د. سعيد الشهابي
ربما من السهولة بمكان محاولة الاجابة على التساؤلات حول منطلق الثورات العربية: أسبابها، ظروفها، دوافع الشباب الذي خرج يواجه الدبابات بقبضات يديه، ولكن الامر يختلف تماما مع ما جرى مؤخرا في بريطانيا من اضطرابات عمت المدن الكبيرة: لندن ومانشستر وبرمنغهام وغيرها. فهي ليست احتجاجات ضد الاوضاع السياسية، او ضد حرب مزمعة تنوي بريطانيا الدخول فيها، او للاحتجاج ضد ارتفاع الاسعار ونقص الخدمات في ضوء سياسات خفض الانفاق العام نتيجة الاوضاع الاقتصادية المتأزمة للبلاد، وان لكل من هذه القضايا دورا محدودا في التأجيج، فما الذي دفع الشباب والشابات للانخراط في اضطرابات تحولت الى سلب ونهب وسرقات على اوسع نطاق؟ وكيف عجزت اجهزة الشرطة البريطانية المعروفة بكفاءتها في منع الدمار الواسع الذي اصاب المحلات التجارية امام اعين افرادها؟ تلك الاعمال لم تحدث خلسة، بل ان اغلبها حدث امام عدسات الكاميرات الاعلامية او الامنية. والجدير بالذكر ان بريطانيا من اكثر الدول رقابة على المواطنين، اذ تنتشر الكاميرات الظاهرة والخفية في كل شارع وزاوية، فلا تكاد تحدث جريمة حتى تكتشف من خلال واحدة من أجهزة التصوير هذه. وقبل خمسة اعوام قدر عدد هذه الكاميرات بمليون ونصف، اي بمعدل كاميرا واحدة لكل 14 مواطنا، ولكنها عجزت عن منع ما حدث. ويرى البعض ان بريطانيا اليوم تعتبر من حيث الرقابة السلطوية تطبيقا عمليا لنبوءت جورج اورويل التي سطرها قبل اكثر من ستين عاما في كتابه الذي حمل عنوان ‘1984’، وأطلق على الرقابة السلطوية للمواطنين مصطلح ‘الاخ الاكبر Big Brother’. ما جرى على مدى اربع ليال متواصلة في بريطانيا اصاب الجميع بالدهشة: السياسيين والمنظمات المدنية والمؤسسات البحثية ودور الاعلام. فكيف استطاع هذا المجتمع تفريخ مجموعات اجرامية سيطرت على الوضع وتحولت الى قوة تدمر القيم والاخلاق والمبادىء قبل ان تدمر المحلات التجارية؟ الجريمة هذه المرة لم ترتكب على ايدي المهاجرين الذين طالما اتهموا بانهم من اسباب الازمات الاجتماعية وتصاعد الجريمة بسبب اوضاعهم المعيشية المتدنية وتكدسهم في مجمعات سكنية تساعد على انتعاش الجريمة والخروج على القانون. بل ان اغلب الذين اعتقلوا وقدموا للمحاكمات التي نظمت على وجه السرعة كانوا من المواطنين ذوي السحنة البيضاء. والكثير من هؤلاء لم يكونوا من ذوي الدخل المحدود، بل ان بعضهم انحدر من عائلات ذات مستوى معيشي مرتفع. ما الذي زين الجريمة في عيون هؤلاء؟ ما الذي يدفع مدرسا او مسؤولا بشركة عقارية او متدربا في مهنة المحاماة لارتكاب جرائم السرقة بكسر نوافذ المحلات التجارية الكبرى ووضع اليد على اجهزة التلفزيون الحديثة التي تدنت اسعارها وحلت في اغلب المنازل محل الاجهزة القديمة؟ كيف تنحدر قطاعات من المجتمع الى هذه المستويات الهابطة التي تقضي على الامن الاجتماعي وتهدد بتحويل المجتمع المدني المعاصر الى بيئة تعج بالمتناقضات والجريمة والعدوان؟
رئيس الوزراء البريطاني قطع اجازته الصيفية التي كان يقضيها بمنطقة تاسكني وسط إيطاليا، وعاد على وجه السرعة عندما تناهى الى سمعه ان الوضع اصبح خطيرا. فما جرى في الاحياء التجارية الكبرى في بريطانيا معاكس تماما للشعار المحوري لسياسات حزب المحافظين الذي فاز في انتخابات العام الماضي عندم اطلق الدعوة لبناء ما اسماه ‘المجتمع الكبير Big Society’. دشن التحالف الحاكم في بريطانيا (بين حزبي المحافظين والاحرار الديمقراطيين) عهده في رببع العام الماضي باعلان خفض النفقات بشكل واسع، وأقر رفع رسوم الجامعات ثلاثة اضعاف (من 3000 الى 9000 جنيه استرليني للعام الدراسي) الامر الذي احدث حالة تململ تتوسع تدريجيا. وشهدت لندن في شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الاول/ديسمبر الماضيين تظاهرات واحتجاجات طلابية واسعة ضد رفع الرسوم وخفض مخصصات الطلاب. ووجهت انتقادات عديدة لنمط تعامل الشرطة مع تلك الاحتجاجات بما في ذلك محاصرة بعض المجموعات المتظاهرة ومنع افرادها من مغادرة المكان ساعات عديدة. كان ذلك بداية مسلسل متوقع من الاحتجاجات والاضرابات اللاحقة، قبل حدوث الموجة الاخيرة من حالات الشغب والفوضى. ولاستيعاب خلفية ما يجري على الساحة البريطانية يجدر استحضار بعض الوقائع ذات الصلة منذ ان شكلت اول حكومة ائتلافية منذ ثلاثة عقود. فقبل عام واحد، اطلق رئيس الوزراء البريطاني في خطاب له بمدينة ليفربول الدعوة لانشاء ‘المجتمع الكبير’ المؤسس على تقوية الجاليات وتشجيعها على القيام بدور فاعل لادارة شؤونها بادارة خدمات النقل والمكتبات العامة ومكاتب الرعاية الصحية وتوجيه المشاريع الاسكانية. واعتبر كاميرون تلك الرؤية تطويرا كبيرا لقوة الشعب ودوره. وبعد ستة شهور طرح رئيس الوزراء شعارا آخر اصاب الكثيرين بالاحباط. ففي خطاب له في الرابع من شباط/فبراير 2011 امام مؤتمر حول الامن الاوروبي في ميونيخ انتقد كاميرون ‘التعدد الثقافي الذي ترعاه الدولة’ في اطار حديثه عن التطرف واسباب الارهاب. ورأى ان بريطانيا تحتاج الى ‘هوية وطنية اقوى’ لمنع الشباب من التحول نحو التطرف، وألمح في ذلك الخطاب الى مواقف أكثر تشددا تجاه المجموعات التي تروج لما اسماه ‘التطرف الاسلامي’. واشار كذلك الى عزم حكومته على مراقبة بعض المجموعمات الاسلامية التي تستلم مساعدات حكومية في مقابل عملها لمواجهة التطرف. بعد اكثر من عام على وصوله للحكم واتخاذ قرارات مفاجئة لخفض الانفاق العام واعادة النظر في مفهوم ‘الدولة الرعوية’ وطرح فكرة ‘المجتمع الكبير’ وستة شهور على انتقاده لظاهرة ‘التعدد الثقافي’ التي انتعشت خلال حكم حزب العمال، يبدو ان رئيس الوزراء يواجه اخفاقا على الصعدان الثلاثة مجتمعة، وبالتالي فليس مستبعدا ان تؤدي تداعيات الازمة الحالية الى وضع سياسي متوتر وانتكاسة في التحالف الحاكم يدفع لانتخابات جديدة. وللمرة الاولى منذ توليه منصبه، بدأت التساؤلات الجدية حول مدى قدرته على الاستمرار في منصبه خصوصا بعد الذي جرى مؤخرا. فعلى الصعدان الثلاثة المذكورة اخفقت سياسات التحالف الحاكم في كسب ثقة الناخبين، واضطرت لاتخاذ قرارات واجراءات لم ترق للكثيرين، وقد خسر التحالف انتخابات تكميلية اجريت هذا العام في اكثر من منطقة، وفاز حزب العمال بمقاعدها. وعندما يجد رئيس الوزراء نفسه مضطرا لاستعمال مصطلحات غير معتادة لوصف المجتمع البريطاني مثل ‘المجتمع المريض’ او اطلاق تهديدات شديدة ضد مرتكبي الجرائم بأشد العقوبات. فان ذلك مؤشر لمدى ما وصل اليه الوضع من تداع. وعندما يشار الى جهاز الشرطة بالتقصير في ردع المشاغبين ومرتكبي جرائم التخريب والسرقة، فان ذلك يستدعي المزيد من التأمل ليس في اداء افراد الجهاز فحسب، بل في مدى كفاءة ادارة الجهاز. انه تعبير عن أزمة ليست سياسية فحسب بل ثقافية وايديولوجية، تجد بعض اسبابها في سياسات التحالف الحكومي، والبعض الآخر في أيديولوجيا النظام السياسي الذي عجز عن المواءمة بين حكم القانون ومباديء حقوق الانسان، وخلق بذلك فراغات ذهنية لدى جيل الشباب اضعفت قدرتهم على ضبط النفس في اوقات الامتحان الصعبة. يضاف الى ذلك ان هذا النظام السياسي يعاني من تبعيته المستمرة لمستلزمات الثقافة المجتمعية المحكومة بالليبرالية المتطرفة. فوفقا لمقتضيات ‘ما بعد الحداثة’ التي اصبحت تتحكم بقوة في النظام السياسي الغربي عموما، تعمقت في نفوس الاجيال الجديدة مشاعر الليبرالية المفرطة التي تكرس مشاعر الحق الشخصي المطلق، وتحول الفرد الى كيان منفصل عن المجتمع. وبهذا تحول الفرد الى كائن متمرد على كل شيء، غير محكوم سوى بمنطق الوجود الذاتي الذي يغلب المصالح الشخصية على كل ما سواها، ويصور للفرد انه يعيش منفصلا عن واقعه ومجتمعه. وبهذا تلاشت الخطوط الحمراء بين السلوك الصحيح والخاطىء، بين المقبول والمرفوض، بين الاخلاق القويمة والانحراف. ومع الاعتراف بدور قوة القانون في الردع، الا انه غير كاف لصياغة شخصية المواطن المسؤول في ظل ثقافة ‘ما بعد الحداثة’ التي تؤدي الى صنمية ‘الحق الشخصي’ وتجعله محور كل شيء.
الامر المؤكد ان حوادث الايام الخمسة التي عصفت ببريطانيا التي طالما افتخرت بانها ‘أعرق الديمقراطيات’ لن تقضي على كيان ‘الدولة’ البريطانية، ولن تضعفها الا ضمن هوامش محدودة، ولن تؤدي الى اضطرابات مجتمعية متواصلة. هذه الافتراضات مشروطة بوعي ما جرى على حقيقته، واعادة قراءة منظومة الحكم كما طرحها التحالف الحاكم، واستنطاق الوقائع على مدى اثني عشر شهرا لاستيضاح مواقع الضعف والقوة في السجال السياسي الذي لا يخلو من ظواهر الحزبية والنخبوية والطبقية. لكن الامر المؤكد ايضا ان الطبقة المثقفة والنخب الفاعلة لن توفر رئيس الوزراء من النقد على الصعدان الثلاثة المذكورة. فمع ان خفض النفقات امر مطلوب بعد ان تضاعفت ديون الدولة حتى تجاوزت الالفي مليار، منها 920 مليار تعتبر ديون القطاع العام، واكثر من 1200 مليار كديون القطاع المالي، الا ان الطريقة التي فرضت بها معدلات الخفض اثارت الكثيرين، واحدثت ردود فعل واسعة، وعكست ضعف حكومة الائتلاف في طرح برنامج عملي بعيد الامد لاعادة بعث الاقتصاد بدلا من الاقتصار على الجانب السلبي المتمثل بخفض الانفاق. وهذا يقتضي اعادة صياغة الدولة وابعادها تدريجيا عن قيم ‘الدولة الرعوية’ وفق خطة تدريجية بعيدة عن ردود الفعل الآنية. وللوصول الى ذلك يقتضي الامر خطة عملية تدريجية تصاحبها برامج تثقيفية منفصلة عن حالات التشنج والانفعال التي تثار عند التعاطي مع ظاهرة الهجرة. وعلى الصعيد الثاني، اصبح شعار ‘المجتمع الكبير’ بعيدا عن الواقعية خصوصا اذا تم التعاطي معه بعيدا عن مقولة ‘التعدد الثقافي’ في المجتمع البريطاني. فكيف تستطيع الجاليات المنخورة من الداخل باحتضانها عناصر تمارس العنف والنهب والشغب، ان تساهم في ادارة نفسها ومؤسساتها الاجتماعية والمعيشية؟ لقد انتهت فكرة ‘المجتمع الكبير’ جملة وتفصيلا بعد مسلسل الاحتجاجات الذي بدأ بالتظاهرات الطلابية وتواصل عبر اضرابات موظفي قطارات الانفاق والمعلمين وغيرهم. ان مجتمعا يضطرب من داخله ويحتج على سياسات حكومته، لا يمكن ان يتحول الى ذراع حكومية ضاربة تساعدها على خفض النفقات وحفظ الامن العام. ثالثا ان رئيس الوزراء سوف يجد نفسه محاصرا من مجموعات ضغط حقوقية وانسانية بسبب انتقاده للتعدد الثقافي، وهو من اكبر العوامل نفعا لبريطانيا واستقرارها وامنها. كما ان التخلي عنه سوف يشجع القوى اليمينية المتطرفة ويدفعها للعودة بقوة الى الميدان باستهداف المواطنين من غير السحنة البيضاء، الامر الذي من شأنه ان يحول المجتمع البريطاني من مجتمع متعدد الثقافات الى مجتمع محكوم بالعنصرية والتعصب، وهذا لا ينسجم مع الطبيعة البريطانية. وقد اثبتت ظروف الاضطرابات الاخيرة دورا فاعلا للجاليات المحسوبة على المهاجرين في التصدي للعنف والنهب والسرقة. وكان المسلمون من اكبر ضحايا موجة الاضطرابات، اذ قتل منهم ثلاثة على الاقل في استهداف مباشر من قبل اعداء التعدد الثقافي. وكان لموقف حكماء الجالية الاسلامية في برمنغهام دور في كسر شوكة المشاغبين والمتطرفين، حيث عبروا عن صبرهم لما اصابهم ودعوا جالياتهم للامتناع عن ردة الفعل والانسحاب من المواجهات مع اي طرف. يضاف الى ما تقدم ان بريطانيا ما تزال تفكر بدورها عندما كانت دولة عظمى تمخر اساطيلها البحار غربا حتى امريكا وشرقا حتى الهند، من خلال اساطيل عملاقة تشغلها شركة الهند الشرقية. الوضع لم يعد كذلك في الوقت الحاضر. فهذه بريطانيا ومعها امريكا غير قادرتين على حسم الموقف في افغانستان او ليبيا لاسباب سياسية واقتصادية وعسكرية. وهذا يتطلب من حكومة الائتلاف اعادة النظر في عدد من الامور: اولها ضرورة التخلي عن العقلية الامبريالية القديمة، والتعاطي بواقعية مع الوضع الذي تعيشه البلاد في ظل التراجع الاقتصادي والمالي، وهذا يقتضي التوقف عن المشاركة في الحروب ضد الدول الاخرى باية ذريعة. ثانيا: ان مصلحة بريطانيا يمكن حمايتها بمد جسور التعاون مع الدول ذات الممارسة الديمقراطية، على اساس ان الديمقراطية سوف توفر لها ظروفا مناسبة لمد جسور الصداقة والتعاون المادي والاقتصادي والعمل المشترك ضد ما يهدد امن العالم سواء من التطرف ام الارهاب او الاستبداد. ثالثا: ان بريطانيا مطالبة بالعودة الى بعدها الاوروبي والابتعاد التدريجي عن ‘العلاقة الخاصة’ مع الولايات المتحدة الامريكية، فذلك يوفر لها قبولا اوسع في العالم الثالث خصوصا الاسلامي والعربي. رابعا: ان تعمد حكومة الائتلاف لاجراءات اقل صرامة من اجل خفض النفقات، والاستعانة بالمؤسسات الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي للمساهمة في صياغة حزمة من الاجراءات اللازمة لتقليص العجز. خامسا: ان تتعاطى مع تداعيات الاضطرابات الاخيرة على اسس واقعية، بعيدا عن النمط الامريكي في التعامل مع الآخرين. فمرتكبو الجرائم يعتبرون ضحايا النظام وليس اعداءه، ومع الاقرار بضرورة اقامة حكم القانون، فان ظروف الازمة وملابساتها يجب اخذها بعين الاعتبار والانطلاق على اساسها للاقتصاص القانوني من اولئك الذين اقترفوا جرائم كبيرة بموازاة برامج إعادة التأهيل لهؤلاء لكي ينخرطوا في المجتمع وفعالياته بدلا من الانخراط في برامج الجريمة المنظمة التي لا تخدم احدا. لقد كانت بريطانيا على حافة هاوية، وقد نجت في الوقت الحاضر، ولكن ليس معلوما ما تخبئه الحقبة المقبلة، وهي حقبة اعادة النظر في ما جرى والانطلاق بروح جديدة لتجاوز ذلك بعقلية من التواضع والاعتراف بضرورة التخلي عن عقلية الاستعمار والتوسع والاستكبار. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن