صدق الملك الراحل الحسن الثاني حين وصف البرلمان المغربي بـ«السيرك». ولو بقي على قيد الحياة إلى اليوم، ورأى ما حصل هذا الأسبوع داخل المؤسسة التشريعية نفسها، لأطلق عليها أقذع النعوت، استعانةً بالأمثال العامّية، التي كان يحفظها ويستعملها بإتقان وحكمة في خطبه ومؤتمراته الصحافية.
المشهد المُوالي جرى أمام أعين متتبعي التلفزيون المغربي، خلال النقل المباشر لجلسات البرلمان. أما الذين فاتتهم رؤيته فقد تولّت الموقع الإلكترونية ووسائط التواصل الاجتماعي نقله إليهم؛ ومن ثم، صار محتوى الفيديو حديث الساعة لدى الكثيرين، لدرجة أنه أنساهم أخبار «كورونا» المؤلمة:
ما إن صعد نائب برلماني إلى المنبر، وأمسك الميكروفون، حتى اعتقد نفسه خطيبًا مُفوَّهًا أمام ملايين الجماهير، والحال أنه عكس ذلك تمامًا، إذ أخذ يرغي ويزبد ويتكلم بتشنّج وصراخ، مُعقّبًا على جواب لأحد الوزراء، ناسيًا أن الانتماء للوطن الذي يتحدث عنه والغيرة عليه لا يتطلبان كلّ تلك الحركات البهلوانية. وحين لاحظت رئيسة الجلسة أن البرلمانيّ خرج عن موضوع السؤال المطروح، قاطعته طالبةً منه الرجوع إلى جادّة الصواب، فما كان منه سوى أن صرخ موجّها الكلام إليها:
«آش كتقول هاذي»؟ (ماذا تقول هذه؟)
لا يحتاج المرء إلى خبراء في تحليل لغة الخطاب السياسي، ليدرك أن العبارة المشار إليها وطريقة نطقها تحملان دلالة تحقيرية مُنحَطّة للمرأة المغربية عمومًا، وللبرلمانية خصوصًا؛ فتلك العبارة تحيل على مرجعية مجتمعية متخلفة لدى طائفة محددة من الرجال، ممّن يعتبرون المرأة «ناقصة عقل ودين» وأنها حين يتحدث «الذكور» ينبغي أن تُغلق فَاهَا، لأنها لا تفهم في أمور الحياة، فما بالك بالسياسة!
ولو ارتفعت درجة الضغط الدمويّ أكثر لدى النائب البرلماني المحترم (وكيف يُحتَرم مَن لا يحترم المرأة؟) لما اكتفى بعبارة «آش كتقول هاذي؟» وإنما لأضاف إليها عبارة أخرى من قبيل: «آش كتدير هاذي هنا؟» (ماذا تفعل هذه هنا؟) خاصة وأنه أصرّ على عدم الاعتذار للبرلمانية رئيسة الجلسة.
النواب الذين كانوا حاضرين تحت قبة البرلمان انقسموا إلى فريقين: فريق يطالب زميلهم بالاعتذار لرئيسة الجلسة المتهجّم عليها لفظيًّا قبل مواصلة الكلام، لأنه أساء إليها بتلك العبارة غير اللائقة. وفريق ثانٍ يُحمِّل المسؤولية لرئيسة الجلسة نفسها، كونها قاطعت النائب صاحب عبارة «آش كتقول هاذي؟» ولم تتركه يكمل مداخلته.
لكأنّ الأمر في حاجة إلى مُفْتٍ دستوري أو قانوني يُفتي للبرلمانيين في النازلة، ليميزوا المخطئ من المصيب. أما رئيسة الجلسة فحافظت على هدوئها واتّزانها، وظلّت تخاطب صاحب المشهد البهلواني بعبارة «السيد النائب المحترم» رغم أنه مارس عليها «عنفا لفظيا» ينضح بكثير من الإذلال والاحتقار!
إكسير الحياة!
مشهد آخر لا يقلّ عبثًا عن السابق، حصل هذا الأسبوع أيضًا، وكانت وسائل الإعلام المختلفة شاهدةً عليه. إنه مشهد مثول وزير الصحة المغربي، خالد آيت الطالب، أمام البرلمانيين، ليقدّم إيضاحات حول اللقاح ضد فيروس «كورونا» حيث غرق في الجزئيات التقنية والتفاصيل اللوجيستيكية، وغضّ الطرف عن السؤال الجوهري الأساس: متى يبدأ تطعيم المغاربة باللقاح؟
الوزير نفى الخبر الذي تدوول خلال الفترة الأخيرة كون المغرب توصّل باللقاح الصيني، وقال: لم نتوصل بأية جرعة لحد الآن!
حسنًا، ومتى سيحصل ذلك؟ لا جواب لديه.
وما هو التاريخ المحدد لبدء تطعيم المغاربة بـ«إكسير الحياة»؟
وزير الصحة يلتزم الصمت، وكأن الأمر سرّ من أسرار الدولة، ذو طابع أمني خطير؛ كما لو أن «معاليه» يخشى أن تصل المعلومة إلى آذان النظام الجزائري، الغاضب على المغرب بسبب الصحراء والتطبيع وأمريكا وأشياء أخرى… فيرسل أسلحته التي يتباهى بها لاعتراض طائرات الشحن الآتية من الصين والمُحمَّلة بالإكسير العجيب!
الظاهر أن قصة لقاح «كورونا» في المغرب تنطبق عليها مسرحية صمويل بيكيت الشهيرة «في انتظار غودو» لأنها تعكس طبيعة تعامل الحكومة مع المواطنين، إذ تحرمهم من المعلومة الضرورية، وتحيطها بهالة من السرّية والتكتم؛ في وقت تصدر فيها قوانين وتنشئ هيئات لضمان «الحق في المعلومة» كما تدّعي.
فرق كبير بين النظرية والواقع!
هو أم ليس هو؟
انشغل الكثيرون في المغرب كما في الجزائر بالظهور الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شفاه الله، إذ طُرح بإلحاح سؤال: لماذا اختار الرئيس مخاطبة الشعب عبر حسابه على «تويتر» وليس عبر التلفزة الجزائرية؟ ومضى البعض يحلّلون عناصر الفيديو من صورة وصوت وحركة، ليخلصوا إلى أنه «مفبرك» وأن الظاهر فيه ليس هو عبد المجيد تبون، وإنما شخص آخر وُظّف لهذه المهمة بعدما وُضع عليه قناع شبيه بوجه الرئيس، وذلك لغاية في نفس العسكر.
لعبت وسائط التواصل الاجتماعي دورًا أساسًا في الرواج السريع لهذا «الاستنتاج» الذي لا يمكن المجازفة بصحّته ولا التأكيد على خطأه. لكنّ المثير للانتباه أنه ما إن أدلى صحافي جزائري بدلوه في الموضوع، حتى تعرّض للمساءلة من طرف المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها.
بدأت الحكاية حين نشر الإعلامي مروان لوناس، مقدّم برامج في الإذاعة الجزائرية، تدوينة تساءل فيه عمّا إذا كان الفيديو المنشور على «تويتر» حقيقة أم صناعة من الذكاء الاصطناعي؟ لكنه حذفها بعد ذلك، حين نُشر الخبر والفيديو في التلفزيون الجزائري.
الحذف لم يشفع له، إذ أحالته إدارة الإذاعة على المساءلة. أما هو فألقى باللائمة على صفحة فيسبوكية تحمل اسم «دزاير تي في» قائلا إن صاحبها «قام بتركيب صور غير موجودة في منشوري الأصلي، ونشرها بتعليق مغرض، وفيه تحريض عليّ وكذب، وفتح باب السب والشتم ضدي.» وأعلن أنه بدأ إجراءات المتابعة القضائية ضد الصفحة «الفيسبوكية» المقرصِنة بتهمة السبّ والشتم والتحريض، وختم تدوينته قائلا: «أبشروا فالمحاكم بيننا».
مُراسل صحيفة «العربي الجديد» في الجزائر قدّم توضيحات بشأن خلفية مساءلة الصحافي مروان لوناس، إذ كتب أن إدارة الإذاعة وجدت تدوينته الأخيرة فرصة مناسبة لإعادة الضغط عليه، بسبب مواقفه المهنية ومنشوراته الداعمة للحراك الشعبي والمطالبة بالحريات والديمقراطية. وذكّر مراسل الصحيفة ذاتها بأنه سبق لإدارة الإذاعة أن أحالت الصحافي نفسه على المجلس التأديبي منذ سنة الخلفيات السياسية نفسها، لكنها تراجعت عن اتخاذ أية إجراءات في حقه، كما قامت العام الماضي بإلغاء فقرة «الرأي الحر» التي كان يقدّمها.
نسأل الله الشفاء العاجل للرئيس عبد المجيد تبون من فيروس «كورونا» ونتمنى لزملائنا وزميلاتنا في الإعلام الجزائري فضاء مهنيا أكثر حرية وديمقراطية وشفافية.
كاتب من المغرب