برامج المسابقات والمنافسات العربية: عصبية الانتماء القطري والنزعات القبلية!
محمد منصوربرامج المسابقات والمنافسات العربية: عصبية الانتماء القطري والنزعات القبلية!تحول الفضاء التلفزيوني العربي في السنوات الأخيرة، إلي ما يشبه حلبة سباق تنافسي محموم، وصارت الكثير من البرامج الضخمة التي تصرف عليها الملايين، ميدانا لاكتشاف المواهب، واختبار المهارات… ومحاولة صناعة نجوم جدد في مختلف المهن والاختصاصات الإبداعية وغير الإبداعية… الجماهيرية وغير الجماهيرية أيضا!الحالة التلفزيونية المتعارف عليها لمفهوم التنافس… كانت مقتصرة فيما مضي علي برامج المسابقات… وكانت هذه البرامج، تعتمد بشكل اساسي علي اختبار ثقافة المتسابق، وسعة إطلاعه، وحدة ذكائه، وكانت تهدف حقيقة، إلي تكريس مقولة أن الثقافة – كالعقل- زينة… وأنها امتياز الإنسان المجتهد، وهو امتياز لا علاقة له بالحسب والنسب ولا بالغني والفقر… بل بقدرة المرء علي أن يغني زاده المعرفي الذي قد يكون سبيلا للربح أيضا، كما كان يؤكد المرحوم رافع شاهين، المذيع الأردني الذي ظل لسنوات يرفع شعار (فكر واربح) عنوانا لبرامج مسابقاته، وكان أشهر من قدم برامج المسابقات وشحنها بطاقة حيوية اعتمدت علي تمرسه في إذكاء روح التنافس، وتحقيق قدر من التشويق المعرفي في تقديم المعلومة. وكانت الحالة الأخري المألوفة لحالة التنافس التلفزيوني هي برامج اكتشاف المواهب الغنائية… وهذه في الأساس مأخوذة من الإذاعة، ثم صارت في بعض التلفزيونات الرسمة أيام البث المحلي، وما قبل عصر الفضائيات، وسيلة لدعم وتشجيع المواهب المحلية في البلد الواحد… كما كان يحدث في البرنامج اللبناني الشهير (أستوديو الفن) الذي خرج معظم نجوم الغناء في لبنان بين سبعينيات وتسعينيات القرن العشرين… أو كما كان يحدث في برنامج مماثل كان يبثه التلفزيون السوري في مطلع تسعينيات القرن العشرين تحت عنوان (طريق النجوم) وهو بعكس شقيقه اللبناني، كان يكرس بؤس الحال التي وصلت إليها الأغنية السورية في ظل إعلام الصوت الواحد والإيقاع الواحد والنغمة الواحدة… حتي صار ينطبق علي الأغنية السورية اليوم: فالج لا تعالج.. أو بعبارة أفصح: لا يصلح العطار ما أفسده الدهر.وبعيدا عن مآسي الأغنية السورية التي تستحق حديثا خاصا، فإن الحالة التنافسية التلفزيونية، اتسعت في السنوات الأخيرة، إذ لم تعد تقتصر لا علي برامج المسابقات ولا علي برامج اكتشاف المواهب الغنائية… رغم أن هذين النوعين عادا بقوة في عصر الفضائيات، وبطريقة مختلفة… بل صارت تشمل كل مجال يخطر علي بالك بعد أن أضافت لها برامج تلفزيون الواقع، بعدا إضافيا… ولايزال يذكر الكثير من المشاهدين العرب، كيف أن برنامج (ع الهوا سوا) الذي عرض علي قناة خاصة تابعة لشبكة قنوات (إي.آر.تي) العام 2003 اعتمد علي نموذج تلفزيون الواقع لتقديم مسابقة لفتيات عربيات في سن الزواج… وكان المطلوب هو انتقاء فتاة تستطيع الصمود في معركة البقاء من أجل الفوز بابن الحلال، لكن المتسابقة الجزائرية التي فازت باللقب واسمها علي ما أذكر (عائشة) استطاعت أن تقلب البرنامج رأسا علي عقب… حين قررت أن ترفض العريس الذي سبق أن قبلت به، قبل موعد الزفاف الأسطوري الذي ستقيمه إدارة البرنامج بوقت قصير… وأثارت بذلك جدلا حادا، وتعرضت لشتائم لاذعة من الأشقاء المصريين لأن العريس كان مصري الجنسية (!!) ثم نسجت حولها الكثير من الشائعات، وأثير حول قرارها الصاعق الكثير من التساؤلات والتكهنات، الأمر الذي صنع منها نجمة في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لفترة من الزمن.وقد تفاقمت الحالة التنافسية العربية في السنوات الأخيرة، فظهرت برامج مسابقات لاختيار ملكات الجمال، وكانت القنوات اللبنانية سباقة في هذه المسابقة التي كانت تلقي أيما هوي في دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصا برنامج مسابقات (مس ليبانون) الذي كانت تظهر فيه الشقيقات اللبنانيات بأجساد ممشوقة، وسيقان عارية، وصدور متخففة من الأحمال والأعباء… مما قد لا يحلم بعض العربان أن يراه حتي في الأحلام.وتوالت حمي البحث عن متسابقين للفرجة التلفزيونية في مختلف المجالات في السنوات الأخيرة، فكنا أمام برنامج (المستثمر العربي) عن رجال الأعمال الشبان الذين يستطيعون أن يثبتوا أنفسهم في مسابقات الاستثمار وإدارة الأعمال، والذي بث علي قناة (العربية) ثم برنامج (المصمم العربي) الذي يبث حاليا علي قناة (المستقبل) اللبنانية، لمصممي الأزياء… وبرنامج (شاعر المليون) الذي تبثه قناة أبوظبي حاليا، بهدف تشجيع الشعراء الشعبيين في الخليج… والذين يعرفون باسم (الشعراء النبطيين)… ولم تنس هذه القنوات أن تقدم برنامجا لتشجيع الإنشاد الديني، وتقديم مسابقات لاكتشاف المنشدين الدينيين… عساها تكسب بذلك ثواب الدنيا والآخرة.وبالعودة إلي برامج المسابقات المعلوماتية التي فرخت هذه الظاهرة، سنجد أنها صارت في السنوات القليلة الماضية أكثر من الهم علي القلب… فمن البرنامج الشهير (من سيربح المليون) مع جورج قرداحي، علي (إم.بي.سي) إلي برنامج (وزنك ذهب) علي قناة أبوظبي، إلي برنامجي (الحلقة الأضعف) و(الفخ) علي قناة (المستقبل) إلي برامج أخري، بعضها توقف أو استمر لكن جميعها ظل همها إغراء المشاهد بالجوائز المالية الضخمة أكثر من تقديم المعلومة… بل ظهرت برامج لم تكن تعني لها المعلومة أي شيء… مادام الهدف هو تقديم عرض تلفزيوني له رعاة إعلانيون يدفعون تكلفة البرنامج وقيمة الجوائز، ويسهمون في رفد رصيد المحطة المالي بكم كبير من الإعلانات الأخري أيضا… وكذلك كان الحال بالنسبة لبرامج اكتشاف المواهب الغنائية، الذي بدأته قناة (المستقبل) ببرنامجها الناجح والجدي (سوبر ستار) الذي صنع نجوما بكل معني الكلمة… قبل أن تظهر برامج شبيهة له ذات حضور باهت من قبيل (ستار كلوب) علي قناة (نيو.تي. في) أو (إكسير النجاح) علي قناة روتانا… أو برامج مشابهة، إنما ذات أهداف أخري كبرنامج (ستار أكاديمي) سيئ الصيت والأداء!