القدس ـ من عمار جمهور: استطاع برنامج ‘اربز غوت تالنت’ الذي بثته قناة ‘ أم بي سي’، أن يشكل جمهوراً عربياً عريضاً، وضم خلال فترة عرضه العديد من المواهب التي تستحق التقدير والثناء في مجالات عدة، منها ‘الغناء والعزف والرسم والسحر والرقص والعاب الخفة والعاب القوى’. لا يخفى على أحد أن هذا البرنامج مستنسخ من النسخة الأمريكية، وان كان هذا الاستنساخ لا يشكل ضرراً إذا ما اعتبرنا مقياس التحضر والحداثة، ولكن وجود ملاحظات أو أخطاء تخللت فترة عرضه يجب عدم المرور عليها، وذلك لأن الانعكاسات الثقافية والاجتماعية لهذا البرنامج وغيره من البرامج الترفيهية المشابهة كبيرة، ولها أثرها الثقافي والاجتماعي على البنية الثقافية للمجتمعات العربية، والذي يعد المجتمع الفلسطيني امتداداً له. البرنامج الذي يعد عملاً فريداً ومميزاً ورائجاً شكلت بنيته وهيكليته محاور أساسية للنقاش بين الجمهور، وهي ‘التقديم، المشاركون والعروض الفنية التي قدموها، لجنة التحكيم، والجمهور الداخلي والخارجي للبرنامج’، بالإضافة إلى الطواقم الفنية المختلفة التي عملت خلال فترة بثه على إنجاحه، والتي ساهمت كلها في تكوين جمهور عريض، بالإضافة إلى قدرته في جمع المواهب المتنوعة.
وإذا ما اعتبرنا أن البرنامج ككل نجح وحقق مشاهدة مميزة في الوطن العربي، إلا أنه عانى من ثغرات كان أبرزها الأسلوب التقليدي وغير المميز والجذاب لمقدمي البرنامج، حيث غاب التناغم والانسجام بينهما وافتقدا للحيوية المشوقة، التي وظفت في بعض الأحيان في غير مكانها. كما أن استغلال مقدم البرنامج لعرض أغنية خاصة به في إحدى الحلقات يعد استغلالاً غير مبرر للبرنامج وللجمهور، بالإضافة إلى فرضه لذاته على الجمهور بطريقة لا تنم عن موهبة أو كياسة، في محاولة مأزومة لتسويق ذاته. أما في ما يتعلق بأداء لجنة التحكيم فقد كان الشجار والخلاف الشخصي غير المبرر ميزة العرض. كما أن النقد الذي كان يوجه للمشاركين من قبل اللجنة خلا من وجود تقييم نوعي وحقيقي، وان كان علي جابر أقرب لبلورة حالة نقدية جدية. كما استطاع إلى حد ما أن يقدم نقدا ناضجا وواعيا لحقيقة المواهب الموجودة، والقدرة العالية على التمييز بين الموهبة والهواية والاحتراف. وقد استطاع توظيف الاتزان والرزانة اللتين اتسمت بهما شخصيته. كما ظهر بأنه لا يسعى لاسترضاء الجمهور. وعلى العكس، فقد سعى عمرو أديب لاسترضاء الجمهور، والتناغم مع مواقف الجمهور في أكثر من جولة، كما حاول أن يعمل على تجيير المواقف لصالحه عبر محاولته صبغ شعاره والترويج له وإطلاقه لتقييم الاعمال الفنية للمشاركين. واتسم نقده للعروض الفنية للمشاركين بالتقليد، وخلا من الابتكار البنّاء للوقوف على الاعمال الفنية بمهنية وموضوعية. كما أن محاولاته لفرض رأيه على عضوي اللجنة الآخرين شكّل نقطة أثر بشكل أو بآخر في نوعية المختارين من المشاركين.
فيما اتسمت الفنانة نجوى كرم بإحساسها المرهف ومشاعرها الجياشة، وبذوقها الرفيع والعالي في تقييم الاعمال الفنية. كما أن الخبرة الموسيقية والفنية العالية شكلت ميزة كبيرة لها. وقد كان لحضورها بالغ الأثر في حجم وشعبية البرنامج، والتي اعتمد عليها لجذب الأنظار ولفت الانتباه.
كنا نأمل أن يُخرج لنا هذا البرنامج ما نعتقد بأنه الأفضل، ولكن أفرز لنا ما أرادته لجنة التحكيم أن نصوت له، وذلك باختيار الفنانة نجوى كرم أحمد البايض بدلاً من نور الدين بن وقاص، الذي كون لوحة فنية أقل ما يقال عنها بأنها عبقرية وخلاقة. كما أن الثورة المصرية عكست نفسها في البرنامج، والذي كانت سبباً جوهرياً في فوز عمر قطامش، الذي استطاع بحنكة وذكاء من العزف على عواطف الجماهير العربية، والشباب العربي الذي يرى في الثورة المصرية نموذج الخلاص من الظلم والقهر. واستطاع أن يقنع الجماهير بجوهر وشكل الشعر الذي اختلقه، وكذلك في توظيفه لخدمة الثورات في العواصم العربية. البرنامج في حلقته الأخير احتوى على اثنتي عشرة موهبة متنوعة وجديرة بالاهتمام، مع الأخذ بعين الاعتبار وجود عدد من المواهب التي لم يكتب لها النجاح، والتي تعتبر مواهب حقيقية وجديرة بالمتابعة والاهتمام. استطاع البرنامج أن يعكس تعطش الجمهور العربي لإظهار مواهب شبابه، الذين أكدوا بأنهم يمتلكون القدرة والإرادة إذا ما اتيحت لهم الفرصة الحقيقية في المجالات كافة بما فيها الفن، والذي كان تجسيداً حقيقياً لواقع المجتمع العربي اليوم.