بربارة: حكاية دينية أسست لطبق شعبي متجذر عند الفلسطينيين

سعيد أبو معلا
حجم الخط
2

رام الله ـ «القدس العربي»: تقول الأغنية التي أنشدتها شحرورة الوادي “الصبوحة”: “هاشلي بربارة.. مع بنات الحارة.. عرفتها من عينيها.. ومن لمسة ايديها.. ومن هاك الإسوارة، هاشلي بربارة..”. وهاشلي حسب ما تخبرنا الباحثة والمرشدة الاجتماعية الفلسطينية جوانا رفيدي تعني ضائعة أو تائهة.
تعود رفيدي في أصلها إلى حي رفيديا في مدينة نابلس الذي كانت تعيش فيه عائلة مسيحية واحدة، لكن عائلتها غادرته قبل أكثر من 300 عام إلى مدينة البيرة حيث تعيش هناك منذئذ.
وتحكي رفيدي التي التقتها “القدس العربي” في المتحف الفلسطيني في بلدة بير زيت قضاء رام الله عن الطبق الأكثر شهرة في فترة التحضير للأعياد الميلادية، وهي تقف على طنجرة ضخمة مليئة بطبق “البربارة” حيث توزع في كؤوس ورقية ملونة حبات القمع المسلوق التي تفتحت لفرط استوائها مضافة إليها تحلية السكر.
تضع الإضافات الحمص المطحون ( القضامة) وحبات الشوكلاتة الصغيرة الملونة والجوز على الكؤوس التي يتم التهامها بشهية عالية مع برد شديد خارج المكان.
وفي شهر ديسمبر/كانون الأول من كل عام وأثناء التحضير للأعياد تبدأ في منطقة بلاد الشام عموما وفلسطين خصوصا العائلات المسيحية في عملية إحياء ذكرى “القديسة بربارة” من خلال هذا الطبق الشعبي، الذي ارتبط بالعائلات المسيحية كما تقول جوانا رفيدي، لكنه تجاوزه الموضوع الديني بحيث أصبح وسيلة للتواصل الاجتماعي والتآخي.
وتؤكد أنها تعلمت إعداد هذا الطبق منذ قديم الزمان، حيث كانت أمها تطبخها لكل الحارة التي تعيش فيها في مدينة البيرة ذات الغالبية المسلمة، وكانت أمها تجعلها ترسل لكل عائلة مجاورة طنجرة كبيرة.
وتشير رفيدي الى أن أكثر ما يجعلها تعد طبق البربارة إضافة إلى كونها تتقن إعداده ولديها تقنيات خاصة في طبخها هو أن الجيران يطلبون الطبق، ويسألون مع مطلع ديسمبر متى ستصلهم “حصتهم” من طبق البربارة.
وتضيف: “صدقا، المسلمون يفرضون علينا أن نعد الطبق، هذا أكثر سبب يجعلني أقوم بإعداد كمية كبيرة منه، حتى أرسل لهم نصيبهم منه، وهو ما جعله طبقا يتجاوز حدود الطعام أو الدين إلى أن يكون وسيلة لتعزيز التواصل الاجتماعي”.
وتعود جذور رفيدي لعائلة مسيحية في نابلس كما تقول، حيث كانت قد لجأت إلى رام الله قبل مئات السنين لكن المدينة المسيحية رفضت استقبال العائلة لخوفها من الانتقام/ وهو ما دفعها للقدوم إلى مدينة البيرة المجاورة التي لا يفصلها عن رام الله سوى شارع.
وتضيف: “استقبالنا في البيرة كان دليلا على أن هذه المدينة كانت كبيرة وأكثر قوة من غيرها من المدن، ونحن الأن ولشدة تواجدنا وعلاقتنا في المكان أصبحنا فخذا من عائلة الطويل المسلمة، حيث ينظر إلينا على أننا أحد مكونات العائلات المسلمة”.
وحسب رفيدي فإن الحكاية تقول إن القصة حدثت في نهاية القرن الثالث بعد الميلاد، حيث كانت الأمبرطورية الرومانية هي الأقوى في العالم، وبلاد الشام كانت تقع تحت حكمها الوثني، وفي تلك الفترة كان من يتبنى الديانة المسيحية ينال الموت لكونها كانت ديانة محظورة.
وتتابع سرد القصة التي لا تعترف بها الكنيسة الغربية بعكس الشرقية: “كل من اعتنق الدين المسيحي كان ينال الموت أو عليه الهرب إلى الجبال البعيدة، حيث يعيش في المغر والكهوف بعيدا عن أعين الدولة وجنودها”.
وتسرد بابتسامة: “في تلك الفترة عاشت فتاة جميلة تحمل اسم بربارة وتعني “الغريبة”، حيث كان أبوها غنيا جدا وصاحب نفوذ وسلطة، وأسكنها في برج طويل من أجل أن يبعدها عن عيون الناس، وكان لاهتمامه بها يرسل لها المعلمين عند البرج. وصدف أن كان أحد المدرسين معتنقا سرا المسيحية، وهو ما جعلها تتأثر بتعاليمه حتى صار لها رأي ديني مختلف عن والدها الذي كان وثنيا ويعمل ضد المسيحية” .
