إلى كل دعاة الحرية في تونس الذين إستماتوا في الدفاع عن عرض فيلم برسيبوليس الذي أساء للذات الالهية ضد من قالوا انهم خطر على حرية التعبير وهي الغالبية العظمى من الشعب التونسي التي هبت للتنديد ورفض الإساءة لمقدساتها خصوصا وأن الفيلم أساء لأقدس وأجل ما يحمله التونسيون في داخلهم وهو الله تعالى علوا كبيرا عن التشبيه والتمثيل، وللتذكير فإن الفيلم المشار إليه هو فيلم إيراني أي أنه ليس من إنتاج تونسي ولا يمت لتونس بصلة وهذا معطى مهم سنعود إليه لاحقا.
أقول هذا لأذكر هؤلاء المتحدثين بإسم حرية التعبير أن هذا الرفض للمساس بالمقدسات، وخصوصا الأديان ليس له علاقة بالحد من الحريات وهو من المسلمات في جميع المجتمعات ولدى كل الشعوب وهذا الكلام له ما يدعمه مثل الذي حدث مؤخرا في لبنان حين تم عرض فيلم بعنوان ‘تنورة مكسي’ للمخرج جو بوعيد الذي رأى فيه المسيحيون إساءة لهم ولديانتهم فهبت جل القنوات والصحف اللبنانية لمهاجمة الفيلم مما تسبب في تراجع نسب مشاهدته إلى حد مقاطعته وفتح ملف حرية التعبير مجددا في لبنان الذي يعتبر الدولة العربية الاولى من حيث المساحة الممنوحة للتعبير، إلا أن النخب اللبنانية المسيحية وأيضا المسلمة نددت بما حصل وأكدت أن هذا الفليم لا يندرج ضمن حرية التعبير بل لا يدخل إلا في إطار التطاول والتعدي على المقدسات ولذلك فهو مرفوض شكلا ومضمونا لأنه يسيء لشريحة من الشعب ومقدساتها وللإشارة فإن فيلم ‘تنورة مكسي’ لم يتناول الذات الإلهية أو المسيح عليه السلام، بل كل ما في الأمر أنه تعرض للممارسات غير الأخلاقية التي يقوم بها بعض القساوسة والأساقفة في الكنائس.
فهل تتفضل نخبنا التي ساندت إبن أبيه الحنون المسكين المظلوم في تلك المحنة التي عاشها لإجابتنا عن موقفها من هذا الجدل الدائر في لبنان؟ وهل ستقوم بالتنديد بالنخب اللبنانية التي ظهرت منغلقة ورجعية في الدفاع عن مقدسات شعبها في حين أن جهابذة الفكر والفن والإبداع في بلدنا لا فعل لها إلا معادات ما هو مقدس بالنسبة للشعب وهي لا تنتج أفكارا بل همها الوحيد تبني أفكار لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بهوية هذا الشعب ومقدساته التي يعتقد بقدسيتها ويرفض المساس بها تحت أي العناوين كانت حتى ما قامت من أجله الثورة وهو حرية التعبير التي لا يمكن أن تكون جسرا يعتمده الرويبضة لإخراج ما بداخلهم من عفن نتن يصيبنا جميعا بالقرف عند سماعه أم مشاهدته.
لنعد إلى فيلم برسيبوليس الذي هو فيلم إيراني صرف تم عرضه في تونس أي أنه ليس إنتاجا ولا إبداعا تونسيا، فشخصيا تمنيت أنه لو كان كذلك حتى يكون لجدلنا قيمة فأن يقوم تونسي بإنتاج شيء ما ولو كان مما لا نحبذه فالأكيد أن النقاش حوله سيكون أكثر قيمة وجدوى أما أن يحكم علينا بالبقاء في دائرة الإستهلاك حتى في الرذائل فهذا ما يثير السخرية والإشمئزاز، فصاحب الفيلم الإيراني أكيد أنه إسمتتع بما حصل في تونس من جدل بسسب إنتاجه الذي من المؤكد أنه لم يحظ به في أي مكان أخر وهذا من غريب الأشياء. قد يكون من يسمون أنفسهم نخبا في بلدي ليس لهم ما يقدموه لعامة الناس لذلك يلجأ معظمهم للتطاول على ما هو مقدس فأسهل طريقة لتصبح مفكرا وصاحب نظريات في تونس أن تقوم بالتشكيك فيما يعتقد الغالبية العظمى بصحته وقدسيته لكن إذا تأملنا قليلا وبحثنا عما أنتجه هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم من علياء القوم سنكتشف الإجابة سريعا لا شيء وحتى في صورة ما إذا تم إنتاج شيء ما فإنه إما يبقى نكرة لا يلتفت إليه أحد وإما يتم شراؤه من قبل الدولة عن طريق الدعم، أما أن يفرض هذا الإنتاج الإبداعي والفني نفسه على الذائقة الفنية للناس فصعب جدا حصول هذا لأنه ببساطة أبعد ما يكون عنه ولا يعبر عنه ولا يشبهه في شيء، وليحاول كل منكم أن يتذكر فيلم تونسي ناجح ونال ولو جائزة صغيرة أو أغنية نجحت في شد الجمهور أو كتاب تونسي طبع وسجل نسبا عالية من المبيعات أو ديوان شعر تعلقت به قلوب الناس.. حاولوا ثم حاولو ثم حاولوا ومن وجد الإجابة فليجبني.
الناصر الرقيق[email protected]