‘بروكلين هايتس’ لميرال الطحاوي: مقاومة النساء التي أصابها الوهن!

حجم الخط
0

ممدوح فــرَّاج النَّــابي* -1ظلت مشكلة المرأة وتحرُّرها من ذكورية الرجل وبطريركيته هاجساً، في كافة النتاجات الروائية التي أبدعتها المرأة، على مرِّ العصور، ونجحت كثير من المبدعات في إجهاض محاولات الرجل لتدجين المرأة، وجعلها مجرد أنثى تُشْبِعُ رغباته، فقاومت المرأة وأجهضت كافة أحابيله ومخططاته، للإيقاع بها فريسة، وجعلت من ذاتها فاعلاً بعد أن ظلت لعقود طويلة – وفي معظم نتاجات الرجل الإبداعية – مفعولاً فيها. ورأينا لأول مرة إبداعاً يُقَدِّمُ الرجل وذكوريته وأنانيته خاضعاً للمرأة، تروضه وتدجنه كيفما تشاء. والأمثلة على ذلك كثير بدءاً من جيل لطيفة الزيات، وصولاً إلى هذا الجيل الذي رفض كافة أشكال الوصاية الأبوية التي يفرضها الرجل بكافة تنويعاته ‘أب / أخ / ابن / زوج / حبيب’. وقد عبَّرت ميرال الطحاوي عن هذه التيمة في العديد من أعمالها السابقة كالخباء، ونقرات الظباء، وفي روايتها الجديدة بروكلين هايتس، الصادرة عن دار ميريت 2010، تقدُّم تنويعات لنساء كسيرات من صُنْع الرجل وأحابيله ونصاله، وفي هذه المرة تنوِّع في شخصياتها النسائية فلا يقتصرُ الأمر على نساء المجتمعات القبلية التي رأيناها في الخباء ونقرات الظباء، وإنما توسِّع الدائرة فتنطلق من دائرة أوسع لتشمل نساء صوماليات وعراقيات وبوسنيات وروسيات التقتهن في غربتها في حي بروكلين بمنهاتن، حيث تدور أحداث روايتها الجديدة بعدما ترك لها زوجها البيت وهرب، ما أن اكتشفت خياناته المتعددة مع أعز صديقاتها. في هذا النص وسعَّت دائرة القهر الذي تعانيه المرأة في إشارة دالة وبليغة إلى أن القهر وانتهاك المرأة جسدياً ومعنوياً، لا يقتصر على بيئة دون الأخرى، فالمرأة هي المرأة، منتَّهَكة ومستغَلة ‘بفتح الهاء والغين’ في ظل مجتمعات أبوية وأنظمة غاشمة مستبِّدة ‘بالكسر’ لا تعترف إلا بالنصف السفلي للمرأة، واستغلاله في إشباع النزوات أو إدرار الأموال.-2-العجيب، على الرغم من هذا الميراث العريض للمقاومة الماثل في ذهن ميرال، إلا أن في روايتها الجديدة لم نجد أدنى مقاومة لنسائها سواء ما تستدعيهم من الذاكرة القابعين في تلال فرعون أو حتى هؤلاء النساء اللواتي التقتهن في الغربة، وكأنَّ هذا الميراث الكبير من المقاومة وعدم الاستسلام أصابه الوهن والضعف فخضعت المرأة للرجل وجرجرت أذيال خيبتها وانكسارها وانكفأت على ذاتها تجتر أوجاعها وآلامها، وهو ما بلورته بصورة واضحة هند بطلة الرواية، فذهبت للغربة هاربة من ماضٍ قاسٍ لا يبدأ عند مأساتها مع زوجها الخائن وإنما يوغل عبر ماضٍ يمتد إلى طفولتها وطفولة أمها فقد سُلبتا وسط مجتمع ذكوري كغيرهما من النساء أمثال أم حنان التي تركها زوجها وسافر إلى الأردن، أو أم نهى التي يرى زوجها في ألعاب الفتاة كالحجلة وغيرها من الألعاب الطفولية، نوعاً من العيب، وينتهي به الحال إلى تزويجها من رجل قادم بغترة وعقال، مروراً بمراهقتها وأشكال الوصاية التي تعدّت الأب إلى مدرسيها الذين مارسوا أنواعاً من الوصايا بأقوال مُحَرِّضة تجعل من جسدها حراماً كما فعل مدرس العربي، فترتدي الحجاب المسدل؛ لتكون أول بنت ارتدته في المدرسة وفي مرحلة لاحقة ترتدي القفاز الأسود، وتشهر قولها المانع ‘أنا لا أصافح لعن الله المصافح والمصافِحة’، وفي مرحلة لاحقة بدأت ترسِّخ للشعارات الدينية التي بدأت الأصولية الدينية في تمريرها عبر مريديها فاستبدلت السَّلام عليكم بصباح الخير، وهو ما انتهى بالبطلة إلى العجز، فتعجز عن فعل الوجود / الكتابة، فلا تستطيع استكمال روايتها ‘لا أشبه أحداً’ رغم تجريبها كافة الحوافز والمؤثرات التي تساعد في تحقيق فعل الكتابة مثل شرب الحشيش، لكن للأسف تعجز في تحقيق الأمل الوحيد لخلاص وجودها فتتساوى بذلك مع حنان ونهى اللتين استسلمتا لذكورية الرجل فخرجتا من المدرسة بمجرد أن بدت تضاريس جسديهما تظهر، وسَلَّمَتا جسديهما بورقة شكلية لرجال بغترة وعِقال أغدقوا المال على ذويهم. تستمر الساردة في هزائمها حتى مع تحديها لإخوتها والزواج بهذا الشخص الغريب الذي يرفضونه، ومع إصرارها على الزواج منه كما قالت ‘سأتزوجه رضيتم أم أبيتم’ وقد كانت تزوجته وهي مشدودة بأسباب فلكية وربما وجودية، لكن خاب رهانها، فخسرت معركة التمرد مبكراً، فتلقت نصاله بخيانته، في ليلة زفافهما ورقصه مع صديقاتها، كما توالت هزائمها في الغربة مع ابنها الذي انخرط في الحياة الأمريكية وعدم قدرتها على كبح جماحه، ثم في الأصدقاء الذين التقتهم هناك ـ حيث تعيش في بروكلين – مثل سعيد القبطي المصري سائق الليموزين، وقد اكتشفت في النهاية أنه يريد استمالتها إلى ديانتها، أو تشارلي الذي استمالها إلى الرقص ‘بأنه حياة’، وفي النهاية تكتشف أنه يريد جسدها كسائر النساء اللاتي يصطحبهن إلى شقته، ليمارس معها الجنس فوق غرفة ابنها، كما فعل مع المرأة التي تركت لها طفلتها لتصعد إليه، وهو نفس ما فعله مع فاطيما الصومالية التي استبدلت سكنها بشقته. وأيضاً زياد الشاب الفلسطيني الذي يصغرها، فسوف تكتشف بعد أن تقع في غرامه أنه لا يريد منها سوى أن تتطوع للتمثيل في فيلم قصير يحكي قصة أسرة عربية في المهجر. وفي النهاية هزيمتها في أن تكون بطلة كسائر البطلات التي جسَّدت أدوارهن أمام المرآة، وإن كانت نجحت في أن تحتل دور زهرة العُلا في كافة أفلامها في الواقع، أدوار الزوجة المهجورة الكسيرة.

في ظل هذه الانكسارات والهزائم التي تقاسمها أبطال النص من العنصر النسائي، ولا سيما بطلته الرئيسة التي تتقاطع في مواضع شتى مع كاتبة النص، خاصة في هاجس القلق المسيطر من نفس مآل المصير هل حقاً يمكن أن يتسرب إلى ذهننا مثل هذا الافتراض؟ ونقول مع القائل إن المؤلفة رضخت لبطريركية الرجل، وتخلت ليس فقط عن ميراث نظيراتها في المقاومة، وإنما تخلت عن ذاتها التي عرفناها في الخباء ونقرات الظباء. مقاومة أبية تتحدى كافة الأنساق والأعراف، لا تمتثل إلا لذاتها دون جنوح، فكانت فاطمة نموذجاً قوياً ودالاً على تقويض النسق الفحولي بكافة مجازاته، وأولها الخباء، وليس آخرها ترك جسدها عارياً كوتد خيمة في العراء. المتأمل لتجربة ميرال الطحاوي الإبداعية ـ رغم قصرها، ومحدودية نتاجها (ثلاث روايات ومجموعة قصصية) وكتاب نقدي عن المكان الصحراوي بعنوان ‘محرمات قبلية ـ المقدّس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائياً’ الذي صدر في طبعة أولى عام 2008 – لا يستكين لمثل هذا الرأى السطحي، الذي يرى في نساء بروكلين هايتس نموذجاً للمرأة المجهضة الكسيرة. لا اختلاف في هذا بين نساء تلال فرعون أو حتى نساء بروكلين، بما تحويه الأخيرة من تركيب أثنوغرافي غريب، يحمل من الجنسيات المختلفة العديد. ومن هنا يجب أن نتساءل بصوتٍ عالٍ، لِمَا تخلت المؤلفة عن أيديولوجيتها الرافضة لكلِّ ما هو مقيض ومجهض للذات الأنثوية؟ هل هو تخلِّ فِعْلاً؟ أمَّ أنَّ ثمَّة حيلةً، تبغيها أيديولوجيا المؤلف والساردة معاً من وراء التهميش؟ ولما لا!! لو تأملنا البناء الفني للنصِّ، لوجدنا أنَّ زمان الإطار الخارجي للنص، هو زمن حديث نسبياً هو عقب حادثة الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، إلا أن هذا لا يمنع أن الزمن الفعلي للأحداث يعود في معظم أجزاء النص إلى زمن قديم بعض الشيء وهو فترة الانفتاح الساداتي، وهذه الفترة هي حَجَرُ الزواية، لما أعقب هذه الفترة من استفحال ظاهرة المدِّ الديني التي أعقبتْ حركة الهِجْرةِ إلى بلاد النفط، وتأثير هذا على نسق القيم السائد، بل وخلخلته واستبداله بأنساقِ مغايرة له في كثير من الأحيان. الرابط بين الزمانين المرجعيين رغم البعد الزماني النسبي والمكاني (مصر ـ أمْريكا)، أنَّ المُتسبِّبَ فيهما هو الأصولية الدينية. وكانت الأصولية الدينية في فترة السبعينيات بمثابة النسق المهيمن الفحل، وهذه الفحولة مبعثها رب العائلة الذي كان يتباهى بأنه الرئيس المؤمن، في ظل هذه الهيمنة الذكورية كان طبيعياً أن تتوارى المرأة جانباً، فالأصولية رديفها الذكورية، ومن ثم أرادت الساردة أن تعكس دور أجهزة الدولة الأيديولوجية ـ حسب مفهوم ألتوسير ـ التي أسهمت في تضخيم الذكورية باعتبار الرجل قيّماً على الأنثى مادام رب العائلة قيّماً على الأسرة جميعها. ومن ثم كانت ظاهرة الأصولية هي الصوت الأعلى فقد استمدت شرعيتها من الرئيس المؤمن، لما أضفاه من قوة للنسق الثقافي المهيمن، فصار لا صوت إلا صوت الفحل، فكان هذا الخفوت والانصياع تجسيدُا لأيديولوجيا المرحلة الساداتية ـ بكل ما لها وعليها ـ ذات التأثير الفاعل على الهويات الثقافية والوعي الجماعي، بفعل قوة النسق الثقافي والأدوات المهينة التي تؤدي القمع والقهر لكن بوسائل ناعمة، بعكس ما حدث في الأيديولوجيا الناصرية، التي اعتمدت على القمع والقهر المباشرين