وتتابع بدرامية: “قام والدها الكبير في قومه بإخراجها من البرج ووضعها في مغارة بدون أكل، لكنها أكلت القمح في محيطها، فكانت تسلقه وتأكله، فما كان منه إلا أن هددها بالموت في حال ظلت على تعاليمها المسيحية، وهو ما ترتب عليه هربها بين الحقول حيث قامت بتلوين وجهها وتخريب ثيابها حتى لا تصبح معروفة بالنسبة للجنود، لكن أحد الرعاة أفشى سرها عندما اكتشف شخصيتها من بياض يديها، حيث قام والدها بقتلها أمام الناس لتكون عبرة لكل من يعتنق المسيحية حيث توفيت بعمر 33 عاما” .
تبتسم، وتؤكد رفيدي هذه القصة التي وصلت لحد الأسطورة. وتضيف: “بغض النظر عن دقة التفاصيل لكنها حكاية منطقية، يمكن أن يحدث ذلك تماما، وقد تكون هناك إضافات على القصة لكن الجوهر واحد، وهي أننا أمام إنسانة دافعت عن قناعاتها وإيمانها وهذا أمر يستحق الاحتفال وتقديمه للأجيال المختلفة”.
وتشير إلى ان الواقع يؤكد الحكاية، غالبا هرب المؤمنون إلى المناطق البعيدة حيث لجأوا إلى المغر، ولاحقا شيدت بالقرب من هذه المغر والكهوف الأديرة، ومن هذه الأديرة التي قامت عليها القديسة هيلانة: كنيسة برقين في جنين، والقديسة هيلانة، والقيامة في القدس، والأهم كنيسة بربارة في عابود في رام الله، وهي موجودة حاليا ويزورها المواطنون. غير أن المفارقة الهزلية التي تنتهي بها الحكاية الدينية التي أسست لطبق شعبي ديني متجذر لدى الفلسطينيين أنه وبعد سنوات حدث التحول الديني في المنطقة، وأصبحت المسيحية الديانة الرسمية في مناطق حكم الأمبرطورية الرومانية، وحدث العكس أن أصبح الوثنيون هم الملاحقون، ويقول البعض إن والدها قتل لكونه أصر على اعتناق الوثنية، لكن الخلاصة أن الكنيسة اعتبرت بربارة من أوائل شهداء الكنيسة وصار لقبها “القديسة بربارة”.
وعن تفاصيل التقليد السنوي تؤكد رفيدي أن الطبق يحمل قيمة الرحمة عبر توزيع القمح، وهو ممتد من تفاصيل “النياحة” في الجنائز المسيحية حيث يوزع القمح بالجنائز التي يمكن ان نسميها “بربارة ناشفة” .
وبدأ طبق قمح ثم تحول إلى القمح المسلوق والسكر، ومن ثم تطور ليضاف إلى البهارات المتاحة من يانسون وشومر وزنجبيل وقرفة.
وعن المكسرات التي أصبحت تضاف إلى الطبق فهي حالة من عملية تحديثه تدعمها رفيدي: “كان الأطفال في سوريا ولبنان يقومون بالتنكر (في محاولة لمحاكاة ما جرى مع القديسة) ومن ثم يأخذون بالتجول على البيوت كي يحصلوا على القمح، وهو أمر تطور حتى أصبح الأهالي يقدمون المكسرات إلى جانبه. لم يكن وقتها شوكلاتة بل كان الحلو عبارة عن الزبيب والقطين اي التين المجفف ومن ثم أضيف للعطايا الجوز واللوز، واليوم أضيفت إليها الشوكلاتة، أصبحت اليوم وجبة دافئة وتمنح حرارة وطاقة في أجواء البرد” .
وتضيف: “البعض يضيف إليها حلو “القمردين”، والبعض يضع الأناناس المجفف، فليكن المهم أن تحضر الحكاية التي تحمل القيمة التي يحتاجها المجتمع، إنها تقليد عائلي أصيل يربطك بالعائلة، تقليد ليس مستوردا، وظل رغم السنين من دون أي بهرجات خادعة” .
وتفتخر رفيدي بنفسها لكونها تحافظ على هذه العادة ليس من باب ارتباطها بالدين فقط بل لارتباطها فكرة المنح والعطاء، كما أنها تخلط ذكرى إنسان أمن بقضية مهما اختلفنا معه حتى دفعت ثمنها حياتها.
وتحضر بربارة في مجموعة من الأمثال الشعبية مثل المثل الذي يقول أنه “مع بربارة بطول النهار بارا بارا”. في إشارة إلى تغيير موقع الشمس وبداية ليطول النهار على حساب الليل وهو أمر يستمر لغاية تساوي الليل بالنهار بتاريخ21 آذار.
وتختم رفيدي أنه بدلا من الاحتفال بعيد الهالوين وفق التصور الغربي فإننا نمتلك “بربارة” التي تصلح ان تكون عيدا عند الكنيسة الشرقية بعيدا عن الأعياد التي دخل عليها التسليع والاستهلاك المادي، فالتراث الذي يعيش مع المواطنين يشبه الشخص الذي لا يمسك الجمرة ويبقيها عنده، بل يحملها وينقلها من جيل إلى جيل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية