عمان-“القدس العربي”: مفارقات بالجملة لكن يمكن رصدها وتوثيقها بالتزامن السياسي والبيروقراطي.
بالنسبة للمقاربة التي اقترحتها الهيئة المستقلة لإدارة الانتخابات في الأردن كان الشعار الأول المنتشر بكثافة بهدف التسويق للخيار الديمقراطي هو “الأردن ينتخب”.
بالمقابل اقترحت وبعد نتائج الانتخابات وما تخللها من اضطرابات في البعد الأمني وفي مسار الوقاية الصحية وخروج عن المألوف حتى الاجتماعي، ناشطة إلكترونية عبارة مسيسة قالت فيها “الأردن ينتحر” .
بين الانتحار الذي عبرت عن الأسف من أجله الناشطة فردوس العجلوني، والانتخاب مسافة كانت فارقة جدا لكنها مثيرة عند بروز أي محاولة سياسية راشدة لرسم سيناريو لما حصل في ثلاثة أيام شهدتها العملية الانتخابية الديمقراطية في الوقت الذي كانت فيه الكلفة أكبر بكثير مما توقعه كثيرون وتحديدا على مسار ارتفاع كبير في نسبة مقاطعة الانتخابات حيث 70 في المئة على الأقل من الذين يحق لهم الانتخاب وعددهم أكثر من أربعة ملايين و 600 ألف مواطن أردني قرروا مقاطعة هذه الانتخابات والتزموا بيوتهم.
وأيضا على مسار “الانفلات الأمني” الناتج عن احتفالات النتائج، والذي استدعى لاحقا تبديد الفرح الديمقراطي وعودة القوات المسلحة للشارع وحملات مداهمة أمنية لمقرات ومنازل مرشحين ونواب جدد، والأهم على مسار الخسائر الصحية حيث الانتشار المتوقع مجددا والأفقي لفيروس كورونا.
الالتقاط كان أكثر عمقا في الجانب الصحي وعبر الوصف الذي استخدمه طبيب من وزن الدكتور عاصم منصور، عندما قال إن مظاهر الاحتفال بالانتخابات انتهت بكارثة وبائية وصحية.
هنا أيضا لم يقتصر الأمر على الجانب الصحي أو تعليقات المواطنين على منصات التواصل، فالتعليق الأكثر تداولا على مجموعات التواصل كان بقلم ضابط أمني رفيع المستوى متقاعد هو زهدي جانبيك، والذي قال بوضوح إن وزارة الداخلية أخفقت بصورة ذريعة في إدارة واجباتها خلال العملية الانتخابية، مشيرا إلى أن الحكومة أيضا أخفقت في إدارة المسألة والملف. ثم اقترح جانبيك علنا العبارة التالية عبر رسالة مختصرة للحكومة “فوق تعبكم .. الله لا يعطيكم العافية”.
لا تصدر بالعادة مثل هذه التعليقات عن ضباط أمن متقاعدين، وإن كان وزير الداخلية توفيق الحلالمه قد سارع وعلى الأرجح بأمر ملكي مباشر لتقديم استقالته في إشارة لتغييرات لاحقة قد تطال المؤسسة الأمنية ونخبة من كبارها أيضا خلافا للحكام الإداريين المتهمين بالتقصير.
لكن الجدل توسع في أعماق المجتمع الأردني حول ما يمكن تسميته بالمجازفة الكبرى في إقامة هذه الانتخابات والتي تخللها لاحقا لقرار إجرائها ضمن سياق الاستحقاق الدستوري مجازفة أكبر، عندما تسبب أنصار بعض أعضاء مجلس النواب الجدد الفائزين رسميا بسلسلة كبيرة من التجمعات ومخالفات القانون؛ الأمر الذي طرح سؤالا فعليا في عمق أزمة القرار وسيناريوهات الأدارة العليا لأجهزة الدولة: هل كانت الكلفة محسوبة أم مقصودة أم غامضة؟
مجازفة كبرى
كل من له علاقة بسياق المشهد الوبائي وفيروس كورونا خصوصا من أطقم الصحة وخبراء اللجنة الوبائية تقدم بعد مظاهر الاحتفال بتلك الانتخابات حيث الكلفة الأكبر بتعليقات سلبية عن ما حصل وتوقعات بتفش أفقي جديد لفيروس كورونا يمكن أن تنتج عنه مجازفة كبرى على صعيد صمود وصلابة النظام الصحي، مع ان المقصود كان وبإجماع المراقبين الرهان على إجراء استحقاق دستوري وقت الأزمة.
بالتالي يبقى السؤال السياسي والأمني في أعماق الدولة الأردنية عن الكلفة التي درست والمجازفات التي حصلت في الأصرار على توقيت الانتخابات أولا.
وثانيا على التساهل تجاه عدد كبير من المرشحين الفائزين الذين تم استدعاء 20 على الأقل منهم حيث ظهر استخدام الرصاص بشكل كثيف، وظهرت تجمعات حاشدة لعشرات الآلاف من المواطنين بالقرب من بيوتهم أو مقراتهم الانتخابية، وظهرت أيضا ملامح الاستدراك المتأخر في الإدارة الأمنية وعلى مستوى مجلس الوزراء وتقديم اعتذار علني بلسان الرئيس الدكتور بشر الخصاونة للأردنيين عن ما حصل في اول إختبار صعب يجتاح مبكرا الحكومة الوليدة.
الانتخابات الأردنية الساخنة والمثيرة جدا للجدل نتج عنها عشرات الأسئلة المحرجة والحساسة ولم تقدم إجابات شافية على الأسئلة الوطنية وخصوصا تلك المتعلقة بالاستحقاق الدستوري والانتخابي بصورة حصرية.
ويبدو أن السؤال المبكر الأكثر إلحاحا وإثارة للإحراج، ذلك المتعلق بنوعية النواب الذين انتخبهم الأردنيون في واحدة من أقل المواسم الانتخابية من حيث نسبة المشاركة وعدد الأصوات، حيث نواب جازفوا بالصحة العامة وسمحوا بعد فوزهم باحتفالات يتخللها إطلاق كثيف للرصاص، ووافقوا على تجمعات وتحشدات يمكن ان تؤذي قواعدهم الانتخابية في مضاربهم وبيوتهم ومقراتهم الانتخابية.
وهذه النوعية من النواب ترسل مبكرا رسالة سلبية إلى حد ما خصوصا في الأطراف والأوساط القبلية وفي بعض المحافظات، محورها طبيعة تركيبة وانحيازات النواب الجدد ومجازفاتهم.
وهي رسالة بدأت تقلق جميع الأوساط المثقفة والمعنية بالعمل السياسي والوطني حتى في العاصمة عمان، حيث ملاحظات بالجملة تقول إن الدوائر الانتخابية التي لا تتميز بالثقل العشائري ولا توجد فيها خلافات على المكاسب وفيها طبقة كبيرة من المعنيين بالعمل السياسي والوطني حصريا، هي الدوائر التي أحجمت عن المشاركة في هذه الانتخابات.
هنا يرسل بعض النواب الجدد إحدى الرسائل السلبية تماما للمجتمع وللدولة حول امكانيتهم في السماح لقواعدهم الانتخابية وأقاربهم ومن انتخبهم بالتفريط بمقتضيات الوضع الصحي ومتطلبات الحظر الشامل وأوامر الدفاع.
وهي رسائل خضعت فورا للأرشفة في الذاكرة الوطنية، وبدت تدرس بعناية حتى داخل غرف القرار وفي أوساط الدولة العميقة، على أمل بناء تصور أو سيناريو محتمل لانحيازات واتجاهات نحو 104 على الأقل من النواب الجدد الذين يمكن أن يتحول بعضهم وبعد أسابيع من انعقاد الدورة العادية، إلى مراكز قوى في الواقع البرلماني وفي سلطة التشريع وحتى في المجتمع.
اقتباس
تجمعات حاشدة لعشرات الآلاف من المواطنين