هذا من جانب. ومن جانب ثانٍ كان لحادثة الحادي عشر من سبتمبر، وما خلَّفته في الذهنية الغربية ضدَّ كل ما هو إسلامي بمثابة الفزَّاعة، خاصة بعد إعلان الأصولية الدينية مسؤوليتها عن هذا الحادث، وهو ما شكّل عبئاً على الجنسيات العربية خاصة والإسلامية عامة، وهو ما يعني بشيء من المواربة فإذا كانت الأصولية الدينية في عهد السادات قد مارست إقصاءً لكل ما يخالفها ويناقضها، فإنها في ذات الوقت بعد حادثة الحادي عشر من ايلول/سبتمبر قامت بدور أكبر من الإقصاء ليس فقط لمن يخالفها فقط أو يناقضها، وإنما إقصاء لكل ما يتصل بالعالم الذي تنتمي إليه أو يرتبط به بأي رابط. وبهذا تكون الساردة انتصرت لحالات الإقصاء والتهميش اللتين مورستا في ظروف مغايرة وعلى مدار جدلية العلاقة بين الرجل والمرأة، وقبلها انتصرت لنسائها اللاتي عانينَّ من بطريركية الرجل فكان نسق الفحولة هو المهيمن هذه المرة، خاصة وما تمتع به من قوة نسقية كبرى (باعتبار النسق هنا ـ حسب مفهوم كليفورد غريتس ـ آلة من آلات الهيمنة والتحكم في سلوك العام والممارسات الاجتماعية والعمليات النفسية)، واعتماده على وسائل قمعية وحشية، فصارت الأصولية وما يرادفها من مسميات وأشخاص ذكورية مطاردة، تعاني الاضطهاد والملاحقة أينما ذهبت من الفحل الذي راح يمارس قوته. ويستعرضها دون أن يأبه بأحد.-3-الشيء المميز في الرواية، هو رصد السَّاردة بفنية عالية حَالة الحَراك التي أصابت المجتمع المصري، والتحولات التي أصابت بنيته بسبب سياسة الانفتاح، والهجرة إلى بلدان النفط، وما تبعها من ظواهر مُسْتَجْلَبَة وغريبة عن واقع المجتمع المصري كما هو الحال في ظاهرة المدِّ الديني والأصولية التي أخذت منحىً خطيراً، فتشعبت واستشرت في نسيج المجتمع المصري، وتوغلت من مجرد ملابس ولحى ومسواك إلى الدعوة إلى الأسلمة، والدعوة بالهداية التي انتشرت في المجتمع عقب استشراء حالة المدَّ الديني، كما سعت هند ـ في مرحلة مبكرة – لهداية صديقتها إنجيل، حتى أنها أيقنت على حد تعبيرها ‘أنها خسرت أول معاركها في هداية البشر’ أو الإنذار بفتنة طائفية عندما أراد الأستاذ وديع بناء كنيسة أم النور، وتحول الطريق إلى بيت الأستاذ وديع إلى ثكنة عسكرية. وفي ظل هذه الحالة المنذرة التي كانت التمهيد أو البداية لما عانى منه المجتمع المصري وبلغت أوجها في منتصف التسعينيات، قدَّمت السَّاردة في نهاية الرواية، صورة بازغة وفادحة لتلك التطورات والإحلالات التي أصابت المجتمع وشخصياته، التي تكشف فيما تكشف مدى الخطورة التي وصل إليها المجتمع إثر حالات المد الديني وتغلغل الأصولية الدينية، فتقدم الساردة صورة ‘فاطمة القرومية’ وما وصلت إليه حيث ارتدت ‘إسدالاً أسود طويلاً، يتناسب مع صنعتها الجديدة، حيث افترشت الأرض أمام مسجد النور لتبيع المسك والسواك والمصاحف وطواقي الرجال، والكتب الدينية، وبعض وصفات الطب النبوي لعلاج ضيق التنفس، ووجع الرأس، وما إلى ذلك من بضائع، أصبح جسد فاطمة القرومية ضخماً، تفترش به الأرض، فتبدو مثل جمل بارك، أو كتلة من الشحم لكنها مازالت تهتز، وهي تشاكس العابرين ‘ [ الرواية ص: 220 ] ومع تغيير المظهر الذي بدت عليه فاطمة، كذلك التجارة وتحولها من مجرد لدَّانة تُقدِّم الخَدَمات في البيوت، وتعد الطعام، وفي بعض الأحيان تقوم بتدليك الأجساد وتنظيفها، إلى تاجرة شنطة تجلس بجوار المسجد، مع كل هذا إلا أن جوهرها لم يتغير، وهو ما يشي بدلالة خطيرة بأن هذا التدين الذي بدا عليه الجميع، تدين شكلي ودون إيمان عميق به، فها هي فاطمة ما أن يمر أحد وجوه العارفين القدامى، حتى تطلق ضحكتها بالشخرة الشهيرة وتقول:’ أعمل إيه يا ابن خالي؟ أنا تاجرة.. واللي يتباع في السوق أفرش وأنادي عليه ‘ [ ص: 220 ]. وتستمر الساردة في عرض تأثيرات الهجرات إلى بلاد النفط والخليج، وما استجلبته من ظواهر طارئة كحالة المد الديني واختلال ميزان القيم والسلوكيات، فها هو الابن أخو الساردة يقف في مواجهة الأب، ويعترض على أفعاله بقوله ‘حرام.. حرام’، ويصبح الأب وفق هذا المعيار الجديد موازياً لابن نوح / العاصي، ويحتل الابن دور سيدنا نوح في النُصح والهداية. نفس الحال نراه ماثلاً عند مدرس العربي الذي سافر إلى السعودية ثم عاد وقد أطلق لحيته وارتدى الجلباب الأبيض، ووضع المسواك في جيب جلبابه، وراح يؤم الناس في الصلاة، ويخطب فيهم ويأمر ويزجر، وهو نفسه أول من افتتح محلاً لبيع البلاستيك، وكتب عليه اسم البركة، ثم أتبعه بمحل للسيراميك وكتب عليه القدس، وبعدهما عدة توكيلات للأجهزة الكهربائية وكتب عليها الفرقان. هكذا، متخذاً من الشعارات الدينية وسيلة لدغدغة مشاعر الناس وجذبهم لتجارته. نفس الحال ينطبق على مدرس اللغة العربية الثاني الذي سافر إلى اليمن ثم حجَّ وتاب وعاد إلى المدرسة من جديد صار يخطب ويؤذن ويؤم ويذبح العقائق ويجمع التبرعات للمجاهدين الأفغان ويناضل ضد مذابح المسلمين في البوسنة. وبالمثل مدرس الرسم الذي يهرب مع زوبة رغم انه كان يقول إن الرسم حرام.

كل هذا كان له بالغ التأثير على سُلَّم القيم الذي راح يأخذ منحىً هابطاً، فتفسخت القيم والروابط بين أفراد الجماعة الواحدة، التي بدأت تخضع لقيم السوق، فها هي فاطمة القرومية ترفض أن تصلح الملابس التي ترسلها أم هند لها، وتقول أنها لا تعمل إلا في الجديد، أما تلميذات المدرسة فيرقصن داخل الفصل، ويغازلن المدرسين، وفي بعض الأحيان يقومن بإغوائهن عبر ترك فتحة الصدر مفتوحة بعض الشيء، وتتاجر زنوبة بجسدها لصبيان المدارس المجاورة بإظهار صدرها في المدافن والنظرة حسب تسعيرتها بربع جنيه. ومن ضمن الشكليات حلَّت بعض التعبيرات الدينية على لسانها التي تضفي مصداقية على أفعالها، فترددت عبارات مثل ‘جزاكم الله خيراً / ربنا يجعل لي في كل خطوة حسنة / في رعاية الله’ دون أن تنسى أن تستبدل لقبها من ‘الست’ إلى ‘الحاجة أم حنان’. -4-نجحت ميرال في نصها الذي يقطر شجناً، في رصد حالات التحولات التي أصابت المجتمع، وانعكاس هذا على كافة أطياف المجتمع، وما اتبعه في تغيُّر في سلوكيات أفراده، لكن الوحيد الذي نجا من هذه التحولات هو الأب رغم هجرة جميع أصدقائه فقد ظل يقاوم ورفض كافة أشكال الإغراء التي قدمها له أصدقاؤه مثل صديقه الدكتور شامل، والناظر إميل، أو تحت ضغط الزوجة التي راح كل شيء يتغير حولها من فعل الهجرة إلى جديد، فالمباني أضحت بالطوب الأحمر، والملابس والبطاطين فوق حبال الغسيل بألوانها الزاهية التي تشي بأثر النعمة والهجرة، في حين بقي منزلها كما هو بل راح يتآكل ولم يعد يقاوم حتى المطر الذي راح سقفه يُسرِّب الماء عليهم. أما الملابس فتهرأت ولم يعد يصلح فيها الرتق أو الإصلاح، خاصة في ظل الجديد الذي تبيعه أم حنان وفاطمة القرومية مما جعل الأخيرة ترفض إصلاحها.

ومع تعدد الشخصيات التي تناولتها الساردة إلا أن شخصية ليليت ‘ليلي يوسف ‘ابنة إحدى الأسر الأرستوقراطية في مصر، فجدها كان وزيراً للري في حكومة عدلي يكن، وهي زوجة لطبيب شهير تلقى تعليمه في باريس، تظل واحدة من أهم الشخصيات التي عرضت لها الساردة، وامتلكت ثراءً فنياً ودلالياً مقصوداً، فالساردة قدَّمت لهذه الشخصية على أنها جذابة، وجنونها لا حدَّ له في متابعة آخر صيحات الموضة، وأشهر أسطوانات المغنين، تهتم بملاحقة كل الرقَصَات وأنواع الموسيقا، تحيا حياة كاملة من الرفاهية، حتى ما يقال عن نزوات زوجها لا تبالي به كأية سيدة أرستوقراطية. هذه هي الشخصية بكل أبعادها، تسير في خط متوازن، لكن يحدث التحول دون تمهيد، ففجأة بعد ولادتها لابنها الوحيد الذي اسمته عمر، تحولت ليليت تحولاً مزاجياً شديداً، رغم أنها لم تكن تحمل هماً لتربية هذا الطفل، فأصبحت بعد الولادة ‘أكثر جموحاً واكتئاباً، تدخن كثيراً وتنام في فراشها غير راغبة في رؤية طفلها ولا زوجها تبكي لأسباب غامضة، وتنهار لأسباب أكثر غموضاً’ [ الرواية ص 196]. وفي تطور مفاجئ أخذت قرارها في شجاعة وعناد:’أريد أن أمشي.. أنا لا أتحمل هذه الحياة… سأسافر..!'[ الرواية: 199]، وبالفعل حملت حقائبها، إلى أمريكا وعاشت حياتها النزقة المتمردة، وقد اختلفت الروايات التي تحكي عنها إلا أنهم يجمعون أن زوجها الطبيب كان شهرياً يرسل إليها النقود. مارست حياتها النزقة درست في جامعة برنيستون، وقد شاهدها البعض تتسكع مع أحد الرسامين الهيبيين في أزقة نيويورك، تدخن كل شيء، وتلتصق بالرسامين المشاهير، وتنام على أرصفة حي هارلم، تظن أنها موهوبة لكنها لم تفعل شيئا غير رسمها التاتو على فخذيها وبطنها، وعملت سكرتيرة في دار نشر يهودية صغيرة، وأيضاً يقولون إنها ترسم إعلانات سخيفة لمسرحيات الطلبة والهواة، هذا ما تردد عنها من أقوال لكن لم يكن أحد يعرف الحقيقة. الشيء الذي أرادت أن تفعله وتكرَّر عدة مرات هو كتابة سيرتها، لكنها لم تستطع فقد ‘سرق النسيان منها كل التفاصيل’ بالإضافة لم ‘يعد أحد مهتماً بالوصول إلى الحقيقة المفترضة’ [ الرواية ص 200 ]، تمعن الساردة في وصف ليلي يوسف / ليليت، كذات شبيهة بذات بطلتها خاصة ما انتهى إليه حال ليليت من فقدان جزء كبير من الذاكرة، ومشيها وحيدة في أجواء الحي، ثم بحث زوجة ابنها عنها حتى تعثر عليها، و كل ما تحاول الحفاظ عليه الآن فقط المعلومات الضرورية، مثل اسمها وعنوان بيتها، واسم ابنها الوحيد ‘يطاردها هاجس الخوف من فقدان هذه المعلومات أو نسيانها. هذا هو المصير المجهول الذي تخشى الساردة منه على هند بطلتها في المستقبل هو نفس المصير الأزلي للاجئين، فكانت هذه الرهافة في السرد، والعذوبة في الوصف فالمصير الذي انتهت إليه ليليت هو ما تخشاه الساردة على بطلتها، فراحت تستعيد ركام ذاتها التي تحطمت بفعل ضغوط اجتماعية واقتصادية، فاكتشفت للأسف أن البحث عن هذه الذات وَهْمٌ في ظل هذه الرحلة المنكوبة بما رأت من لاجئين عرب وغير عرب وما آل إليه مصيرهم من فقدان للذات لا اكتشافها والعثور عليها. نعم، وزعت الساردة ذات البطلة هند على هذه الذوات المشردة، رغبة في تحريرها، لكنها ما كانت تدري أنها تكبلها أكثر مما فعل هذا الطفل الذي تجره خلفها، وتدفعها نحو المجهول ومصير ليليت. ويا له من مصير!-5-بهذا تكون بروكلين هايتس، مزيجاً من النص السيري والنص الرحليّ، عبرتْ بنا وبه الساردة من قرية تلال فرعون القاطنة في دلتا مصر بعاداتها وطقوسها الشعبية وأغانيها، والألعاب الصبيانية، في مقابل الثقافة الذكورية ورفضها مثل هذه الألعاب التي ترى في فتح الساقبن عيباً وعاراً على البنات أثناء لعب الحجلة، وأيضاً محرّماتها وفوق هذا وذاك أفراحها وأتراحها إلى العالم غير المرئي حيث طافت بأحوال الضعفاء والمهمشين من اللاجئين الذين بحثوا عن الأمان والملاذ في بلاد ظنوها ‘تفاحة العالم’ بيد أنها لم تكسبهم غير الخوف وفقدان الذات ويقرون ـ أنفسهم – بأنها ‘مدينة تخلق كل التعاسة البشرية’ ولما لا وهي ‘مدينة ظالمة مثل كل مدن التاريخ التي تحولت إلى غبار، بعد أن استبعدت أُناسها’ كما تقول الساردة. ومثلما كان النص رحلةً في المكان والزمان، فهو أيضاً رحلة في ذات المسرود عنها طفولتها ومراهقتها زواجها، أفراحها وأوجاعها، أحلامها وهزائمها، رحلة تتخذ من ذوات الآخرين مرآة لاكتشاف ذاتها، التي تتفق معهن وكأن الأرواح كما قالت صديقتها التي التقتها في بروكلين واحدة، أو ما تركته ليليت في أوراقها وظنت البطلة أنها هي التي كتبته، فالذوات الجريحة واحدة مهما اختلفت الجنسيات والأديان، تلتقي أياً كان المكان ودون ميعاد، ليس مهماً في قرية قابعة في أطراف الدلتا أو في مدينة توهم الجميع بأنها تفاحة العالم، المهم أن الوجع واحدٌ، والذات في حالة مُلِّحَة لاجترار مآسيها، لكن يبقى مَنْ يُنْتصت؟! فكانت الراوية التي سردت من بقعة محايدة متخذة من ضمير الغائب، مجالاً لعدستها التي جالت وفتشت في ذاكرتها، والتقطت التفاصيل الدقيقة الخاصة بطفولتها المليئة بالشجن وزخم الذكريات، فكان هذا النص الذي يقف كبديل عن ماض آثر تستدعيه الساردة أينما رحلت عبر استرجاعات حانية ومشوقة، ليكون بديلاً ـ في المستقبل ـ عما يصيب الذاكرة من ترهلات ونسيان، فلا يتكرر معها ما حدث مع ليليت التي قاومت النسيان بورقة مكتوب فيها العنوان واسم ابنها. فجاء النص المرهف والمعجون بأوجاع الذكورية، وقلق الغربة والتغريب. وفوق هذا البحث عن الذات حتى ولو كان عبر مرآة الآخرين.

ناقد أدبي مصري وأستاذ جامعي يقيم في تركيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية