زهير حمداني
يكاد الموت في أيامنا أن لا يصبح خبرا وأن لا يلقي كبير اهتمام، أما أن يكون الضحية، سبعة أشخاص قضوا في تدافع أثناء حضور حفل فني، وأن يكون القاتل هو ستار أكاديمي فذلك هو الخبر والسبق بعينه. هذا ما حدث في مدينة صفاقس التونسية ليلة الثلاثاء الفارط.
عندما احتشد آلاف الشبان والمراهقين لمشاهدة أبطال الأكاديمية العتيدة الأشهر من سان سير وسان هرست.. فلم تعد هذه البرامج علي ما يبدو تمارس القتل المعنوي البطيء والرحيم، بل سرعت في وتيرة القتل والبطش بعقول أبنائنا وشبابنا.
وسط حالة من الجنون والهوس والهستيريا القاتلة.
لم يكن الموت هنا في انقلاب حافلة مدرسية أو حادث شغل وهو ليس من أجل قضية، أو في مواجهة عدو متربص أو دفاعا عن أرض وعرض… لم يعد ذلك من اهتمام الشباب العربي ولا تستهوي غالبيته قيم التضحية والإيثار، فقد قتلتها في داخلهم برامج ستار أكاديمي و أكس فاكتور وسوبر ستار ونجم النجوم وغيرها، فلكل فضائية مشاركة مخزية في هذا السياق… الحادث مؤسف، مروع وتراجيدي لكنه يذكر بحالات الوفاة التي تنجر عن تدافع المؤمنين لرمي الجمرات أثناء أداء مناسك الحج المباركة وسط حالة من التوحد الأقرب إلي الصوفية، وأي مقارنة تلك؟ أي تضحية وأي فداء من هذا الشباب العربي؟ يدافع حتي الموت لرؤية أشخاص بلا قدرات أو مواهب أو تميز، أنصاف رجال وأشباه نساء؟… أي شيطان لعين وسوس لهؤلاء الضحايا المساكين وساقهم إلي تلك المقتلة؟ أي مجرم عتي أجهز عليهم دعسا ودهسا؟
فعندما تتوالد الفضائيات وتبرز كالفقاقيع وحبات الفطر وتتحول إلي دكاكين تنتج برامج بملايين الدولارات إرضاء لنزوات شباب غر، مسخ، فاشل موبوء.
ومن أجل شطحات مقدمات تافهات خاويات متصابيات وعندما يتحالف جبروت الصورة وقوة المال وخواء الروح ينقاد شبابنا الي القتل.
وعندما تحول هذه الفضائيات مقاييس النجاح والتفوق والتمييز إلي مقدار ما في الشعر من جل ودقة الخصر ونوع البنطال الذي يجب أن يكون آيلا للسقوط وطول الساقين وحجم الصدر وقصة الشعر… ومدي الركاكة والتفاهة والميوعة… يجد الشباب ذلك سهلا وبسيطا وبلا ثمن وينخرطون في تلك المنظومة… عندما تعادي هذه الدكاكين مثل الالتزام والحياء والفكر الجاد والكفاح والتضحية والبذل والرجولة والحلم والصدق، وتختزل الإنسان في جانبه البيولوجي الحيواني، وتروج للسطحية والابتذال والوهم والسلبية، تصبح هي القاتلة، الآثمة والمجرمة ومع سبق الإصرار والترصد.
إن دماء شبابنا هؤلاء وأرواحهم في أعناق من غسلوا أدمغتهم وشفطوا عقولهم من أباطرة المال ومحترفي الصفاقة وقلة الحياء… هؤلاء هم القتلة، إنهم يقتلون فينا المستقبل والأمل، إنهم يمارسون عملية تقويض ممنهج ومنظم لمقومات الشخصية العربية الإسلامية لدي أجيالنا ويبشرون لايديولوجيا أمريكية ـ صهيونية تسعي لإحداث تمزق في هويتنا وتخلق لدينا حالة استلاب حضاري وفكري وتداخل في القيم والمثل وتؤسس لمجتمع مسخ مشوه يقوم علي الفردانية والغرائزية والتحلل من الأخلاقيات وتعظيم قيم الوجاهة وحب المال والنفوذ ويلغي روح الممانعة والمقاومة والاعتراض وارادة التحرر. لم يكن سبب الكارثة حينئذ تقصيرا أمنيا أو خللا في التنظيم وقد يكون كلاهما موجود. إنها جريمة اغتيال حقيقية نسجت خيوطها بأناة وترو منذ سنوات من التتفيه، اغتيال الفكر… واغتيال المعني والحلم والمستقبل… رحمة الله علي القتلي الذين لم يكن موتهم مجللا بالمجد علي يد أكاديميات الموت والفضائيات القاتلة.
صحافي من تونس 2