برنارد‭ ‬لويس‭ ‬وصدام‭ ‬الحضارات‭.. ‬في‭ ‬البدء‭ ‬كان‭ ‬الصراع

حجم الخط
0

يعدُّ‭ ‬برنارد‭ ‬لويس‭ (‬1916‭ ‬ـ‭ ‬2018‭) ‬مفكراً‭ ‬ومؤرخاً‭ ‬لأزمنة‭ ‬العالم‭ ‬الإسلامي،‭ ‬القديم‭ ‬والحديث،‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأبحاث‭ ‬والدراسات‭ ‬الرصينة،‭ ‬لاسيما‭ ‬ما‭ ‬تعلق‭ ‬بتاريخ‭ ‬الإسلام،‭ ‬وانتشاره‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬منذ‭ ‬هجرة‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬مروراً‭ ‬بالدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬عصرنا‭ ‬الحالي،‭ ‬بحيث‭ ‬سبر‭ ‬أغوار‭ ‬علاقة‭ ‬الإسلام‭ ‬بالغرب‭ ‬المتسمة،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬وصفه،‭ ‬أصلا‭ ‬بالتصادم‭ ‬واللاتفاهم‭.‬

وعلى‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬بلوغه‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مئة‭ ‬سنة‭ ‬بقليل،‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬وفاته‭ ‬في‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬مايو‭/‬أيار‭ ‬الماضي،‭ ‬قضاها‭ ‬متنقلا‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الاستخباراتي‭ ‬إلى‭ ‬النشاط‭ ‬العلمي‭ ‬والعمل‭ ‬الأكاديمي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أفكاره‭ ‬لم‭ ‬تتغير،‭ ‬ولم‭ ‬تتأثر‭ ‬بعواصف‭ ‬التغيير‭ ‬العالمية،‭ ‬رغم‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات‭ ‬الكثيرة،‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬تاريخها‭ ‬وأحوال‭ ‬شعوبها،‭ ‬وأنماط‭ ‬معيشتهم‭ ‬وعاداتهم‭ ‬وتقاليدهم،‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬كتابه‭ ‬عن‭ ”‬العرب‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭” ‬و«ظهور‭ ‬تركيا‭ ‬الحديثة‭”‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬كتابه‭ ”‬لغة‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭”‬،‭ ”‬الإسلام‭: ‬من‭ ‬النبي‭ ‬محمد‭ ‬وحتى‭ ‬فتح‭ ‬القسطنطينية‮»‬،‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ”‬عالم‭ ‬الإسلام‭: ‬إيمان‭ ‬وشعوب‭ ‬وثقافة‭”‬،‭ ”‬الإسلام‭ ‬والغرب‭”‬،‭ ”‬أين‭ ‬الخطأ‭” ‬و‭”‬أزمة‭ ‬الإسلام‭: ‬الحرب‭ ‬المقدسة‭ ‬والإرهاب‭ ‬المدنس‭”‬،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬المفكر‭ ‬إدوارد‭ ‬سعيد‭ (‬1935‭ ‬‭ ‬2003‭) ‬يعلّق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬الطويلة‭ ‬والشاقة،‭ ‬لهذا‭ ‬المستشرق‭ ‬في‭ ‬البحث،‭ ‬ونظرته‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬للإسلام‭ ‬بالقول‭: ”‬إن‭ ‬جوهر‭ ‬أيديولوجية‭ ‬لويس،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يخص‭ ‬الإسلام،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لن‭ ‬يتغير،‭ ‬وأن‭ ‬أيّ‭ ‬مقاربة‭ ‬سياسية‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬جامعية‭ ‬للمسلمين‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬وتنتهي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المسلمين‭ ‬هم‭ ‬المسلمون‮»‬‭.‬

‬يرى‭ ‬لويس‭ ‬أن‭ ‬أسباب‭ ‬كراهية‭ ‬الشعوب‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعربية‭ ‬للغرب‭ ‬‮«‬تتجاوز‭ ‬العداء‭ ‬الموجه‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬وأفعال‭ ‬وسياسات،‭ ‬وحتى‭ ‬بلدان‭ ‬معينة،‭ ‬لتصبح‭ ‬رفضاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬برمتها‮

الإسلام‭ ‬والغرب

وهو‭ ‬يحدد‭ ‬في‭ ‬مقاله‭ ‬ذائع‭ ‬الصيت‭ ”‬جذور‭ ‬السخط‭ ‬الإسلامي‭”‬،‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والغرب،‭ ‬ويعتبرها‭ ‬صراعية‭ ‬تصادمية،‭ ‬‮«‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السخط‭ ‬الحالي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لا‭ ‬بوصفه‭ ‬صراعاً‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬أو‭ ‬شعوب،‭ ‬بل‭ ‬بوصفه‭ ‬صداماً‭ ‬بين‭ ‬حضارات‮»‬‭ ‬مبيناً،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬اليوم‭ ‬أو‭ ‬الأمس،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ممتدٌ‭ ‬إلى‭ ‬قرون‭ ‬سحيقة،‭ ‬أي‭ ‬منذ‭ ‬ظهور‭ ‬الإسلام،‭ ‬كدين‭ ‬مؤثر‭ ‬وأيديولوجية‭ ‬ملهمة‭ ‬لأتباعه‭ ‬ومريديه،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التشريعات‭ ‬والقوانين،‭ ‬‮«‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬المنظومتين‭ ‬المتنافستين‭ ‬مازال‭ ‬مستمراً‭ ‬منذ‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬قرناً،‭ ‬وهو‭ ‬صراع‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬ولادة‭ ‬الإسلام،‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬الميلادي،‭ ‬واستمر‭ ‬نظرياً‭ ‬حتى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬معرض‭ ‬تفسيره‭ ‬للأسباب‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أجلها‭ ‬يمقت‭ ‬غالبية‭ ‬المسلمين‭ ‬الغرب،‭ ‬وهل‭ ‬في‭ ‬الإمكان‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬مرارتهم‭ ‬تجاهه؟‭ ‬يرى‭ ‬لويس‭ ‬أن‭ ‬أسباب‭ ‬كراهية‭ ‬الشعوب‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعربية‭ ‬للغرب‭ ‬‮«‬تتجاوز‭ ‬العداء‭ ‬الموجه‭ ‬ضد‭ ‬مصالح‭ ‬وأفعال‭ ‬وسياسات،‭ ‬وحتى‭ ‬بلدان‭ ‬معينة،‭ ‬لتصبح‭ ‬رفضاً‭ ‬مطلقاً‭ ‬للحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬برمتها‮»‬،‭ ‬لأنها،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬لم‭ ‬تجلب‭ ‬لشعوب‭ ‬العرب‭ ‬والإسلام‭ ‬سوى‭ ‬الفقر‭ ‬والديكتاتورية‭ ‬والحرب‭ ‬والدمار،‭ ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭: ”‬في‭ ‬نظر‭ ‬غالبية‭ ‬الشعوب‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطية‭ (‬العربية‭ ‬والإسلامية‭)‬،‭ ‬لم‭ ‬تجلب‭ ‬الأنماط‭ ‬الاقتصادية‭  ‬الغربية‭ ‬لهم‭ ‬سوى‭ ‬الفقر‭ ‬والنظم‭ ‬السياسية‭ ‬الغربية‭ ‬لم‭ ‬تنتج‭ ‬لهم‭ ‬سوى‭ ‬الديكتاتورية،‭ ‬أما‭ ‬أسلحة‭ ‬الغرب‭ ‬فلم‭ ‬تأتِ‭ ‬بغير‭ ‬الهزائم‭”. ‬

وأي‭ ‬مشروع،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مصدره،‭ ‬ومدى‭ ‬تأثيره،‭ ‬يجلب‭ ‬هذه‭ ‬المظاهر‭ ‬السلبية،‭ ‬حتماً‭ ‬سيكون‭ ‬مصيره‭ ‬الرفض،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬مفروضاً‭ ‬بالقوة،‭ ‬فحتماً‭ ‬سينشئ‭ ‬مقاومةً‭ ‬وعداءً،‭ ‬والعداء‭ ‬بدوره‭ ‬ينقلب‭ ‬إلى‭ ‬تنافس،‭ ‬وكما‭ ‬هو‭ ‬معروف،‭ ‬أن‭ ‬لغة‭ ‬التنافس‭ ‬الوحيدة‭ ‬هي‭ ‬الصراع‭ ‬والصدام‭.‬

في‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬يتطرق‭ ‬لويس‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬الهزائم‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬الإسلام‭ ‬مؤخراً،‭ ‬إذ‭ ‬يعدد‭ ‬في‭ ‬دراسته‭ ‬سالفة‭ ‬الذكر‭ ‬مراحل‭ ‬انحسار‭ ‬ـ‭ ‬أي‭ ‬هزيمة‭ – ‬قوة‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويحصرها‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬هزائم‭ ‬أساسية‭:‬

أولى‭ ‬هذه‭ ‬الهزائم،‭ ‬هي‭ ‬فقدان‭ ‬الإسلام‭ ‬‮«‬سيطرته‭ ‬العالمية‭ ‬أمام‭ ‬تعاظم‭ ‬قوة‭ ‬روسيا‭ ‬والغرب‮»‬،‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تصدّع‭ ‬قوته‭ ‬في‭ ‬بلده‮»‬،‭ ‬فاسحاً‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الأفكار‭ ‬الأجنبية‭ ‬الوافدة،‭ ‬والقوانين‭ ‬الوضعية،‭ ‬وطرق‭ ‬الحياة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬الحكام‭ ‬الأجانب‭ ‬أو‭ ‬المستوطنين،‭ ‬هذه‭ ‬ثانية‭ ‬هزيمة،‭ ‬أمّا‭ ‬الثالثة،‭ ‬‮«‬فكانت‭ ‬تحدي‭ ‬سلطاته‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬داره،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النساء‭ ‬المتحررات،‭ ‬والشباب‭ ‬المتمردين‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الهزائم،‭ ‬حسب‭ ‬لويس،‭ ‬ولّدت‭ ‬لدى‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭ ‬الشعور‭ ‬بالإذلال،‭ ‬والإحساس‭ ‬بالإحباط،‭ ‬المتأتي‭ ‬من‭ ‬فشل‭ ‬الخيارات‭ ‬المستوردة،‭ ‬لتغيير‭ ‬أحوال‭ ‬الشعوب،‭ ‬ما‭ ‬أدى،‭ ‬والحال‭ ‬هذه،‭ ‬إلى‭ ‬احتقار‭ ‬الغرب‭ ‬وأخلاقياته،‭ ‬والنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬سبب‭ ‬المصائب‭ ‬والنكبات،‭ ‬التي‭ ‬تلحق‭ ‬بالعرب‭ ‬والمسلمين‭. ‬وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الغرب‭ ‬والإسلام،‭ ‬في‭ ‬نظره،‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬صدام،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬العالم‭ ‬عرضة‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬والنزاعات‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬لويس‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬استخدم‭ ‬عبارة‭ ‬‮«‬صدام‭ ‬الحضارات‮»‬،‭ ‬بالضبط‭ ‬عام‭ ‬1957،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توصيف‭ ‬الجانب‭ ‬العميق‭ ‬للعلاقة‭ ‬القائمة‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والعالم‭ ‬المسيحي،‭ ‬أي‭ ‬الغرب،‭ ‬غير‭ ‬أنه،‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر،‭ ‬احتفظ‭ ‬بمسافة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬أطروحة‭ ‬صدام‭ ‬الحضارات‭ ‬لصموئيل‭ ‬هنتنغتون‭ (‬1928‭ ‬ـ‭ ‬2008‭) ‬عند‭ ‬ظهورها،‭ ‬كمقالة‭ ‬عام‭ ‬1993‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬فورين‭ ‬أفيرز‮»‬،‭ ‬ثمّ‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬كتاب‭ ‬عام‭ ‬1996،‭ ‬إذ‭ ‬شعر‭ ‬أن‭ ‬لفظة‭ ‬‮«‬صدام‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬شديدة‭ ‬الخشونة،‭ ‬معبّراً،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬عن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإسلام‭ ‬والغرب‭ ‬بلفظ‭ ‬‮«‬المواجهة‮»‬،‭ ‬نافياً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المواجهة‭ ‬بينهما‭ ‬قدراً‭ ‬مقدّراً،‭ ‬فبوسع‭ ‬الطرفين‭ ‬‮«‬تدشين‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‮»‬،‭ ‬والتعاون‭ ‬الخلاق‭.‬

قد‭ ‬يرجع‭ ‬سبب‭ ‬امتعاضه‭ ‬من‭ ‬أطروحة‭ ‬هنتنغتون،‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تؤسس‭ ‬لعالم‭ ‬الصراع‭ ‬الدائم،‭ ‬والقتال‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬متخذة‭ ‬من‭ ‬الاختلافات‭ ‬الثقافية‭ ‬والإثنية،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬الانتماء‭ ‬الديني،‭ ‬سبباً‭ ‬لذلك،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬لويس‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬والغرب،‭ ‬على‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬أنهما‭ ‬خصمان‭ ‬فريدان،‭ ‬مردُّ‭ ‬ذلك‭ ‬ليس،‭ ‬كما‭ ‬يتبادر‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان،‭ ‬بسبب‭ ‬اختلافاتهما‭ ‬الثقافية‭ ‬أو‭ ‬الإثنية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬بسبب‭ ‬اشتراكهما‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التقاليد‭ ‬الدينية‭ ‬والفلسفية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬العمق‭ ‬الجغرافي،‭ ‬كـ»الميراث‭ ‬الإغريقي،‭ ‬والتوحيد‭ ‬الإبراهيمي،‭ ‬وحوض‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬‮«‬،‭ ‬وبما‭ ‬أنهما‭ ‬خصمان،‭ ‬فإنهما‭ ‬يتنافسان،‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬التنافس‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الصدام،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنعهما‭ ‬من‭ ‬الاستعارة،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬بعضهما‭ ‬بعضا،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التعايش‭ ‬بينهما‭ ‬أمراً‭ ‬ممكناً،‭ ‬إذا‭ ‬توافرت‭ ‬شروط،‭ ‬وحدثت‭ ‬تنازلات‭.‬

الترياق‭ ‬ضد‭ ‬الصدام

بناءً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سبيلا‭ ‬لتحقيــــق‭ ‬التعايــــش‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬المختلفة‭ ‬في‭ ‬الثقــــافة‭ ‬والدين،‭ ‬‮«‬يبدأ‭ ‬ذلك‭ ‬بقبول‭ ‬المختلف‮»‬،‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يعقبه‭ ‬مباشرة‭ ‬‮«‬اعتناق‭ ‬مبدأ‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‮»‬‭ ‬على‭ ‬أوسع‭ ‬نطاق،‭ ‬ونمو‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬‮«‬بنية‭ ‬الاحتكاك‭ ‬والتواصل‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وجيرانها‮»‬،‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬حدِّ‭ ‬التأقلم،‭ ‬بل‭ ‬يذهب‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬حينما‭ ‬يقرّ‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬التأقلم‭ ‬يتطور‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬ليغدو‭ ‬تسامحاً،‭ ‬والتسامح‭ ‬قبولا،‭ ‬والقبول‭ ‬ثقة،‭ ‬وقد‭ ‬تتطور‭ ‬الثقة‭ ‬إلى‭ ‬صداقة‭ ‬دائمة،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬يتضح‭ ‬هدف‭ ‬لويس‭ ‬الرئيسي،‭ ‬الذي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قبول‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬كدولة‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬جيرانها‭ ‬العرب‭ ‬أولا،‭ ‬وكقوة‭ ‬عسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬ثانياً،‭ ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬الطرح‭ ‬يقترب،‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر،‭ ‬من‭ ‬مشـــروع‭ ‬شـــمعون‭ ‬بيريز‭ (‬1923‭ ‬ـ‭ ‬2016‭) ‬الذي‭ ‬أطلق‭ ‬عليه‭ ”‬مشروع‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭”‬،‭ ‬تكون‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬صاحبة‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬مدعومة‭ ‬بالرأسمال‭ ‬الخليجي،‭ ‬واليد‭ ‬العاملة‭ ‬العربية‭.‬

انتقد سعيد مثل هذه الأفكار، التي لا تهدف، إلى تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتصويب نظرة الشعب الأمريكي إلى الإسلام والمسلمين، مؤكدا أن هذا العمل موجه، ومخطط له، من أعلى مراكز صنع القرار

إدوارد‭ ‬سعيد‭ ‬وبرنارد‭ ‬لويس

انتقد‭ ‬سعيد‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تهدف،‭ ‬حسبه‭ ‬إلى‭ ‬تصحيح‭ ‬المفاهيم‭ ‬المغلوطة،‭ ‬بالتالي،‭ ‬تصويب‭ ‬نظرة‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭ ‬والمسلمين،‭ ‬ويضيف،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬موجه،‭ ‬ومخطط‭ ‬له،‭ ‬من‭ ‬أعلى‭ ‬مراكز‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ (‬الإعلام،‭ ‬والشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬ولوبيات‭ ‬النفط‭ ‬والسلاح‭) ‬في‭  ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لتحضير‭ ‬شعبها‭ ‬وتهيئته‭ ‬لأي‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬مستقبلي،‭ ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬تصويب‭ ‬نظرة‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬للإسلام،‭ ‬ساهمت‭ ‬النخب‭ ‬الثقافية‭ ‬ومواقع‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬في‭ ‬تسويق‭ ‬‮«‬الصورة‭ ‬الفظة‭ ‬للإسلام‭ ‬كتهديد‭ ‬للغرب،‭ ‬وتعزّزت‭ ‬دونما‭ ‬محاولة‭ ‬للتنقيح‭ ‬أو‭ ‬المعارضة،‭ ‬منذ‭ ‬رؤية‭ ‬زبجينو‭ ‬بريجنسكي‭ (‬1928‭ ‬‭ ‬2017‭ ) ‬في‭ ‬‮«‬إسلام‭ ‬الأزمة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عودة‭ ‬الإسلام‮»‬‭ ‬لبرنارد‭ ‬لويس،‭ ‬إن‭ ‬الصورة‭ ‬المرسومة‭ ‬هي‭ ‬صورة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬فـ‭(‬الإسلام‭) ‬يعني‭ ‬نهاية‭ ‬الحضارة،‭ ‬كما‭ ‬نعرفها‭ (‬نحن‭)‬،‭ ‬الإسلام‭ ‬مضاد‭ ‬للإنسان،‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬للسامية،‭ ‬ومعاد‭ ‬للعقلانية‮»‬‭. ‬من‭ ‬ثمّ،‭ ‬يخطئ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬بأن‭ ‬سبب‭ ‬هذا‭ ‬العداء‭ ‬هو‭ ‬جهل‭ ‬الغرب‭ ‬بالإسلام‭ ‬وتعاليمه،‭ ‬التي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬بسبب‭ ‬عجز‭ ‬المسلمين‭ ‬عن‭ ‬التعريف‭ ‬بدينهم،‭ ‬كما‭ ‬يوحي‭ ‬بذلك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدارسين‭ ‬والباحثين‭ ‬العرب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬يبقى‭ ‬قاصراً،‭ ‬لأن‭ ‬الغرب،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المفكر‭ ‬هشام‭ ‬شرابي‭ (‬1927‭ ‬ـ‭ ‬2005‭): ‬‮«‬‭ ‬يعرفنا‭ ‬معرفة‭ ‬عميقة،‭ ‬ولكنه‭ ‬يعرفنا‭ ‬كما‭ ‬يشاء،‭ ‬وهو‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تسمية‭ ‬الأشياء،‭ ‬إذ‭ ‬يسمينا‭ ‬ويحدد‭ ‬ماهيتنا‭ ‬من‭ ‬نحن‭ ‬وما‭ ‬نحن‭”‬،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬‮«‬‭ ‬يقرر‭ ‬موقفه‭ ‬منا‭ ‬وأسلوب‭ ‬معاملته‭ ‬لنا‭ ‬‮«‬‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬الغرب‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬عليها‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تاريخه‭ ‬الطويل،‭ ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬التفوق‭ ‬والسيطرة،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬مشاريع‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬التعايش‭ ‬والسلام‭ ‬بعيدة‭ ‬المنال،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬سيطرة‭ ‬الغرب‭ ‬على‭ ‬العالم‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية