قاسم مسعد عليوةاستمعت إلى كلمة الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك التي أذاعها الأحد 10 نيسان ( أبريل) 2011م على قناة ( العربية) التلفزيونية الفضائية، تلك الكلمة التي أبدى فيها استياءه من حملات التشكيك في ذمته المالية وذمم أفراد أسرته. ثم نفى بجمل وعبارات حاول أن توحي بالحسم ملكيته هو وزوجته وأي من ابنيه علاء وجمال لأية عقارات أو أي أصول عقارية بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء كانت تجارية أو شخصية، في الخارج منذ اشتغل بالعمل العام عسكرياً وسياسياً وحتى تاريخه، وأعلن فيها عن استعداده بأن يقدم أية مكاتبات أو توقيعات تمكن النائب العام من أن يطلب من وزارة الخارجية المصرية الاتصال بوزارات الخارجية في كل دول العالم لتؤكد لهم موافقته وزوجته على الكشف عن أية أرصدة لهم في الخارج. وبعد دفاعه عن عناصر ومصادر أرصدة وممتلكات علاء وجمال وقوله إنها بعيدة عن شبهة استغلال النفوذ أو التربح بصورة غير مشروعة ختم كلمته بأنه يحتفظ بكافة حقوقه القانونية تجاه كل من تعمد النيل منه ومن سمعته ومن سمعة أسرته بالداخل وبالخارج.
هذا ملخص ما قاله، أما أداؤه الصوتي فقد اتسم بالمهارة العالية، المقرونة بإتقان نبرات الصوت وتموجاته وبحَّته لتحقيق ذات الأثر الذي عمد إلى إحداثه في نفوس سامعيه في خطبه الأخيرة، خطب ما بعد الثورة، فقد استهدف استدرار الشفقة والتعاطف؛ لكن المحتوى ظل استعلائياً، ولهجة الحاكم الذي استمر يحكم لثلاثة عقود متصلة ظلت مسيطرة على هذا الأداء. أداء هابط من أعلى إلى أسفل، من شخص اعتاد السيطرة وهو في سُدة الحكم إلى مواطنين هم الأقل في المرتبة والأدنى في المكانة، مواطنين ما عليهم إلا أن يسمعوا ويقبلوا مطأطئين رؤوسهم، فالشعب هو الذي أخطأ في حقه بينما هو لم يخطئ في حق الشعب. على قصر الكلمة تضمنت انتقالات صياغية وأدائية من شأنها أن تثير في أذهان سامعيها، إذا ما أرادوا تصنيفها في إطار ما يعرف بالأدب السياسي، قدرا من الحيرة غير يسير، فبدايتها أوهمت بأنها خطاب رئاسي مما اعتاد الشعب على سماعه منه طوال فترة حكمه، ثم ما لبثت أن تحولت إلى بيان بما احتوته من بعض معلومات عن تقديمه لإقرار الذمة المالية وعدم وجود حسابات وأرصدة وممتلكات له ولأفراد أسرته بالخارج، ثم تحول إلى رسالة موجهة إلى النائب العام يملي عليه كيف يتصرف، وفي نفس الوقت كانت الكلمة ـ مع تصنيفاتها السابقة ـ مرافعة دفاع علني، خرق بها القاعدة التي تحظر مخاطبة الرأي العام في الأمور التي تنظر أمام القضاء. إن الأسئلة لتتزاحم على رأس المرء وهو يستمع إلى هذه الكلمة؛ لماذا لم يقدم محمد حسني مبارك وأفراد أسرته إقرارات ذممهم المالية ومبارك في سدة الحكم؟.. ولماذا هذه الكلمة بالتحديد في هذا الوقت بالذات؟.. هل يمكن التعامل معها باعتبارها فصلاً من فصول خطة مدروسة تستهدف توسيع الهوة بين الشعب والجيش، خصوصاً بعد أحداث فجر السبت التي أعقبت جمعة المحاكمة والتطهير وأسفرت عن قتيل وسبعين مصابا واعتقال مثلهم؟.. وهل لموعد البث صلة بخطط رجل الأعمال إبراهيم كامل ومن يشايعه من فلول الحزب الوطني وبعض رجال الأعمال؟.. وهل تقف مسؤولية مبارك بعد ثلاثين عاماً من الحكم الفردي عند حدود الذمة المالية والتحريض ـ مجرد التحريض ـ على قتل المتظاهرين في ثورة 25 كانون الثاني ( يناير)؟.. وأين هي المسؤولية السياسية؟.. أين مسؤوليته عن تفريغ الديموقراطية من محتواها وقيامه هو وأفراد أسرته ومعاونوه بتحويلها إلى شكل بلا محتوى؟.. أين مسؤوليته عن ممارساته وممارسات أعوانه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي شوهت صور الحياة في المجتمع المصري وطحنت أفراد الشعب بكل طوائفه وفئاته؟.. أين مسؤوليته ومسؤولية أفراد أسرته عن تعديل الدستور لضمان بقاء الأسرة في سدة الحكم؟.. وأين مسؤوليته ومسؤولية نظامه عن التزوير المتتالي ليس للانتخابات النيابية فحسب وإنما أيضاً للاستفتاءات، سواء كانت على الدستور الذي عدله بما يوائم ابنه جمال، أو كانت على تجديد فترات رئاسته هو؟.. وهل ينسى الشعب التعذيب الذي نال الكثيرين من أفراده وفصائله ممن ينتمون إلى مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية إبان فترة حكمه؟.. أليس هو المسؤول الأول عنه؟.. ثم ماذا عن شهداء الثورة، أولئك الأبرار الذين أريقت دماؤهم في ميدان التحرير بالقاهرة وفي كل شوارع وميادين مصر، هل تكفي مياه العالم كله ـ عذبة كانت أو مالحة ـ لغسيل يديه منها؟.. وإن اكتفينا بتهمة التحريض، فهل تحريض رئيس الجمهورية، ونجله الموعود بالرئاسة، يعادل تحريض أي مواطن آخر؟.. والتغول الرأسمالي الفاتك بثروات المصريين من الذي رعاه؟.. أليس هو وأفراد أسرته وحاشيته؟.. والانفلات الأمني الذي أصاب كل صور الحياة بعد الثورة، أليس هو ورجالات نظامه المسؤولين عنه؟.. والخسائر المالية التي منيت بها مصر وتضخمت وما زالت تتضخم، أليس هو المتسبب فيها بتعنته وتشبثه بأوهام البقاء فوق كرسي السلطة وعرش الحكم؟.. لقد استمعتُ إلى تحليلات عدد من المعلقين، ولحظتُ وقوفاً متكرراً لبعضهم أمام توقيت بث مبارك لكلمته، مثلما لحظتُ استنكاراً من بعض ثان لبثها عبر قناة تلفزيونية غير مصرية ( قناة العربية)، ولحظتُ أيضاً تأكيداً من بعض ثالث على أهمية محاكمته أمام القاضي الطبيعي. فأما التوقيت فمعروفة أسبابه، فلم يخرج بصوته المُدَرَّب في أول كلمة يلقيها بعد اضراره التخلي عن الحكم إلا بعدما تشدد الشعب الغاضب في المطالبة بمحاكمته، وخصص جمعة فوق مليونية لهذا المطلب وأجرى أثناءها ( الجمعة 8 نيسان / أبريل 2011م.) محاكمة شعبية له. لم يخرج عن صمته إلا لما تزايدت ضغوط الشعب على حكومة شرف والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وارتفعت هتافاته المنددة بهذا المجلس وبرئيسه المشير حسين طنطاوي والنائب العام عبد المجيد محمود، ليس في ميدان التحرير فقط، وإنما في أرجاء مصر كلها. لم يخرج عن صمته إلا بعدما هدد متظاهرو التحرير بالزحف إلى شرم الشيخ حيث يقيم هو وأسرته. تحت هذه الضغوط الهائلة اضطر القضاء الرسمي ـ وفرق كبير بين الاضطرار والمبادرة ـ إلى اتخاذ خطوات يمكن وصفها بالإيجابية. في هذا الوقت، الذي يمكن وصفه بالوقت الحرج، خرج مبارك بصوته ليوسع الفتق في النسيج الذي يجمع بين الشعب والجيش، وهو فتق كلما رُتق عادت أصابع الثورة المضادة ففتقته. بسبب من كل هذا خرج مبارك عن صمته وبث كلمته في هذا التوقيت بالذات. إن أول ما يتبادر إلى الذهن هو عدم الحصافة إزاء اختياره لقناة ( العربية) غير المصرية قناة يبث عبرها كلمته هذه، وغير معروف حتى الآن ما إذا كان قد طلب بث هذه الكلمة عن طريق منابر إعلامية مصرية عامة أو خاصة أم لا، وما من شك في أنه إذا كان قد طلب هذا ولم يُمكَّن منه فإن وصف عدم الحصافة ينتقل إلى هذه المنابر، اللهم إلا إذا كانوا قد طلبوا تصريحاً قضائياً ولم يقدمه، وكون البث صوتياً فهذا يستدعي التأمل في الدوافع التي حدت به إلى الاستغناء عن كاميرات التصوير، وأظنها متاحة له في محل إقامته الجبرية. المسألة مقصودة في اعتقادي، فمع الصوت وحده وعبر تلوناته تتاح الفرص للتلاعب بأخيلة وعواطف المستمعين، فملامحه لن تُرى، ونظرات عينيه ستختفي، وحركة بدنه لن تظهر، من هنا يمكن لحالته الصحية أن تكون بؤرة للاستقطاب العاطفي، وهذا ما أظنه قد دفع به إلى الاكتفاء بالصوت والاستغناء عن الصورة؛ ولنتذكر أنه تحت إقامة جبرية في مكان قصيّ منعزل، في الفيلا رقم 212 في شرم الشيخ ـ وما هي بفيلا وإنما هي قصر منيف ـ ولنتساءل عن جدوى الإقامة الجبرية ما دام التسريب منها وإليها أمراً ممكناً. الإقامة الجبرية قريبة الشبه بالحبس الاحتياطي، وتعني ضمناً أن الرقابة مفروضة ليس على من أجبر على هذه الإقامة فقط، وإنما على الداخلين إليه والخارجين من عنده. والرقابة تشمل كل الاتصالات السلكية واللاسلكية، العادية والإلكترونية، فكيف تسربت هذه الكلمة؟.. بالوسائل العادية أم بالوسائل الإلكترونية؟.. عن طريق قرص مدمج نقله شخص خرج به من الفيلا وركب وسيلة نقل، طائرة أو سيارة، أوصلته إلى القاهرة وسار به في شوارع القاهرة حتى مقر قناة ( العربية) فسلمه للمسؤول ثم أعطى تماماً بالتسليم، أم دفع بما فيه عبر رسالة إلكترونية بثها بنفسه أو بواسطة أحد من أفراد أسرته أو العاملين لديه عبر جهاز كمبيوتر شخصي ضمن أجهزة اتصال غير قليلة متوفرة ـ بالمنطق ـ في محل إقامته القصيّ الباذخ؟.. من أغرب ما سمعناه بهذا الصدد ما صرح به اللواء ممدوح شاهين، عضو المجلس الأعلى لقوات المسلحة مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية، لقناة ‘ أون.
تي. في’ التلفزيونية الفضائية وبثتها مساء اليوم ( الاثنين 11 نيسان / أبريل 2011 م.)، تعليقا على كلمة مبارك لقناة ( العربية) يوم أمس، إذ قال إن منع الاتصال والمراسلات عن مبارك يستلزم قرارا قضائيا. رحم الله رئيس مصر الأسبق اللواء ‘ محمد نجيب’ الذي حرم بما يتمتع به مبارك الآن حين فرضت الإقامة الجبرية عليه في منزله.
وقد يكون مقبولاً أن يَمْثُل مبارك هو وأفراد أسرته وأركان نظامه أمام قضاتهم الطبيعيين فيما يتعلق بالفساد المالي والاقتصادي، لأنه ـ كما قيل ـ لا يمكن استرداد أية أموال مهربة إلى الخارج إلا عبر أحكام نهائية يصدرها القضاء العادي وليس الاستثنائي. ربما يكون هذا مقبولاً مع قضايا من هذا النوع، لكن ذمة الحاكم ليست هي الذمة المالية فقط، إذ تمتد هذه الذمة لتشمل ذمماً أخرى أبرزها الذمة السياسية؛ وغنيٌّ عن البيان أن الفساد السياسي إنما يبدأ من الرأس، التي هي في الحالة المصرية الراهنة رأس مبارك. إن فساداً من هذه النوعية يستوجب ـ كما طالب فريق كبير من الشعب الثاثر ـ اللجوء إلى القضاء الاستثنائي، فمن غير المعقول أن يقوم عدد قليل من الضباط ( لا يزيد عن عدد أصابع الكفين) بتشكيل محكمة للثورة، عقب تحول حركتهم إلى ثورة ( ثورة 23 يوليو)، لمحاكمة من أفسدوا الحياة السياسية قبل قيامها، ولا تشكل ثورة الملايين المصرية ( ثورة 25 يناير) محكمة تحاسب مبارك ومن أفسد الحياة السياسية معه طوال ثلاثين سنة مضتْ. إن استدعاء مبارك وولديه علاء وجمال للتحقيق أمام القضاء العادي أمر محمود، لكن غير المحمود هو التأخر في هذا الاستدعاء، فقد ترتب على هذا البطء تصرفات كثيرة، من قِبل مبارك وأفراد أسرته، تداولت الصحف المحلية والأجنبية ـ والأجنبية بالأساس ـ أخباراً غير قليلة عنها، ولنتذكر هنا رفض مبارك وأفراد اسرته استلام أول إعلان من المحكمة الذي توجه به مُحضر محكمة جنوب سيناء إلى الفيلا رقم 212 وأبلغ، ورهط الشرطة المصاحب له، وكان هذا الإعلان متعلقاً بالدعوى المقامة ضد مبارك لحل الحزب الوطني ومصادرة ممتلكات ومقرات الحزب بصفته رئيسا لهذا الحزب، كما رفض جمال مبارك المثول أمام الكسب غير المشروع، لنتذكر هذين الموقفين لنعلم موقف هذه الأسرة من القضاء. ربما كان من الممكن أن يتخذ هذا التحليل منحى آخر لو أن مبارك اعتذر لشعبه عما ارتكبه بحقه وما سببه له من آلام، لكنه استعلى ولم يفعل. لذا بدا جلياً لكل من له عين ترى وأذن تسمع أن مبارك إنما كان يخاطب بكلمته هذه أشياعه من مؤججي الثورة المضادة، أولئك الذين دأبوا على بث الفوضى وإثارة البلبلة منذ أول يوم قامت فيه الثورة، وقدمها لهم برميل زيت جاهزاً لإشعال نيران الفتنة.. وقى الله مصر من شرورها.