والملاحظة التي تسجل علي كل هذا الهوس المحموم بهذا العرض التلفزيوني التنافسي، الذي يغطي اختصاصات وإبداعات ومهنا ومجالات معرفية متنوعة، أنها باتت تعتمد علي مبدأ التنافس القطري والإقليمي، لا التنافس الفني والمهني… فبرنامج المسابقات الجديد الذي يقدمه جورج قرداحي بعنوان (التحدي) استبدل المتسابق الفرد الذي يخوض سباق اختبار الثقافة الفردية، بمجموعات تمثل كل منها دولة عربية، وصار هدف المشاهد هو تشجيع الفريق الذي يمثل بلده، وليس المتسابق الأكثر ثقافة ومعرفة… وبرنامج (شاعر المليون) أثار أزمة في الصحافة السعودية، لأن هناك مؤامرة تكاد تطيح بأحد الشعراء السعوديين المشاركين في البرنامج علي حد تعبير إحدي المجلات السعودية الأسبوعية، ولم يقتصر الأمر علي النزعة الإقليمية والقطرية، بل اتخذ البرنامج منحي قبليا، إذ رصدت إحدي القبائل البدوية الإماراتية مليون درهم إماراتي لدعم بعض أبنائها من الشعراء المشاركين في البرنامج، وحثت كل أبناء القبيلة علي التصويت له عبر رسائل هواتفهم المحمولة.وهكذا فليس كل ما يلمع ذهبا في الفضاء التلفزيوني العربي… ووراء كل حالة تنافس ثقافي أو فني أو غنائي أو شعري شريف… ثمة بحث عن الربح والإثارة، وثمة إيقاظ للفتنة النائمة بأكثر الوسائل براءة… وبنوايا ينطبق عليها قول الشاعر: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة… وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.فواصل تلفزيونية مؤذية فواصل قناة (ميلودي أفلام) التي تبثها تحت شعار (ميلودي تقتل الملل) فواصل مؤذية بكل معني الكلمة، لأنها تصور الملل، مجسدا في عجائز ومسنين فيما يأتي رجل ميلودي الشاب الذي يرتدي لباس سوبرمان ليمسك العجوز من يديه ويطوحه في الهواء ثم يرمي به أرضا… وهو يروج للعنف وضرب الآخرين باعتباره الوسيلة الأبرز لمحاربة المملين… وحتي لو افترضنا بعدا ساخرا في هذه الفواصل، فإن القيمة الفنية التي تحترم الإنسان تظل غائبة… مثل كثير من القيم الأخري التي تغيب عن هذه القناة وشقيقاتها الغنائية التي تروج للابتذال.عبد الحكيم عامر مدانا! تابعت مسلسل (العندليب) الذي يروي سيرة عبد الحليم مرة أخري في إعادته الثانية علي قناة (إم.بي.سي) الذي ركز علي علاقة عبد الحليم بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر بقوة… وعلي المرحلة السياسية التي عاصرها عبد الحليم وغني لانتصاراتها ونكساتها.المسلسل برأ عبد الناصر من كل التهم، وألصق كل تهم الفساد وسوء الائتمان، وسوء استخدام السلطة، وكارثة 1967 بالمشير عبد الحكيم عامر، الذي كان الرجل الثاني في عهد عبد الناصر حتي حادثة انتحاره! لا أفهم كيف يمكن أن يدان الرجل الثاني في عهد سياسي يتسم بالشمولية في الحكم، ويبقي الرجل الأول نقيا ، وبعيدا عن أية شائبة أو حتي خطأ بحسن نية؟!الانتماء الناصري القح يلقي بظلاله علي وجهة نظر المسلسل في الأحداث والشخصيات، وهو يحرم المسلسل من النزاهة في قراءة المرحلة، وفي محاولة تفسير أحداثها وشخصياتها… وتلك مشكلة من مشاكل دراما السيرة الذاتية التي تكتب علي مبدأ مع… وضد!!كاتب من سورية[email protected]