برنامج ‘ذا فويس 2012’ : الهواية أو الاحتراف في استكشاف الأصوات

حجم الخط
0

حسن كاوزأسدلت قناة إم.بي سي 1 الستار على النسخة الأولى للبرنامج الغنائي ‘دو فويس أحلى صوت 2012’ بتتويج المرشح المغربي مراد بوريكي بلقب الموسم بعد ثلاثة عشر حلقة من التباري والتنافس والترقب. وبهذا الاختتام والتتويج طوت القناة المذكورة موسما حافلا بالإنجازات والإخفاقات التي تفاوتت درجاتها حسب الجهة التي قامت بالتقييم، وعادت أدراجها تبحث في برامجها اليومية المعتادة على مكان للبقاء والاستمرار في انتظار اللحظة التاريخية الثانية والثالثة. وكما قلنا في مقالات سابقة أن الحكم بعد انتهاء الجلسة، فإن ما تجمع لدينا من المتابعة المنتظمة لاحتفالية هذه القناة بالمواهب الجديدة يرجح كفة المؤشرات الإيجابية على السلبية في قيادة هذا البرنامج الضخم، وربط حلقاته الفنية المشوقة بحوالي مائة مليون مشاهد عربي. وهذا الترجيح لم يتعدى معدل نقطة واحدة بحساباتنا الخاصة في التقييم، لكنه كان كافيا لتحديد هوية الرؤية النقدية للبرنامج، لإنصافه وتثمينه أو مساءلته على مكامن الخلل والتعثر. والبداية من قضية الهواية أو الاحتراف التي اعتمدها البرنامج في استكشاف مواهبه وتسويق منتوجه الأول، الهواية أو الاحتراف في اعتماد هذا البرنامج وشراء حق نسخته العربية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتعاقد مع الفريق الفني لإنتاج وإخراج البرنامج، وأخيرا استهداف الفئات المرشحة للمنافسة والتتويج. وهذه الأمور كانت للقناة ومجموعتها الإعلامية بعض الغلبة تمثلت في الميزانية الضخمة التي تم رصدها للبرنامج، والإمكانيات التقنية الهائلة لحلبة المنافسة، والأسماء الفنية الكبيرة التي أشرفت على إدارة مراحل البرنامج، وجيش الخبراء والتقنيين والمخرجين والموسيقيين الذين تناغموا في صناعة فرجة غنائية مشوقة ومميزة، غير أن هذه الغلبة لم تكن لتسلم من بعض العثرات التي حلت بهيئة التنشيط والتقديم وخاصة في المراحل الأولى، ونتائج استكشافات ‘الكاستينغ’ التي لم تضع شروطا للبرنامج في تعامله مع الهواية أو الاحتراف في بطاقة مرور الأصوات المعروضة، وبتكريس أداء اللون الغربي في برنامج يفترض توجيهه للأغنية العربية وللوطن العربي، إلا أن ذلك لم يكن لينسينا للحظة واحدة ما حققه حفل الاختتام – والعبرة بالنتيجة كما يقال- من نجاح باهر، إن على مستوى التنظيم أو التنشيط أو التحكيم أو التتويج، والذي لم يجعل بعض القسوة في لحظاته الاحتفالية البهيجة إلا في لحظة إشهار النتيجة النهائية، وإعلان مراد بوريكي فائزا تنطفئ معها عيون المرشحين الثلاثة المتبقين، أما ما دون ذلك فقد ارتفعت مؤشرات احترافية القائمين على البرنامج والعاملين به، وتوحدوا في تقديم وصفة إعلامية سحرية في داخلها الفرجة والمتعة والتشويق والمرح والمؤانسة، حتى وإن كانت هذه اللحظة، بعد إعلان النتيجة، جد مقتضبة لم ينتبه فيها مسؤولو البرنامج إلى إمكانية استثمار ذروتها الاحتفالية العاطفية في عرض أغاني فردية أو جماعية موازية لأساتذة الطرب من لجنة التحكيم، و في حوارات مكاشفة وانطباع وتقييم مع المتوج باللقب والضيوف والمرشحين الثلاثة الآخرين، وكذا في مشاركة المشاهد العربي احتفاليات التتويج باستئناف النقل المباشر لوقت أطول، ولما لا إشراك غرفة التواصل الاجتماعي لصاحبتها المتمكنة نادين في إبراز تعليقات المتصلين وردودهم. وعلى كل حال فقد انتهى البرنامج بنجاحاته وإخفاقاته، وطوى صفحة موسمه الأول مبشرا على موقعه الإلكتروني بإطلاق تباشير وطلائع استعدادات الموسم الثاني الذي نتمنى له النجاح والتوفيق، ليس فقط بإحساس المنتصر والمنتشي بفرحة الفوز ولكن أيضا بقدرة المحترف على مضاعفة الفوز بالوقوف على عوارض التعثر وتجاوزها بسلام ؛ فموضوع الاستنساخ المرتبط عضويا بهذا البرنامج يجب أن يكون بمثابة قيمة مضافة، يستأنس بتجارب الآخرين ونجاحاتهم، ويستثمر الرؤية الفنية والإخراجية التي جعلت من نسخته الأصلية محط استقطاب، وينهل من عناصره الإيجابية التي تتلاقى مع التجارب والاحتياجات المحلية. وبمعنى آخر أن يسلك هذا البرنامج، وفق أو بخلاف الشروط التجارية المتفق عليها، طريق الإبداع بدل الإتباع من داخل النسخة العربية المقتناة، ويكيفها مع خصوصية المنطقة العربية وتعدد أشكالها الموسيقية ومواهبها الغنائية وآفاقها الفنية والحضارية والمجتمعية، لأن الاستنساخ المفرط أو الأمين في نقل التجربة بشكلها قبل مضمونها، أصبح اليوم موضع اتهام موجه لكثير من القنوات الفضائية العربية التي تعتمد على هذا الشكل من الإنتاج الإعلامي، وتساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تفريغ الطاقات العربية من حيويتها وإبداعها وقوتها الداخلية، وتنشر بالتالي ثقافة التخلف والتبعية والعجز والقصور الفكري والفني الذي نحن بالتأكيد منه براء.والمسألة الثانية التي تناظرها، والتي كان لها وجود النصف تقريبا بكافة حلقات برنامج ‘دو فويس’ بمراحله الثلاث، وبعيدا عن مبررات ومسكنات الانفتاح والتعدد وتجريب الألوان الغنائية العالمية، ونقصد بذلك أداء الأغنية الغربية على حلبة التنافس، والتي استثقلها الكثير، ليس بداعي الإقصاء ولكن بسبب المحافظة على هوية البرنامج العربي والأغنية العربية والصوت العربي المطلوب، بل إن حتى الفنان كاظم الساهر ومن بعده الفنان صابر الرباعي وجدا في إحدى الحلقات الأخيرة للبرنامج حرجا في تقديم وتقييم هذا الأداء الغربي الجيد، وطلبا المسؤولين بعزل الأغنية العربية عن الأغنية الغربية في مجال التنافس، باعتماد الأولى فقط أو باعتماد الأولى والثانية بمعزل عن بعضهما. واللافت للانتباه أن كل المرشحين الذين تقدموا للتباري بهذا اللون الغنائي كانوا جد مقنعين بأدائهم المتميز الذي فاق أحيانا أداء أصحاب الأغاني الأصلية بشهادة لجنة التحكيم، لكنهم كانوا مترددين أو غير متمكنين من أداء نماذج الأغنية العربية، وهذا ما حدا بالفنان كاظم الساهر على الأقل بفرض ازدواجية الأداء في حصصه، والاقتراب من الأغنية العربية قدر الإمكان في أفق ضمان الاستمرار في البرنامج، الشيء الذي تبين في حلقة الاختتام التي لم يصل إليها إلا المرشحون الأربعة الذين يؤدون نماذجهم الغنائية بالصوت والأغنية العربية، كأن القائمين على البرنامج كانوا فعلا محرجين أو خائفين من وصول الأغنية الغربية إلى نهائيات البرنامج، لأنهم ربما لم يحددوا له في البداية مقياس وشكل اللون الغنائي المطلوب، واعتمدوا على الصدفة والحظ والأقدار، إن لم يكن لهم فعلا تدخل في غرفة العمليات، للوصول إلى السهرة الغنائية العربية الصرفة بامتياز. وكيفما كان الحال فهذه عثرة يجب تداركها في الموسم الثاني للبرنامج، إما بتخصيص جائزتين للمنافسة : واحدة للأغنية العربية والثانية للأغنية الغربية، ويتم رفع الحرج عن المرشحين ولجنة التحكيم والقائمين على البرنامج، أو الحسم في مسألة الأداء بالشكل العربي من لحظة الكاستينغ إلى حفل التتويج.والمسألة الثالثة مرتبطة بهوية البرنامج الغنائي التنافسي: هل هو موضوع لاستكشاف الأصوات المغمورة التي لها مواهب غير معروفة وآفاق محدودة أم هو شكل من أشكال استقطاب المحترفين إلى خوض تجربة جديدة في التنافس وحيازة الألقاب، خاصة وأن كثيرا من الأسماء التي تم تداولها في المراحل الأولى للبرنامج كانت متوجة في برامج وطنية مشابهة، ومنها من بدأت تظهر عليه ملامح الاحتراف مع تمكنه من أدوات الموسيقى والغناء وتمثله لقوانين ووصفات الطرب ؟ إننا نعتقد أن عدم تحديد هوية البرنامج في هذا المجال يعد ضربة قوية للمبتدئين إلا من رحم ربي، ويجعل التنافس بين الطرفين غير متكافئ ولا منصف. والدليل على ذلك أننا كنا مشدوهين من الإقصاءات المتتالية للأصوات الجيدة، بحكم قانون اللعبة، والتي أبهرتنا بعروضها النادرة وأدائها المحكم، ولكن كان مصيرها الإقصاء رغم أن طبيعة مثل هذه البرامج كان يجب أن يقتضي التدرج في الإقصاء من المتوسط إلى الحسن إلى الجيد إلى الجيد جدا والممتاز. ومن الممكن أن القائمين على هذا البرنامج قد تعمدوا هذه الخلطة من التنافس لإعطاء منتوجهم صبغته القوية في الإعلان والإعلام، والذي حتما سيدر أرباحا موازية في الإشهار وغيره، ودليلنا إلى ذلك أن المرشحين الأربعة الذين تنافسوا على اللقب في حلقة الاختتام لم يأتوا من بلدانهم من فراغ، بل كان لهم عالمهم الغنائي ونجاحاتهم المحلية التي ساعدتهم على الوقوف على خشبة ‘دو فويس’ بثقة كبيرة في الفوز. ونحن بهذا التنبيه والتصنيف لا نتحامل عليهم أو ندعو إلى إقصائهم من المشاركة في مثل هذه البرامج الغنائية الكبيرة التي حتما ستنقل شهرتهم من المحلي إلى العالمي، لكن فقط نطلب من مسؤولي البرنامج أن يضعوا له هوية خاصة في أسلوب وشروط المشاركة حتى نضمن التكافؤ بين جميع المرشحين، وألا نمنح حلما و أملا كبيرا للمبتدئين ثم نكسره بعنف في المرحلة الأولى من التباري.والمسألة الرابعة متعلقة بالعلبة السوداء للتصويت التي كانت موضوع مقالات سابقة ولم يتزحزح مسؤولو البرنامج عن طريقتهم في إخفاء أسرارها رغم أنها من الممكن أن تشكل مفتاح مصداقية البرنامج تجاه مشاهديه. فأمام عناد المسؤولين في منع الاقتراب من هذا الموضوع تكثر الإشاعات والأقاويل حول هذه العلبة السوداء وغرفة العمليات الموجهة، والتي منها تصدر القرارات والنتائج، ويصل مداها إلى إعلان الفائز باللقب تحت يافطة أعلى نسبة لتصويت الجمهور، دون أن ندري كيف يتم تأطير هذه الغرفة، وكيف يتم احتساب أصواتها، ومن هي الجهة المأذون لها إداريا وقانونيا الإشراف على نزاهة نتائجها. ونكاد نجزم أن العلبة السوداء للتصويت هي النقطة السوداء أو لنقل الرمادية للبرنامج ما دامت تحوم حولها الأسئلة وتتناسل بدون مجيب، ولو أننا لا نشكك في مصداقية نتائج نهاية هذا البرنامج على الأقل المرتبطة بالتصويت، لسبب واحد هو أن كل عضو في لجنة التحكيم له مرشحه الذي يريده أن يفوز، لأن في فوزه فوز للعضو المعني، ولا يمكن أن يغامر القائمون على البرنامج بإسقاط مرشح هذا العضو أو إنجاح الآخر خارج معطيات التصويت الحقيقي، بخلاف ما وقع في برنامج ‘أراب أيدول’ في نسخته الأولى الذي بدا الاتفاق ضمنيا مشتركا بين أعضاء لجنة التحكيم حول فوز المرشحة الفلانية بتصويت أو حتى بدون تصويت.والمسألة الخامسة والأخيرة لها ارتباط عضوي بتركيبة منافسات البرنامج التي قسمها المسؤولون إلى ثلاث مراحل : مرحلة ‘الصوت وبس’ ومرحلة ‘المواجهة’ ومرحلة ‘المباشر’. وبعيدا عن مقتضيات صفقة شراء النسخة العربية لهذا البرنامج والتقسيم الحالي للمنافسات، نقول ألا منطق يجمع بين هذه المراحل الثلاث التي تشبه بعضها، وخاصة المرحلة الثانية والثالثة إلا في دخول المشاهد المصوت على الخط. فشعار ‘الصوت وبس’ كما قلنا سابقا ظل فعلا شعار أعلن المنظمون وفاته مباشرة بعد نفض الأيادي من المرحلة الأولى للبرنامج، وتدخلت حسابات أخرى، بمرحلتي المواجهة والمباشر، أكبر في ترتيباته من مسألة الصوت وبس. والفرق بين المرحلة الثانية والثالثة كان في اعتقادنا شبه غائب لتشابه المرحلتين، ولأن المنظمين لم يضعوا فعلا حدودا فاصلة بين المراحل الثلاث تميز بين خصوصياتها وأهدافها. فالمرحلة الثانية يتحكم في مصيرها ومصير المتنافسين بها المدرب الحكم الذي نكاد نجهل حساباته وترتيباته وأولوياته في التأهيل أو الإقصاء، والمرحلة الثالثة يتقاسمها نفس المدرب الحكم مع المشاهد المصوت إلا في حلقتي نصف النهاية والنهاية. وكان الأجدى تقسيم منافسات البرنامج، خارج الاعتبارات التجارية، إلى مرحلتين فقط : مرحلة الصوت أولا تحت سلطة لجنة تحكيم بتصويت لا يقل عن خمسين بالمائة لإكساب المعني جواز المرور، ثم مرحلة المباشر الموكولة بكاملها للمشاهدين، مع إشهار طرق التصويت وكيفية احتسابها.إن القارئ لجملة ملاحظاتنا وتقييمنا للبرنامج يكاد يضن أننا نتدخل في الشؤون الداخلية للبرنامج، ونبتعد أكثر في موضوع البرنامج الذي هو المنتوج الفني المعروض، القابل للثناء أو الانتقاد أو هما مع، والقابل أيضا للزيادة أو النقصان أو التعديل أو التقويم حسب سعة صدر القائمين عليه، ولكن نؤكد أن أي منتوج إعلامي موضوع عرض ومتابعة ومواكبة لا يمكن أن نجرده من سياقه العام، ومن ظروف تكوينه و شروط نجاحه. وما انتظامنا في متابعة هذا البرنامج إلا لإيماننا بأنه يحمل في رحمه جنينا منتظرا قد نشد به عضد الأغنية العربية والصوت العربي المتعدد في حاضره ومستقبله، منوهين في البداية وفي النهاية بهذا المكسب الإعلامي رغم عثراته، وبأعضاء لجنة تحكيمه الذين كانوا في موعدهم التاريخي مع إطلاق الجيل الثالث أو الرابع من الأغنية العربية. ولقد أحسن المنظمون صنيعا بإنتاج أغنية مصورة على شكل فيديو كليب لمرشحي الدور نصف نهائي والنهائي، وأعطوها من الأسماء اسم ‘تألقي’، كأن البرنامج بهذه المبادرة يضع الأغنية العربية المعاصرة في سكة التألق بصيغة الأمر، وهو أمر محمود ومرغوب في نفس الآن.qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية