أن هذه البرامج التلفزيونية تخلق الكلام لا الجدل، لم يسبق أن سمعنا عن نقاش تلا بث حصة ثقافية، في التلفزيون، موضوعاتها وأحاديثها تدور حول المتعارف عليه، لا تحوز الحد الأدنى من الجرأة، على الرغم من أنها برامج ثقافية محضة، لا تخالطها سياسة، ولا مخافة من أن تلفظ كلاما خارج السياق، فإنها تتعامل مع الثقافة بنعومة مفرطة، لم تدافع عن حقها في رفع سقف حريتها وحقها في إبداء الرأي.
برامج تحت جنح الظلام
بالإضافة إلى ما سبق ذكره، فإن ما يعاب على برامج الثقافة في التلفزيون، هو توقيت بثها، غالباً في الليل، في فترة تقل فيها نسب المشاهدة، لم يحصل أن بادرت إدارة البرمجة إلى المغامرة وبرمجة برنامج مماثل في أوقات الذروة، كما لو أنها تقر ضمنياً أن الثقافة ليست من أولوياتها، لا توظف وجوهاً لامعة في التقديم، ولم ترفع خط حريتها، ثم إدراجها في مواقيت غير مناسبة للمشاهدة، فضلاً عن تذبذب نشاطها، لا يشرع برنامج في الظهور إلا ويختفي بعد موسم واحد أو اثنين، في هذا الجو من التقصير في حق المشاهد في منحه حقه من المادة الثقافية، تصير تلك البرامج في الجزائر أشبه ببرامج أشباح، نسمع عنها لكن لا نعرف من شاهدها من الجمهور القليل، كما أن وقعها على الرأي العام يكاد يكون منعدماً، وحضورها أو غيابها يصير سواء. على خلاف برامج أخرى في السياسة أو الطبخ أو الرياضة التي يسعى منتجوها إلى البحث عن معلنين وداعمين اقتصاديين لها، فإن البرامج الثقافة تبدو يتيمة، لا ومضات إشهارية فيها، بالتالي لا داعم تجاري لها، تقتات من تطوع الضيوف في الحضور، ومن اكتفاء المنشطين برواتبهم بصفتهم في الأساس عاملين في التلفزيون أو موظفين متعاقدين.
ليس سراً إن قلنا إن برامج الثقافة، في التلفزيون الجزائري، في خطر، لا نكاد نرى أثراً لها، ولم تخرج من عباءة المهادنة، ومن كونها برامج عادية، وألا نتفاجأ حين نرى الجزائري يهجر قناته المحلية، بحثاً عن مادته الثقافية في الخارج، وإن لم تكن مادة تمس هواجسه الخاصة فإنها على الأقل تتيح له الحق في متابعة كلام وجدال يلهيه عن ملل حياته اليومية.
روائي جزائري