ليس من السهل على بلد تعود على نفس الملكة التي حكمته لسبعة عقود أن يستفيق يوما ويعيش بدونها، وهذا ما حدث بوفاة الملكة إليزايبث الثانية (1926-2022) عن عمر يناهز التاسعة والتسعين، وكانت وفاتها بمثابة نهاية مرحلة مهمة في تاريخ المملكة المتحدة، حيث شهدت تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وانتقلت من مرحلة الحرب العالمية الثانية إلى نهاية السيادة البريطانية على المستعمرات التي حكمت باسم التاج على مدى قرون واستبدلت بصيغة جديدة حرصت الملكة إليزابيث على رعايتها باسم رابطة دول الكومنولث وسط زيادة النزعات نحو التحول للجمهورية والتي قد تتسارع بعد رحيلها وتولي ابنها الملك تشارلز الثالث الحكم. ويواجه الملك الجديد الكثير من التحديات المتعلقة بالتحولات الجيلية والمصاعب الاقتصادية النابعة من الحرب في أوكرانيا إلى الحفاظ على وحدة الأمم التي تشكل المملكة المتحدة، علاوة على وحدة العائلة المالكة التي شهدت في عهد الملكة فضائح وتوترات بين أفرادها، وخاصة الأزمة التي تسببت بها وفاة الأميرة ديانا عام 1997 بعد طلاقها من تشارلز وتحول الرأي العام ضد «الشركة» كما تعرف العائلة المالكة، وذلك بسبب تأخر الملكة إليزابيث للرد على المشاعر المتعاطفة مع الأميرة، وفي السنوات الأخيرة عانت العائلة من فضيحة الأمير أندرو، ابن الملكة الراحلة المفضل، واضطرت لتجريده من رتبه العسكرية وواجباته الملكة بعد ارتباطه بمنتهك قاصرات أمريكي واتهام فتاة له باغتصابها عندما كانت قاصرا، وهو ما نفاه. واضطر في النهاية للتسوية معها خارج المحكمة وبمبلغ مالي كبير. أما الصداع الآخر، فقد جاء من الإبن الثاني للملك تشارلز، هاري والذي قرر مع زوجته الأمريكية التخلي عن واجباتهما الملكية والانتقال إلى أمريكا. ويواجه الملك مسألة صورة، فهو ولي العهد الذي حاول تقديم آرائه في مختلف شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والمتعلقة بالبيئة والدين والمعمار التقليدي. وهو يصل إلى العرش بسجل من المواقف التي أعجبت الرأي العام أحيانا وأغضبته أخرى. وهو الآن يقود بلدا رعته والدته وبرزت من داخله اسطورة بريطانيا الحديثة عندما «وقفنا وحدنا» ضد النازية. وسيظهر واقع جديد بعد الحداد ومراسيم الجنازة التاريخية وطوابير المشيعين الذين اصطفوا على طول أميال لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على ملكتهم، وهي مراسيم جرى التدرب عليها منذ 15 عاما وتمت بدقة وبدون السماح لخطأ في التنفيذ أو الإخراج. ولفهم ظاهرة إليزابيث الثانية نستعرض هنا ما ورد في مقالين، الأول كتبه نيل أتشيرسون في مجلة «أتلانتك» (11/9/2022) فقد ألغيت كل المناسبات العامة وأخرج الإعلام كل ما في جعبته من مواد وصور وحوارات وغمر الرأي العام بها في رثاء وعزاء للملكة، وانتظر الناس تحت المطر لكي يشاهدوا جثمان الملكة ينقل إلى مقر إقامتها في باكنغهام بالاس لكي تقضي ليلتها الأخيرة. والحقيقة هي أن الملكة كانت تغادر عالما بالكامل وتساءل الشعب البريطاني، هل نحن فعلا نفس الناس الذين حكمتهم، والجواب بالتأكيد لا.
المرآة الساحرة
ومن الناحية العملية لم تفعل الملكة إلا القليل، كانت تسافر في جولات وتبتسم للجماهير وتشجع الناس، وعلى خلاف الذين شيعوها فلم تكن تتدخل بالسياسة ولا سلطة سياسية لديها. وما فعلته الملكة طوال حياتها هي أنها استعمرت الخيال، فقد اعترف ثلث البريطانيين أنهم رآوها في أحلامهم، حيث جاءت لزيارتهم والسؤال عن حياتهم وشربت الشاي معهم وما تقوم به من أعمال في الحديقة ورعاية أبنائها وأحفادها. ووصفها الفيلسوف الاسكتنلدي توم نارين بـ «الزجاج المسحور» أو المرأة التي رأى البريطانيون صورتهم تنعكس عليها كشعب شجاع موحد محبوب، لطيف ومحترم يمتد على مساحات واسعة كانت تعرف يوما بالإمبراطورية وأصبحت الآن دول الكومنولث. وهذه هي بريطانيا التي شجعوا لرؤيتها عام 1952 عندنا صعدت هذه الشابة الساحرة للعرش وبدأ معها «العهد الإليزابيثي الجديد» ولم يحدث أي شيء من هذا، فإليزابيث الأولى بدأت حركة التوسع الاستعماري البريطاني والغزو، أما الثانية فقد جلست لتراقب غياب بريطانيا العظمى، حيث كافحت المستعمرات طلبا للحرية والاستقلال. واكتشف البريطانيون أن «الزجاج المسحور» لم يكن سوى «مرآة مهشمة». إلا أن الملكة حافظت طوال حكمها على صورة واثقة من نفسها وهادئة وأن شيئا لم يتغير وأن بريطانيا لا تزال تقود نفس العالم والبلد العجوز المستقر الذي ظهر في مرحلة ما بعد هتلر، وهذه القصة المريحة للنفس دفعت شعبها للإيمان بهذا الانعكاس الزائف للصورة. وبرحيلها، كشف عن زيف الصورة وخداعها، وبدأ السؤال: من هي بريطانيا؟
وهم الوحدة
استطاعت إليزابيث الحفاظ على حس أن الشعب الإنكليزي، الذي يشكل نسبة 80 في المئة من الشعب البريطاني كان ينظر إلى صورتها ويرى مملكة متحدة مكونة من عدة أمم، في ويلز واسكتلندا وإنكلترا التي دمجتها الدولة فيه. وساعد التاج البريطاني على إخفاء صورة الدولة ذات الصورة الإنكليزية الطاغية التي تمتد «عائلتها» كما كانت تحبذ القول عبر المحيطات والقارات. وبرحيلها فالصدع الذي تم تغليفه عبر أسطورة الهوية البريطانية الطاغية سيتوسع. ولم تخف الملكة إليزابيث في السنوات الأخيرة من حكمها قلقها من النزعات الاستقلالية في اسكتلندا، وحتى منح سلطات محدودة لويلز واسكتلندا عام 1999 وبرلمانات خاصة أثارت قلقها. ولم تخف فرحتها من رفض الاستكتلنديين استفتاء الخروج من المملكة المتحدة عام 2014. وبتلاشي الصورة التي قامت عليها الوحدة، وهي الملكة، فستظهر التوترات بشكل تدريجي.
حس الطبقة
لقد جسدت الملكة الانتماء لارستقراطية، وكل ما تعبر عنه هذه الطبقة من ثقافة حب الكلاب والخيول والصيد في الأعالي الاسكتنلدية، وهي ثقافة في حالة من الزوال ويعرف عن ابنها الملك الجديد أنه غير مرتاح لها. ولكنها استطاعت أن تؤكد هذه الثقافة حتى في وسط السخرية أحيانا من طريقة نطقها للإنكليزية. ولم تكن تتسامح عندما خرق فرد من العائلة المالكة أو أحد أعضاء طاقمها التقاليد الارستقراطية أو أبدى سلوكا سيئا. ولا يعرف الكثير عن مواقفها السياسية تماما مثل محدودية قدرتها على إظهار التعاطف، تماما كما حدث بعد وفاة ديانا، ومع ذلك فمواقفها السياسية لا تتعدى الحفاظ على أمة واحدة بتقاليد محافظة، ولم تعبر عن جاذبية نحو الدوغمائية الليبرالية التي تسود اليوم حزب المحافظين.
عهد جديد
وفي بداية حكم تشارلز لن يتغير الكثير، فسينشغل بالاحتفالات والاستعراضات الملكية والتتويج قبل أن يبدأ بالعمل. وبدأ بداية واثقة، ورغم مواقفه من البيئة المثيرة للجدل إلا أنه ليس متمردا، ومن غير المرجح أن يفصل العائلة المالكة عن المزايا المالية والقانونية والدستورية الغريبة والتي تضم إعفاءات من القوانين التي تؤثر على دخل العائلة المالكة والحقوق الأخرى. إلا أن الملك يواجه تحديين كبيرين، الأول يتعلق ببريطانيا الموحدة التي بدأت تظهر علامات تفكك. فالبرلمان في اسكتلندا الذي يسيطر عليه الحزب الوطني الاسكتنلدي والبرلمان في ويلز والذي يسيطر عليه حزب العمال، عانيا خلال عقد من حكم حزب المحافظين مشكلة تجاوز سلطاتهما، خاصة أن الحزب الحاكم مدين لناخبيه في إنكلترا. ما يعني أن الشراكة ليست مستدامة وسط تزايد النزعات المطالبة بالاستقلال. وفي أيرلندا الشمالية، كان فوز الشين فين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة إشارة عن النزعة في الإقليم نحو الخروج من بريطانيا والانضمام لأيرلندا موحدة وبالتالي للاتحاد الأوروبي. وكانت آخر مرة تدخل فيها ملك بريطاني في السياسة المرتبطة بأيرلندا، عندما قام الملك جورج الخامس في 1921 بدفع الحكومة من أجل وقف سفك الدم والدخول في مفاوضات نحو دولة حرة في أيرلندا. والمشكلة الثانية هي الدستور البريطاني غير المكتوب والذي يظل ملكيا، ليس بسبب الحكم الوراثي للملك أو الملكة بل لأنه يجسد فكرة السلطة المطلقة. وبعد الثورة المجيدة في 1688 التي أطاحت بملك وأنهت للابد «الحق الإلهي» للملوك والسلطة المطلقة، لكنها نقلت تلك السلطة للبرلمان، فالعقيدة الإنكليزية التي عفا عليها الزمن المتعلقة بسيادة البرلمان تعني أن رئيس الوزراء مع غالبية بالبرلمان يمكنه فرض إرادته بدون معوقات على الشعب البريطاني. وتعتبر الفكرة التنويرية للسيادة الشعبية والتي تعني أن السلطة نابعة من القاع للقمة غريبة على الحكم الإنكليزي، فالسلطة تظل نابعة من فوق لأسفل. وهو نظام مصمم للمستبدين مع أن الساسة على مدى السنين حاولوا منحه صيغة من الديمقراطية: تحرير المرأة وحرية التعبير والقضاء المستقل. كل هذا لم يمنع ساسة مثل بوريس جونسون الذي قاد بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي للدوس على الدستور ومحاولة إغلاق البرلمان. عملت إليزابيث في سنين حكمها على توفير الثقة والطمأنينة للبريطانيين أن بلدهم في وضع جيد ومتماسك، رغم الأزمات الكثيرة، هم اليوم غير واثقين بمستقبل بلدهم. فهم يريدون مزيدا من الحقوق وسيطرة أكبر حتى يواصلوا اعتقادهم. ولا تزال هناك بقية من اعتقاد بعائلة ويندسور، وخاصة في إنكلترا، لكن مع نهاية فترة الحداد وسط أوقات اقتصادية صعبة، فستتم مساءلة الحقوق والمزايا الممنوحة للعائلة، حيث ستبدأ من هوامش المملكة المتحدة ثم تتقدم للأمام. حاولت الملكة الحفاظ على حب الناس للتاج ولكنها انتهت موضوعا للحب بشخصها وليس للتاج. فقدت المرآة سحرها. ولو كانت رموز السيادة أقل أبدية من الذين يرتدونها، فعندها سيحكم تشارلز بما لديه من صفات ومؤهلات لو تعثر هو أو خليفته فربما سقط التاج معهما.
إرث الاستعمار
ويمكن إضافة مشكلة أخرى تتعلق بالماضي الاستعماري ومطالب الجيل الجديد من أبناء المستعمرات وفك عرى منظمة الكومنولث التي ظلت صورة عن ماضي بريطانيا الاستعماري ومطالبتهم بالتعويض عن الماضي. وفي المقال الثاني الذي نستعرضه هنا للباحثة في جامعة هارفارد، نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» لأستاذة التاريخ في جامعة هارفارد، مايا جاسانوف، قالت فيه إن الملكة جسدت التزاما عميقا وصادقا بواجباتها، كانت وجه أمة شهدت خلال فترة حكمها تفكك الإمبراطورية البريطانية بأكملها تقريبا إلى حوالي 50 دولة مستقلة، وتقلص التأثير العالمي بشكل كبير. وحسب التصميم بقدر ما كان بسبب حادث حياتها الطويلة، فإن وجودها كرأس للدولة وللكومنولث، وضع غطاء تقليديا جامدا على عقود من الاضطرابات العنيفة. وبناء عليه فقد ساعدت الملكة في إخفاء التاريخ الدموي لإنهاء الاستعمار الذي لم يتم الاعتراف بنسبه وموروثاته بشكل كافٍ. ما لن تعرفه أبدا من الصور الدافقة – وهذا جزئيا الهدف منها – هو العنف الذي يكمن وراءها. في عام 1948 أعلن الحاكم الاستعماري لمالايا حالة الطوارئ لمحاربة المقاتلين الشيوعيين، واستخدمت القوات البريطانية تكتيكات مكافحة التمرد التي كان الأمريكيون سيقلدونها في فيتنام. في عام 1952 فرض حاكم كينيا حالة الطوارئ لقمع الحركة المناهضة للاستعمار المعروفة باسم ماو ماو، والتي قام البريطانيون بموجبها باعتقال عشرات الآلاف من الكينيين في معسكرات الاعتقال وعرضهم للتعذيب الوحشي والمنهجي. في قبرص عام 1955 وعدن باليمن عام 1963 أعلن الحكام البريطانيون مرة أخرى حالة الطوارئ لمواجهة الهجمات المعادية للاستعمار. مرة أخرى قاموا بتعذيب المدنيين. وقد لا نتعلم أبدا ما الذي عرفته الملكة أو لم تعرفه عن الجرائم المرتكبة باسمها. دمر المسؤولون الاستعماريون العديد من السجلات التي، وفقا لرسالة من وزير الخارجية للمستعمرات، «قد تحرج حكومة جلالة الملكة» وتعمدوا إخفاء أخرى في أرشيف سري لم يتم الكشف عن وجوده إلا في عام 2011. رغم أن بعض النشطاء مثل عضوة البرلمان عن حزب العمال باربرا كاسل التي أعلنت واستنكرت الفظائع البريطانية، لكنها لم تستطع إحداث تقدم يذكر. وأضافت أن السنوات الأخيرة، شهدت ضغوطا على الدولة والمؤسسات البريطانية للاعتراف بإرث الإمبراطورية والعبودية والعنف الاستعماري وتعديله. في عام 2013 ردا على دعوى رفعها ضحايا التعذيب في كينيا المستعمرة، وافقت الحكومة البريطانية على دفع ما يقرب من 20 مليون جنيه إسترليني كتعويض للناجين؛ تم دفع تعويضات أخرى في عام 2019 للناجين في قبرص. الجهود جارية لإصلاح المناهج المدرسية، لإزالة الآثار العامة التي تمجد الإمبراطورية وتغيير عرض المواقع التاريخية المرتبطة بالامبريالية.
ومع ذلك، فإن كراهية الأجانب والعنصرية آخذة في الارتفاع، تغذيها السياسات السامة لبريكست. باختيار استثمار طويل الأمد في الكومنولث بين المتشككين في أوروبا (على حد سواء من اليسار واليمين) كبديل تقوده بريطانيا للتكامل الأوروبي، اتجهت حكومة جونسون (مع رئيسة الوزراء الحالية ليز تراس كوزيرة للخارجية) إلى رؤية «بريطانيا العالمية» وهي رؤية غامضة تعتمد على أنصاف الحقائق والحنين الإمبراطوري.
أدى طول عمر الملكة إلى استمرار تخيلات عفا عليها الزمن من العصر الإليزابيثي الثاني. لقد مثلت رابطا حيا للحرب العالمية الثانية وأسطورة وطنية مفادها أن بريطانيا وحدها أنقذت العالم من الفاشية. كانت لديها علاقة شخصية مع ونستون تشرشل، أول رئيس وزراء لها من بين 15 رئيسا، والذي دافع عنه جونسون بشراسة ضد الانتقاد المبرر لامبرياليته الرجعية. وكانت، بالطبع، ذات وجه أبيض على جميع العملات المعدنية والمذكرات والطوابع المتداولة في دولة سريعة التنوع: ربما من شخص واحد ملون في كل 200 بريطاني عند توليها، إلى واحد من كل سبعة حسب إحصاء عام 2011. والآن بعد أن ذهبت، يجب أن تنتهي الملكية الإمبراطورية أيضا. لقد حان الوقت، على سبيل المثال، للتصرف بناء على دعوات لإعادة تسمية وسام الإمبراطورية البريطانية، وهو وسام تمنحه الملكة لمئات من البريطانيين كل عام لخدمة المجتمع والمساهمات في الحياة العامة. عملت الملكة كرأس للدولة في أكثر من 12 دولة من دول الكومنولث، وقد يحذو المزيد منها الآن حذو باربادوس، التي قررت «ترك ماضينا الاستعماري وراءنا بالكامل» وأصبحت جمهورية عام 2021. ويمكن أن يساعد موت الملكة أيضا حملة جديدة من أجل استقلال اسكتلندا، والتي كان من المفهوم أنها تعارضها. على الرغم من أن قادة الكومنولث قرروا في عام 2018 تلبية «رغبة الملكة الصادقة» والاعتراف بالأمير تشارلز باعتباره الرئيس القادم للكومنولث، تؤكد المنظمة أن الدور ليس وراثيا.