الناصرة- “القدس العربي”:
فسوطة، قرية فلسطينية صغيرة في أعالي الجليل هي الأقرب للحدود مع لبنان لكنها تشتهر بكثرة أبنائها وبناتها خريجي الجامعات ومنهم البروفيسور نمر عاصي الباحث والطبيب المثقف الذي يواظب على تعريف نفسه بالقول “أنا فلاح ابن فلاح” كما يؤكد في حديث لـ”القدس العربي”.
ويعمل بروفيسور نمر عاصي محاضرا في كلية الطب ومدير قسم الداخلية في مستشفى “الجليل“ في مدينة نهاريا وهو خبير بارز في الكبد وعند السؤال عن مهنته يقول: “لي الشرف أنني فلاح ابن فلاح” وله قصة حب مع شجرة الزيتون ينام المتنبي لجانب سريره ووديع الصافي يسهر معه وله مسيرة مظفرة تمتد من حيفا إلى فرايبورغ وبروكسل وأوتوا ولندن لكن أحب الأماكن لقلبه بلدته الريفية فسوطة.
“ولدت في فسوطة عام 1961 لأب فلاح ووالدة ربّة بيت تعلمت في مدرستها الابتدائية ثم انتقلت للمدرسة الثانوية في البلدة المجاورة عروس الجليل ترشيحا”. وحاز في ترشيحا على شهادة التوجيهي عام 1974 ومنها انطلق إلى “عروس الكرمل” مدينة حيفا حيث تعلم الفيزياء سنة واحدة في معهد العلوم التطبيقية “التخنيون”. وعن تغيير المسار والرحيل لأوروبا بحثا عن أفق تعليمي جديد يقول نمر عاصي إنه تعرف على كاهن في حيفا نصحه بالسفر إلى أوروبا ووعده بتأمين منحة دراسية وبعدها ترك البلاد وسافر إلى فريبورغ في سويسرا بعدما تعلم الفرنسية ثلاثة شهور. لكن الترحال لم يتوقف هنا فقد وجد نفسه في مكان آخر بعد ذلك.
“كان ابن خالتي دكتور مرزوق خوري يتعلم الطب في جامعة “لوفان” في بروكسل فسجلني في جامعة لوفان بناء على طلبي وبدأت دراسة الطب وهذا أول تحول في مسيرتي وكان ذلك عام 1980. ويعتبر عاصي أن “لوفان” واحدة من أرقى الجامعات الأوروبية وأعرقها فقد تأسست في 1425 وهي تعتمد نظاما كاثوليكيا صارما وحازت على كثير من جوائز نوبل و”فيها أنهيت دراستي عام 1987 وعدت طبيبا بشهادة امتياز”. منوها أنه لم يستكمل المزيد من العلم في بروكسل وعاد للبلاد عام 1987 لأن زوجته من فسوطة رغبت بالعودة كونها ابنة وحيدة أهلها وفي البلاد عمل في القسم الداخلي في مستشفى حمزة وأتمّ تخصّصه في الطب الباطني ثم غادرا إلى كندا عام 1994 حيث بقي فيها نحو ثلاث سنوات.
ويتابع متوددا “في مدينة وينيتيك كدنا نموت من البرد” لكنني تخصّصت في زراعة الكبد وعدنا بمعرفة مهنية ثمينة خففت الغربة والشعور بالطقس البارد في البلاد الكندية”. ثم عاد بروفيسور نمر عاصي لمستشفى حيفا وبعد عامين انتقل لمستشفى صفد وافتتح وحدة الكبد عام 1999 وعين مديرا لوحدة الكبد فيه حتى 2015 ثم دخل في عطاء وفاز بوظيفة مدير قسم الأمراض الداخلية في مستشفى “الجليل” في نهاريا وبالتزامن هو محاضر اليوم في الطب في جامعة بار إيلان.
وردا على سؤال وبعد كل هذا الانشغال في العمل وسفرات الاستكمال يقول بروفيسور نمر عاصي قاطعا جازما “كنت وما زلت فلاحا. توفي والدي نجيب عاصي الذي عمل في النهار في البناء وبعد الظهر فلاحا لكنني ملتزم وإخواني بمواصلة مشوار رعاية كروم الزيتون التي نزورها كل يوم سبت أنا وإخوتي وحتى الشهر الأخير عملنا في قطيف الزيتون. في الكرم نقلّم الأشجار ونقطف العنب ونحرث الأرض ونعد القهوة والطعام ونجتمع ونتحادث في شؤون الدنيا”.
ويضيف بشعور الاعتداد “أروح على الكروم معهم ونجتمع كل يوم سبت ونقضي أجمل الأوقات ففيها نعمل بالفلاحة ونستعيد أيام الزمن الجميل وما زلنا كافتنا على قلب واحد وتجمعنا الأرض وشجرة الزيتون”. وفي سؤال الهوية له وللأجيال يؤكد نمر عاصي أن الانتماء للأرض بالدم والروح وهو وفاء لوالده الذي ظل يروح كل يوم على الأرض حتى توفي عن 85 عاما وكذلك والدته زكية عاصي الله يرحمها و”قد أقمنا لهما مزارا في الكرم موقع إنتاجهما كتمثال حجري مع صورهما ومع بيت شعر للمتنبي على منحوتة رخامية:
أبلغ عزيزاً في ثنايا القلب منزله…. أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه
إن غاب عني فالروح مسكنه…. من يسكن الروح كيف القلب ينساه
ولماذا المتنبي بالذات؟
“لأن المتنبي هو الشاعر بلا منازع وربما ينافسه حبيبنا الراحل محمود درويش”.
ويستذكر بروفيسور نمر عاصي أن والده فلاح بسيط دأب على زرع الكروم والحبوب وعمل في القصارة والبناء موضحا المسيرة العصامية لعائلته مباركة الأولاد: “نحن أربعة شباب وثلاث بنات وأسرة كبيرة والوضع الاقتصادي صعب وقد اجتمعوا وتباحثوا وتم اختياري سفيرهم للجامعة لأني الابن البكر ولم يتعلموا هم بسبب ضيق الحال رغم قدراتهم الكبيرة على التعلم وهذا لا أنساه لهم لليوم ولاحقا عمل إخوتي في الأعمال الحرة ولا أنسى فضلهم علي وفي تأمين نفقات دراستي. والدتي الله يرحمها هي التي شجعتني و”كانت شايفة حالها في” منذ طفولتي كنت أسمعها كل يوم تقول “أريدك أن تصبح دكتورا”. وردا على سؤال يقول إنه تعلم من والده محبة الناس ومحبة الرب الخالق وحب الشعر والغناء وكرامة له أسمى ولده البكر باسمه ومن والدته تعلم “الاتكال على النفس والاحتفاظ بالمعنويات العالية والتمسك بسلاح العلم وهي زكية وعند اسمها ذكية ومحبة للعلم وأنا بطبعي أقرب لأمي من ناحية الروح. هذه أمور يتعلمها الإنسان من البيت لا من الجامعة”.
ولا تقتصر معرفة الأستاذ نمر عاصي على العلوم الطبية بل أوسع بكثير وهو من محبي المتنبي وقريب جدا من الحروف وعاشق للغة العربية وللزجل خاصة اللبناني لما فيه من صور جميلة. وعن ذلك يضيف “أستمع مرة في الأسبوع للزجل اللبناني في واحدة من القنوات اللبنانية، زغلول الدامور وموسى زغيب وهذه أهم هواياتي وتريحني جدا مثلها مثل زيارة الأرض حيث أبحث عن السكينة والسعادات والمكاسب الصغيرة… فسماع ومشاهدة شحرورة على غصن الزيتون ربح صاف بالنسبة لي.. والهداوة والرواق تدغدغ مشاعري. طبعا دائما أحتفظ معي بكتاب وأطالع أيضا في مجالات شتى”.
ويشير نمر عاصي إلى أن فسوطة، بلدة المناضل والباحث الخبير بالشؤون الإسرائيلية المحامي صبري جريس، تتميز رغم عدم وجود مدرسة ثانوية فيها بوفرة المثقفين والشعراء وربما بفضل المشاهد الريفية المدهشة للجليل الأعلى وقربها من لبنان ولنبعة وادي القرن ويبدو أن هناك سرا في مياهها. ويعبر عن حبه للمكان بالقول “فسوطة تسكنني: زرت وما أزال دول العالم وأشارك في مؤتمرات كثيرة في الشرق والغرب لكن وفائي لفسوطة لا تنازعه أي مدينة وما زلت وفّيا لها وفيها ربينا أولادنا وسنبقى”.
وردا على سؤال يستذكر البروفيسور نمر عاصي أن “الراحل جريس سبع خوري أحد الأساتذة الذي علمني وترك مفاعيل هائلة علينا وكان يعلّم من قلبه فدوامه كان ينتهي عند الثالثة لكنه واصل التعليم حتى الخامسة وقد حببني بلغة الضاد”. ويشير إلى أن الريف اللبناني والفلسطيني طالما ارتبطا تاريخيا بعلاقات جيرة وقربى وتجارة وعمل ومصاهرة منوها لزواج لبنانيات كثيرات في فسوطة وقد بنين أسرا و”رششن علينا عطرا زاكيا ورائحة طيبة” ويضيف “من شرفة بيتنا في فسوطة أرى بيوت رميش وعين إبل ودبل وبنت جبيل ومارون الراس.
وانتقلت مهنة الطب من الأب إلى بعض الأبناء فقد تعلمها اثنان من خمسة من أبنائه: الكبير منهم نجيب في ألمانيا يتخصص هو الآخر في الكبد وجهاز الهضم في جامعة ماينتس والثاني نديم محام وله مكتب في فسوطة والثالث إميل موسيقي وعازف عود مهووس بفريد الأطرش والسنباطي والرابع طبيب في صفد والصغير وسام طباخ محترف وعن الأخير يقول مبتسما “وهذا أهم واحد من بين أبنائي فهو مصدر سعادتنا الغذائية”.
هل تتدبر أمورك بدون بنت تدللها تحبها وتحبك؟
“تسود في عائلتنا أجواء شبابية ذكورية ولكن عوضنا الله بالحفيدات وعندي حفيدة صغيرة وللحفيد حصانة ويكسر كل القوانين وتبقى في المركز”.
اختير مؤخرا ابن فسوطة البروفيسور نمر عاصي من بين الـ10 أطباء الملهمين الأوائل في البلاد في محاضراتهم وعملهم. البروفيسور عاصي من المركز الطبي في الجليل الغربي سيحصل على لقب أو رمز “محاضر مُلهم” من قبل اتحاد الطلاب القطري في البلاد لأنه محاضر متفوق في كلية الطب التابعة لجامعة بار ايلان. البروفيسور نمر عاصي يُعتبر من الأطباء البارعين في مجال أمراض الكبد والكلى وعن مجال اختصاصه المهني يوضح البروفيسور نمر عاصي أنه خبير وليس جراحا “لكنني أشرف على عمليات زراعة الكبد قبل وبعد هيباتالوغ”. منوها أن الكبد هو أهم عضو في الجسد ويمكنك أن تستغني عن كلية أو رئة أو قلب أو عن العقل لكن الكبد هو المسؤول عن ميتبوليزم الخاص بالسكر والدهنيات والبروتينات وعن إفراز للمرارة وعوامل التخثر بالدم، الهرمونات، والكوليسترول، هو مصنع الجسد باختصار وهذا يفسّر مقولة “يا فلذة كبدي” أي أعز قطعة في جسدي وقد كان الفلاسفة القدامى يظنون أن الروح تسكن في الكبد لأهميته.
ويضيف محذرا “ولكن في عصرنا هذا تتكاثر أمراض الكبد وبالأخص سرطان الكبد وكذلك أمراض تشحم الكبد والتي تحدث نتيجة الترسبات الدهنية في الكبد والتي تنتج من نظام غذائي غير صحيح على مدى طويل وهذا شائع في المجتمعات العربية نتيجة انتقالها من مجتمعات فلاحية لمدينية.
ويوضح أن تشمع/ تشحم الكبد آخر حالة من أمراض الكبد وأسبابه السكري والسمنة والمشروبات المحلاة والغازية ويشير إلى أن كل أمراض الكبد تؤدي لمرض تشمع الكبد وهو ثلاث مراحل. ويؤكد أن الأسباب الأكثر انتشارا هي السمنة والسكري والمشروبات الغازية والكحول والتهابات وأمراض نادرة ترتبط بجهاز المناعة.
ومن العوارض الأهم: لا توجد عوارض لتشمع الكبد لكن المريض يشكو إرهاقا ولون زراق في الأطراف أو انتفاخ فيها أو فقدان الوعي.
“يتعلق بالمسبب فإذا كان السبب الكحول فلا بد من وقف الكحول وبحال تم توقيفه تراجع تشمع الكبد لحالته الطبيعية فمن مزاياه أنه يتجدد. تغيير نمط الحياة وخفض الوزن والكف عن تناول المشروبات الغازية. وترسب الدهنيات في الكبد في البلاد خاصة لدى فلسطينيي الداخل هو الأعلى في العالم نتيجة أسباب بيئية ووراثية. الشاورما والتشيبس والهامبورغر والكولا والكنافة ولكن ينبغي أن يضاف له أكل الأعراس في الليالي خاصة اللحوم فهي تسبب ترسب الدهون في الكبد وزيادة السكري والقلب. بالمناسبة شرب القهوة مفيد وكذلك شاي المرمرية والرياضة خاصة المشي حيوي جدا لحماية الكبد أيضا”.