برلمان شارع مريدي!

حجم الخط
0

برلمان شارع مريدي!

جمال محمد تقيبرلمان شارع مريدي!في حي الثورة، الصدر حاليا، يقع شارع مريدي، وهو طريق شبه معبد، في حي شعبي مكتظ بالسكان، ملامحه تشبه والي حد بعيد، شوارع مخيمات غزة. لم يسبق لي ان رأيته، لانني كنت من سكنة حي الحرية، البعيد نسبيا عنه، فالحرية تقع شمال غرب بغداد، وفي جانب الكرخ منها، اما شارع مريدي فهو في وسط حي الثورة الذي يقع شمال شرق بغداد، وفي صوب الرصافة منها، وبينهما ينساب دجلة متعرجا يحتضن البطينين. في نهاية عام 1976 تعرفت عليه ورأيته، وذلك بسبب عملي الحزبي المتنقل، فقد كلفت بمسؤولية العمل الطلابي الشيوعي في حي الثورة، وكان للتنظيم خلية، بعض اعضائها يسكن بيوت شارع مريدي، وحصل اتفاق علي ان اجري اشرافا روتينيا علي احد اجتماعاتها، وحتي اصل الي البيت المقصود لا بد من دليل، وفي مثل هذه الحالات عادة ما يكون مسؤول الخلية هو من يرافق الرفيق المشرف الي مكان الاجتماع لانه سبق وان تعرف عليه، وكان موعد اللقاء به عند محطة وقوف الباصات قرب منطقة تدعي السفارة، اعتقدت حينها انها منطقة متميزة بشيء ما، يعطيها نوعا من الشياكة التي تستدعي تسمية السفارة، لكنني فوجئت بانها مربط فسيح للحمير وبغال وخيول النقل، اي انها مركز لسفارتها، حيث تزدهر في فروع هذا الشارع مهنة سياقة عربات الحمل والنقل التي تجرها دواب لها مكانتها بين البيوت.المهم جاء الرفيق المعني وسلكنا طريقا ملتويا نحو البيت، وكان بيتا بحوش كبير فيه عدد من الغرف الصغيرة اكبرها تسمي الديوانية اي غرفة الجلوس وهي ايضا غرفة الضيوف، كان اهل البيت في منتهي الطيبة، وكانت الخلية من 7 رفاق اغلبهم في الصف المنتهي من الدراسة الثانوية، انهم متحمسون، وتتلمس في اقبالهم علي العمل الحزبي نوعا من كاريزما المباديء عليهم، وهم مقتنعون بانها تميزهم عن سواهم من الدهماء!.اسرد هذه الحكاية لاذكر حالة احدهم، فقد قدم تقريرا خاصا عن الوضع الاجتماعي لسكان الشارع، كعينة دراسية لكل اوضاع حي الثورة، حيث اكد التقرير علي اهمية ولوج تفاصيلها للتأثير عليها بما يخدم قضايانا الاساسية في التنوير ومعالجة تركة التخلف الاجتماعي وانعكاساتها العملية الضارة، لقد اصر الرفيق بلباقة وحضور واثق علي طلب الوقت لشرح محتويات تقريره، رغم انه لم يكن علي جدول اعمال الاجتماع، وامام قوة اقناعه، تم له ذلك.لقد ذكر في تقريره تفاصيل ومفردات لم تكن متداولة كثيرا بيننا نحن الشيوعيين وقتها مثل: الفصل، الجرش، النهوة، العطوة، العراضة، كصة ابكصة، مجالس الحل والربط، الافخاذ، الرأس، وغيرها من مفردات القاموس العشائري الاخذة في الانزواء وقتها رغم ان هرمونها ما زال متنفذا علي مساحة شاسعة من مختلف مناطق بغداد ذات الانحدار الريفي.لفت انتباهي اشارته الي امكانية ان يلعب الرفاق دورا متميزا في جلسات الحل والربط التي تجري عند الحاجة لها بين وجوه العشيرة وافخاذها وبيوتاتها ذات الحظوة، وايضا اعطاؤه مثلا علي نفسه، وكيف اصبحت له كلمة مسموعة في جلسات الحل والربط لمنطقة مريدي كلها، وانه استطاع تمرير كثير من الحلول العادلة والمنصفة التي تنسجم مع توصيات الحزب.لقد اعطي بتقريره اطارا للعمل ايضا، حيث اكد علي ضرورة تعزيز الثقة بين اطراف هذه الجلسات والبحث دوما عن حلول ذات مضامين معقولة ومقبولة ضمن معادلة متوازنة بين الانفاس العشائرية والدينية والمدنية والاخلاقية، علي ان يكون الرفيق المعني نموذج لاسرته ولجيرانه ومنطقته في السلوك المتوازن بين الواقع والطموح.لقد شرح معاني مفرداته الغامضة علينا، ومنها مفردة الرأس وقال ما معناه انها الرأس العادية، وهي معيارية، فهي حسبة اولية للمعادلات القيمية اجتماعيا وعينيا، وقد اوضح ان كل عشيرة تزن بعدد رؤوس افرادها من الرجال، ولكل راس دية عند الفصل، فقتل الرجل له دية مختلفة عن دية المراة المقتولة مثلا وهكذا، والدية ذاتها تختلف باختلاف الحادثة ومكانة صاحبها، لكن هناك معدلا للدية العادية، ما بين 3 الي 9 من رؤوس البقر او الجمال او ما يعادل قيمتها من الاغنام او النقد، كل شيء يقاس ويحسب بالرؤوس، فبيت حجي محيبس لهم 40 راسا من الرجال وهم يتمتعون بحظوة اكبر من بيت زاير جمعة الذين لهم 25 راس رجل.كل شيء يقاس بالرؤوس حتي لو كانت فارغة، ومن هذا المنطلق انطلق الرفيق الي حساب اخر للرؤوس بحيث يكون كل راس شيوعي مؤثر وحكيم في هذه المجالس يعادل 10 رؤوس من الفارغات، ففي المجالس يكون الراي السديد هو السائد وهذه المجالس برلمانات شعبية يجب اقتحامها بالرؤوس السديدة، واذا دخلناها يجب ألا نكون فيها مثل ذلك الذي دخل موسم الحصاد بمنجل مكسور!؟لقد انجذبت وقتها لحماس الرفيق، وخرجنا بتوصية تشجع علي هكذا توجه وحسب القدرة. رباط السالفة او مربط الفرس في ذكري لهذه التفاصيل هو الحالة المزرية التي يعيشها العراق ومنذ احتلاله، ومع ذلك يقال ان هناك برلمانا، فأين هو؟ الا يفترض ان يكون فاعلا، كما في برلمانات العالم والناس الحقيقية، ام هو حديدة عن الطنطل، او خراعة خضرة الا يفترض بنوابه ان يكونوا من اصحاب الرؤوس غير الفارغة في برلمان عراقي منتخب ودائم ومتكون من 275 رأسا من الرجال والنساء وفي بلاد تعصف بها الرياح من كل اتجاه، فهل فعلا هناك برلمان عراقي حقيقي يمثل الشعب؟برلمان، اسمه بالحصاد ومنجله مكسور:لا نناقش مدي صدقية ونزاهة وشرعية الانتخابات التي طبلوا وزمروا لها والتي انجبت هكذا برلمان مقعد ومشوه واسير ويبحث عن تقاعده قبل دخوله الخدمة، ولا نحن بصدد مناقشة اليات عمله المستنبطة قلبا وقالبا من الروح البريمرية المتجسدة في قانون ادارة الدولة والتي رحلت بكل عللها مضافا لها تكريس ـ لديمقراطية ـ الخصخصة والتقاسم الاقطاعي المتخلف والمحاصصة المفتعلة علي حساب الوطن والمواطن، الي الدستور الدائم وغير الملائم لشعب يعتز بوحدته وتجذرها الحضاري وقوة دولته وانتمائها الاصيل وغير القابل للقسمة لمحيطه العربي والاسلامي، ولا نريد تناول المساحة المتاحة له في قدرته علي الفعل الحقيقي عندما نراه مكتفا بقوانين واليات تصويت واعراف غريبة وتناقضات تعكس ارادة المنشيء في جعله حايط انصيص وملبي طلبات عند الطلب، انما نناقش من يعتقدون انهم دخلوه كي يستطيعوا تغيير ما رسم له، كيف تفعلون ذلك وحسبة البرلمان كحسبة مجالس الحل والربط في شارع مريدي اي ان الحساب حساب رؤوس بمعزل عن كونها فارغة ام لا؟ بل ان مجالس شارع مريدي اكثر قدرة علي الحل والربط من برلمانكم لان فيها امكانية لسيادة الراس السديدة علي اصحاب الرؤوس الكثيرة الفارغة، وذلك لان هناك حوارا بينهم، فهل يتحاور النواب، ام يتحاور شيوخ عشائرهم وما عليهم هم الا رفع الايادي! ان البرلمان والنيابة عن الشعب تعني الحوار لاصدار مراسيم وتشريعات تخدمه، واخر اجراء قياسي لفاعلية تفاعل الحوار هو التصويت، هل ناقش النواب شيئا ام انهم امعات فقط؟ وعندما سيناقشون ما هو الهدف؟ اليس الهدف هو خدمة شعب العراق في وحدته الواحدة؟ ام ان منطق القوي ياخذ الرجيج الضعيف هو الحاكم؟ تبادل عادل المواقع مع ابراهيم ام لم يتبادل، جاء قاسم داوود ليحل محل صولاغ ام بقي صولاغ، تم تشكيل مجلس الامن القومي ام لم يشكل، راح جلال او جاء مسعود، صعد زيد ام نزل عمر، ليست هذه مشاكل البرلمان وليست هذه رسالة البرلمان في وضع تنهار فيه البلاد، البرلمان يرسم ويتناول الجوهر والاسس، السيادة والاستقلال، والتحكم بثروات البلاد، يتناول الخطوات التي تعجل ببناء جيش قوي بالاستناد الي اهلية الجيش الوطني الذي استبعده الاحتلال، يناقش تشكيلا فوريا لحكومة انقاذ وطني محايدة، يناقش دعوة المقاومة الوطنية لمائدة حوار جاد بضمانات وطنية هدفها انهاء الاحتلال وتطبيع الاوضاع بانتخابات نزيهة تحت اشراف محايد، بعد مرحلة انتقالية تدخل فيها المقاومة الوطنية كطرف اساسي لعودة الامن والاستقرار الي ربوع الوطن، بدون كل ذلك سيكون دور النواب في مجلسهم البرلماني هذا كدور محمد العريبي ايام مجلس النواب الملكي عندما كان يلخص دوره بكلمة واحدة لا غير موافج اي موافق، وحتما كان برلمان شارع مريدي اكثر مصداقية وقدرة علي الفعل من برلمان، مفاتيح رؤوس نوابه بيد المندوب السامي المتربع علي ديوانية المنطقة الخضراء، التي تستضيف مجلس ـ الشل والخبط ـ غير الدائم، ما دام هناك من له رأس غير فارغة، في عراق اشد ما يمقته من اصـــــناف البشر، اصحاب الرؤوس الفارغة!. ہ كاتب من العراق8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية