برحيل الماغوط فقد الشعر العربي أهم بحوره الحديثة: بدوي أحمر…ترجَّل أخيراً من كوابيسه ومن جبهات الأدب ومعارك الحداثة

حجم الخط
0

برحيل الماغوط فقد الشعر العربي أهم بحوره الحديثة: بدوي أحمر…ترجَّل أخيراً من كوابيسه ومن جبهات الأدب ومعارك الحداثة

أنور بدربرحيل الماغوط فقد الشعر العربي أهم بحوره الحديثة: بدوي أحمر…ترجَّل أخيراً من كوابيسه ومن جبهات الأدب ومعارك الحداثةدمشق ـ القدس العربي بحزن شديد ودعت مدينة دمشق شاعرها محمد الماغوط الذي استوطن الحزن والكوابيس، ودعته صباح الأربعاء في الخامس من نيسان (ابريل) الحالي جدثاً استوي علي أفئدة محبيه ومريديه من الشعراء، اذ فارق الحياة قبل يومين، وقرر بذلك أن يعود الي مرقده الأخير في سلمية التي هجرها مراراً وطويلاً. هجرها يافعاً الي مدرسة الزراعة في خرابو من غوطة دمشق، فلفظته العاصمة لفقره، وعاد الي سلميته التي ارتحل أو رُحل عنها ثانية الي سجن المزة العسكري بدمشق عام 1951، لكنها سرعان ما لفظته بعد خروجه من السجن الي بيروت، ومن ثم أمضي عقدين ونيف في أخرياته أعجزه فيها المرض عن زيارة بلدته، لكنه آب اليها أخيراً… آب اليها ليمضي في هجمته الأخيرة، قصيدة من الشعر مضمخة بالندي والحزن.ودعته دمشق لأول مرة كما يليق بالعظماء من وداع، ودعته بحضور وزيري الثقافة والاعلام، وبأكاليل من اتحاد الصحفيين واتحاد الكتاب، لكن الحضور الأهم كان لمثقفي سورية وفنانيها الكبار، لجمهور أحب محمد الماغوط وأحب شعره وكل ما كتب، فجاء لوداعه رغم المطر النيساني الذي داهم المدينة دون توقع، فبكت السماء كما بكي الحشد حين أخرج الجثمان الي عربة النقل الصحي التي سارت به الهويني الي بلدته، وقطعت به شوارع دمشق في آخر عبور له فوقها.وكما ترك الشاعر بلدته… خلّف وراء قضبان السجن الحزب الذي انتمي اليه حين لم يجد مدفأة تقي عظامه برد الشتاء الا في مكتب الحزب السوري القومي الاجتماعي، واستعاض عن الحزب بوريقات صغيرة للف السجائر، دوّن عليها بعضاً مما جاش في وجدانه، دون أن يدرك أنه بهذه الوريقات سيهز دعائم الأدب العربي التي استقرت عبر قرون. وأنه يجترح أفقاً لتطور قصيدة النثر… بل لتطور الحداثة الأدبية.رحل الشاعر العربي الكبير محمد الماغوط ليفقد الشعر العربي برحيله أهم بحوره الحديثة، هو الذي خرج علي البحور والقوافي كما خرج علي الحزب والسياسة، وكما خرج علي مدارس الحداثة الأدبية، لم يحز الشهادات، ولم يتعلم أكاديمياً، ولم يحفظ بحور الشعر العربي، لكن الحروف كانت طوع يراعه، يغرف من مدادها ليعيد تشكيل الحالات والمشاعر، يغرف من مدادها ليعيد عجن الأشياء والأفكار، يغرف من مدادها لينفخ كالحاوي في مزمار الشعر، فيطوّع الكلمات كما لم يفعل أديب في العربية من قبله وحتي الآن. يقول عنه الشاعر فاروق شوشة: انه مبدع متفرد في الأدب والمسرح، استطاع من خلال كتاباته أن يعتصر خلاياه البدعة وخلايا الوطن بكل الأحزان والآمال والتطلعات والرفض، حالما بعالم جديد تسود فيه المحبة والانسانية .وفي بيروت تردد آباء الحداثة في مجلة شعر حيال قصيدته القتيل فأدرك أن ما يمور بداخله أوسع من حدود تنظيراتهم، وأن أحلامه أبعد من حدود تمردهم، فخرج عنهم كما خرج عن القبيلة والحزب، وذهب يطلق كلماته مؤسساً لقصيدة النثر في كل ما كتب حتي ملّ من لفظ القصيدة ، فأطلق علي أشعاره الأخيرة تعبير نصوص مجسراً الهوة ما بين النثر والشعر، يقول الشاعر اللبناني جودت فخر الدين عن هذه التجربة لقد حاول الكثيرون أن يجعلوا قصيدة النثر ظاهرة أو تيار أو مدرسة، فحاولوا أن ينصبوا الماغوط أو غيره رائداً/ أو رواداً / في هذا المجال، الا أن الماغوط ظلّ حالة شديدة الفرادة في شعرنا الحديث، ظلّ لحناً شارداً لا تستوعبه جوقات العازفين من دعاة النثر ودعاة الوزن علي السواء . هذه اللغة وهذا الأسلوب كانا سمة طبعت كل نتاجات الماغوط في النثر والشعر والمسرح والدراما، وشكلت حالة كاريزما استقطبت قارئها، بل صنعته في زمن عزّ فيها القاريء، اذ تفردت في التقاط ما هو انساني ومشترك وحيّ بآن معاً. هذه المحاولة انطلقت مبكراً في زواياه الصحفية، تلك الزوايا التي اختطت جنساً أدبياً مستقلاً باسم كوابيسه كما يقول الأديب والروائي وليد اخلاصي ففي أعماله الشعرية والمسرحية، بالاضافة الي مقالاته التي شكـــلت جنساً ابداعياً جديداً اذا ما قسناها الي المقالات المنشورة بالعربية، سنجد مدي تفـــــوق هذا الرجل علينا وعلي نفسه . تلك المقالات التي جاءت معبأة بالهم اليومي وهم الوطن، كانت امتداداً للغة الشعرية الغنية بالمشاعر والحياة والغنية بالقدرة علي الايصال والتواصل، وقد جمع قسماً من هذه المقالات في كتاب سأخون وطني عام 1987، والذي ظلّ حتي عام 2005 الأكثر مبيعاً في جنسه ضمن معرض بيروت الدولي للكتاب. وربما تكون التجربة المسرحية الأغني والأنضج في تاريخ المسرح السوري، هي تجربته المشتركة مع الفنان دريد لحام في فرقة تشرين التي قدمته كاتباً ناقداً وساخراً، والتي طورت الكوميديا السياسية، حين وصف الانقلابات المتعاقبة في سوريا بأنها مجرد تغيير في الطربوش، دون أي تغيير في المحتوي، وهو الذي أطلق نكتة أن الحمار قد أكل الدستور . شاهدنا لهما ضيعة تشرين، غربة،كاسك يا وطن ، وحين انفضت شراكته مع دريد لحام أخرج له جهاد سعد مسرحيته خارج السرب ، كما أخرج عن فكرة له العام المنصرم زهير عبد الكريم مسرحية قيام .. جلوس .. سكوت لكنها دخلت في الحالة السياسية حتي ابتعدت عن النص الماغوطي كما أكد الدراماتير محمود عبد الكريم. وللماغوط تجربة متوازية في السينما، اذ كتب سيناريوهات أفلام دريد لحام الحدود ،التقرير وشقائق النعمان ، كما كتب له سيناريو مسلسل وادي المسك ، وكتب أيضاً سيناريوهات حكايا الليل، وين الغلط، حكايا الليل والنهار وهذا الأخير أخرجه مؤخراً علاء الدين كوكش. وللماغوط أيضاً رواية يتيمة باسم الأرجوحة كتبها متسلسلة في مجلة الناقد التي أصدرها رياض نجيب الريس، قبل أن تصدر كرواية في كتاب. أثّرت تجربة السجن في حياة الماغوط وفي ابداعه معاً، اذ سبق وقال في لقاء لنا معه في صحيفة القدس العربي ان حياته التالية وكتاباته لم تكن الا رداً علي هذه التجربة، وصرخة باتجاه الحرية التي حُرم منها، لذلك تميزت كل كتاباته بالحزن والتحدي معاً، بالنقد والقلق، وبالبحث عن علامات الاستفهام المتروكة في حياتنا مديً مفتوحاً باتجاه المستقبل. كما كان الماغوط جريئاً في اعلان اختلافه عن الآخر، عن الموروث والسائد، كان جريئاً أيضاً في اعلان خيبته، في اعلان يأسه، وفي طرح أسئلته الجارحة حد الصراخ. ضع منديلك الأبيض علي الرصيف واجلس الي جانبي تحت ضَوْء المطر الحنون لأبوح لك بسرّ خطيراصرف أدلاءك ومرشديك وألق الي الوحل أو الي النار بكل ما كتبت من حواشي وانطباعات ان أي فلاّح عجوز يروي لك في بيتين من العتابا كل تاريخ الشرق وهو يدرّج لفَّافَته أمام خيمتهأحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف ولكنني أحب الرصيف أكثر، أحب الغابات والمروج اللانهائية ولكنني أحب الخريف أكثر، أحب الشهيق والزفير ورياضة الصباح ولكنني أحب السعال والدخان أكثر .ولد الماغوط عام 1934 في مدينة سلمية، ورحل عن عمر يناهز الـ 72 عاماً، تاركاً مملكة من الحزن والخوف تطلّ من ابداعاته المتنوعة، وتضيء من خلال لغته الحيةً والمتميزة في الكتابة العربية.ومن يعرف الماغوط عن قرب يدرك أنه ينتمي لبيئته البدوية باخلاص، فهو بدوي في سلوكه بدوي في جرأته، بدوي في علاقاته مع السلطة والآخر، وكان بدويا مع زوجته الشاعرة سنية صالح التي رثاها في ديوانه سياف الزهور .لكنه كما عنون ديوانه الأخير بدوي أحمر بدوي أعلن الرفض وناضل من أجل الحرية.من أهم أعماله:1 ـ حزن في ضوء القمر ـ شعر مجلة شعر بيروت 1959.2 ـ غرفة بملايين الجدران ـ شعر مجلة شعر بيروت 1960. 3 ـ العصفور الأحدب ـ مسرحية 1966(لم تمثل علي المسرح). 4 ـ المهرج ـ مسرحية (مثلت علي المسرح) 1974، طُبعت عام 1998 من قبل دار المدي ـ دمشق. 5 ـ الفرح ليس مهنتي ـ شعر منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1970 . 6 ـ ضيعة تشرين ـ مسرحية لم تطبع مثلت علي المسرح 1973 ـ 1974 . 7ـ شقائق النعمان ـ مسرحية. 8 ـ الأرجوحة ـ رواية 1974 نشرت عام 1974 ـ 1991 عن دار رياض الريس للنشر . 9 ـ غربة ـ مسرحية لم تطبع ـ مثلت علي المسرح عام 1976 . 10 ـ كاسك يا وطن ـ مسرحية لم تطبع ـ مثلت علي المسرح عام 1979 . 11 ـ خارج السرب ـ مسرحية دار المدي، دمشق 1999 مثلت علي المسرح باخراج الفنان جهاد سعد . 12 ـ حكايا الليل ـ مسلسل تلفزيوني من انتاج التلفزيون العربي السوري . 13 ـ وين الغلط ـ مسلسل تلفزيوني من انتاج التلفزيون السوري . 14 ـ وادي المسك ـ مسلسل تلفزيوني 15 ـ حكايا الليل ـ مسلسل تلفزيوني 16 ـ الحدود ـ فيلم سينمائي انتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام . 17 ـ التقرير ـ فيلم سينمائي من انتاج المؤسسة العامة للسينما، من بطولة الفنان دريد لحام . 18 ـ سأخون وطني ـ مجموعة مقالات 1987 ـ أعادت طباعتها دار المدي بدمشق عام 2001 .19ـ مسافر عربي في محطات الفضاء ـ مقالات20 ـ سياف الزهور ـ نصوص ـ دار المدي، دمشق 2001.21 ـ شرق عدن غرب الله ـ نصوص ـ دار المدي 200422 ـ بدوي أحمر ـ نصوص ـ آخر أعماله ـ أعماله الكاملة طبعتها دار العودة في لبنان. ـ أعادت طباعة أعماله دار المدي في دمشق عام 1998 في كتاب واحد بعنوان أعمال محمد الماغوط تضمن: المجموعات الشعرية: حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي،ومسرحيتي: العصفور الأحدب، والمهرج ورواية الأرجوحة.تُرجمت دواوينه ومختارات له ونشرت في عواصم عالمية عديدة اضافة علي دراسات نقدية واطروحات جامعية حول شعره مسرحه. كُرم أديبنا العاشق والمحب للوطن في دمشق 2002 بالتزامن مع صدور كتاب حطاب الأشجار العالية . مختارات من كتابات الماغوط عن السلسلة الشهرية المجانية، كتاب في جريدة ـ اليونسكو 60 . كما كُرم في مسقط رأسه في مدينة سلمية التي أهدته مهرجانها الشعري السنوي عام 2004، ونال عام 2005 وسام الاستحقاق في سوريا من الدرجة الممتازة بالتوازي مع الشاعر سليمان العيسي ومع الروائي وليد اخلاصي، وجري تكريمه مؤخراً في دبي حيث حصل علي جائزة سلطان العويس الثقافية. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية