الدولة الإمبراطورية القديمة التي غربت عنها الشمس بعد حرب السويس، ورفضت المشاركة في بناء السوق الأوروبية المشتركة، ثم انضمت إليها بعد شعور بالعزلة في مرحلة الحرب الباردة، واستمرت تقاتل حرب الجزيرة المتمردة ضد القارة العجوز لمدة 43 عاما، تشق طريقها وحيدة الآن في عالم صعب مضطرب، ينتقل فيه محور القوة من الغرب إلى الشرق. بريطانيا التي تحررت من نفوذ أوروبا تبحث لنفسها عن منطقة جديدة للنفوذ، وعن دور على مسرح السياسة العالمية، معتمدة على تاريخها وميراثها الحضاري، وعلى مصادر قوتها الناعمة المنتشرة في أركان العالم. بريطانيا تحاول من الآن إعادة اكتشاف نفسها.
أغلبية البريطانيين صوتت بالثقة للقيادة السياسية الجديدة لحزب المحافظين، بوريس جونسون ورفاقه، الذين قادوا معركة الخروج من الاتحاد الأوروبي. جونسون يتحدث عن استعادة الإرادة البريطانية المستقلة، ويطمح أن يقود بلاده على طريق جديد يعيد لها بعض ما كان من نفوذ. هو يضحي بخيار تجاري قائم مع شريك تجاري تستوعب أسواقه نصف صادرات بريطانيا، وتحصل منه بالمقابل على ما يقرب من نصف وارداتها، أملا في عقد صفقة تجارية مع شريك محتمل على الجانب الآخر من الأطلنطي، قدم وعودا بصفقة ممتازة، لكنها لم تتحقق بعد، وما تزال كل احتمالاتها مفتوحة.
بريطانيا تواجه عالما غير الذي عرفته من قبل، وربما غير الذي يعتقد بوريس جونسون أن في إمكانه ان يتفوق عليه، وان يحتل مكانا في صفه الأول. صحيح أن بريطانيا هي خامس أكبر اقتصاد في العالم، لكنها في عالم الكيانات العملاقة مجرد 15في المئة من الاتحاد الأوروبي. وصحيح أنها أكبر مستثمر أجنبي في الولايات المتحدة، وان الولايات المتحدة هي أكبر مستثمر أجنبي في بريطانيا، لكن هذا التشابك في المصالح بين الطرفين يرتبط بضرورة المحافظة على علاقات قوية بأسواق العالم الرئيسية وعلى رأسها الصين، وكذلك بالاتحاد الأوروبي وأسواق الدول الصناعية الصاعدة. حتى الآن لا يبدو ان بريطانيا ستركب الموجة الأمريكية بعينين معصوبتين، فهناك خلافات حول طبيعة العلاقات بالصين، وروسيا، والخليج، لن يتم حسمها بسهولة، على عكس ما يعتقد البعض.
بريطانيا من الآن تواجه مهمتين كبيرتين في وقت واحد: الأولى هي إبرام اتفاق جديد مع الاتحاد الأوروبي ينظم العلاقة بين الطرفين في كل المجالات تقريبا، من حقوق المقيمين إلى قواعد انتقال الأفراد وتجارة البضائع وحركة الأموال، وتبادل الخدمات، وتنظيم حركة سفن الصيد، وكافة الأمور المتعلقة بالأمن والدفاع وتبادل المعلومات والتعاون في المنظمات الدولية تجاه القضايا العالمية. وعلى الرغم من أن قيادات الاتحاد الأوروبي تعتقد أن الوقت -11شهرا – ليس كافيا للتوصل إلى اتفاقات كاملة بشأن هذه الأمور، فإن القيادة البريطانية أعلنت من خلال تصريحات لا لبس فيها على لسان رئيس الوزراء ووزير الخارجية وغيرهما، ان بريطانيا لن تطلب تمديد المرحلة الانتقالية التي تنتهي في آخر العام الحالي. هذا الموقف يخلق فجوة عن الموقف الأوروبي، ويضع المفاوضين من الطرفين في وضع شديد الصعوبة.
ولا أظن أن في مصلحة بريطانيا ان تخرج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق تجاري عادل، يضمن حرية تدفق السلع والخدمات بين الطرفين، ويوفر ما يلزم لتحقيق ذلك مثل المواصفات والمعايير وضمان حرية المنافسة على أرضية متكافئة. الحكومة البريطانية من البداية تطرح موقفا متشددا، فيما يتعلق بالالتزام بالنظم والمعايير الأوروبية في حركة السلع والخدمات. بوريس جونسون قال بوضوح إنه سيقبل بوجود نقاط للتفتيش الجمركي في الموانئ والمطارات ولن يقدم أي تنازل يمكن ان ينتقص من السيادة البريطانية على حدودها. إن فهم حدود سيادة الدولة هنا يحتاج إلى إعادة تعريف، حتى لا ينتهي الأمر بلجوء الطرفين إلى إدارة علاقاتهما التجارية على أساس قواعد منظمة التجارة العالمية. في هذه الحالة ستتعرض قطاعات الإنتاج والخدمات في بريطانيا لخسائر كبيرة، وكذلك في دول الاتحاد الأوروبي ذات العلاقات التجارية الكثيفة مع بريطانيا مثل فرنسا وهولندا والنرويج وألمانيا واسبانيا. أشد القطاعات تأثرا سيكون قطاع الخدمات المالية في بريطانيا، وقطاع الصيد في الاتحاد الأوروبي، والقطاع الزراعي لدى كل من الطرفين.
حرية الصيد
المفارقة الغريبة هنا هي أن القطاعات الأكثر قدرة على المنافسة لدى الطرفين مثل الصناعات التحويلية بشكل عام، لن تواجه مشكلة في ترتيبات التجارة الجديدة بعد خروج بريطانيا، بينما المشكلة الكبرى ستكون في القطاعات الاقتصادية التقليدية الأقل قدرة على المنافسة، التي تحتاج إلى حماية الدولة. في قطاع الإنتاج الحيواني سيكون أصحاب المزارع المصدرة للحوم ومنتجاتها في ويلز واسكتلندا وايرلندا الشمالية في وضع شديد السوء في حال عدم التوصل إلى اتفاق تجاري يقوم على أساس إلغاء الجمارك والرسوم والقيود الكمية. السبب في ذلك أن النسبة الأعظم من إنتاج هذه المزارع يذهب إلى الاتحاد الأوروبي. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق تجارة حرة، فإن منتجات هذه المزارع ستخضع لرسوم تصل إلى ما يقرب من 18 في المئة للحوم ومنتجاتها، وما يقرب من 44 في المئة لمنتجات الألبان. وهو ما يعني عمليا إخراج هذه المنتجات البريطانية من سوق الاتحاد الأوروبي. هذه المشكلة تنطبق أيضا على صناعتين كبيرتين في بريطانيا هما صناعة الملابس الجاهزة التي تبلغ رسومها الجمركية في أوروبا 11.5 في المئة وصناعة السيارات ومكوناتها 11.2 في المئة.
دول الاتحاد الأوروبي تواجه ضعفا شديدا تجاه بريطانيا فيما يتعلق بصناعة صيد الأسماك، وفيما يتعلق بحركة تنقل الأفراد وحقوق المقيمين. وتواجه السلطات المسؤولة على الجانبين ضغوطا قوية للمحافظة على مصالح صائدي الأسماك، وعلى مصالح المقيمين وحرية تنقل الأفراد. ففي فرنسا والنرويج والدنمارك وهولندا تمثل المياه الإقليمية البريطانية، سواء في بحر المانش، أو في الجانب الشمالي الشرقي من المحيط الأطلنطي من أغنى وأجود مناطق الصيد في العالم. ويعتبر أصحاب صناعة الصيد وتجهيز الأسماك في هذه الدول أن استمرار حرية سفن الصيد التابعة لهم في المياه البريطانية مسألة حياة أو موت. ويشكل هؤلاء مجموعات ضغط قوية في بلدانهم وعن طريق ممثليهم في البرلمان الأوروبي، من أجل الاحتفاظ بحرية الصيد في المياه البريطانية في أي اتفاق تجاري جديد. وعلى الجانب الآخر يعتبر صائدو الأسماك من البريطانيين أن دخول سفن الصيد الأوروبية يدمر مصدر رزقهم، وأنهم الأولى بالثروة السمكية الموجودة في حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لبريطانيا.
المفاوضات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق جديد ينظم العلاقات بين الطرفين لن تكون سهلة، وسوف يزيد من صعوبتها أن المفاوضين من الطرفين سيربطون موضوعات التفاوض ببعضها البعض، ولن يتفاوضوا على تلك الموضوعات كل بمفرده، نظرا لما أشرنا إليه من أن لدى كل من الطرفين نقاط ضعف ونقاط قوة. ومن ثم فإن هدف المفاوض الأوروبي سيكون الضغط بالمزايا التجارية التي سيمنحها للمزارعين أو صناعة السيارات أو قطاع الخدمات المالية في بريطانيا من أجل الحصول على تنازلات تتعلق بحرية الصيد في المياه البريطانية أو بحرية تنقل الأفراد عبر الحدود. هذا التشابك بين موضوعات التفاوض من شأنه أن يضيف أاعباء ثقيلة على كاهل المفاوضين. وإذا افترضنا أن جلسات المفاوضات في مجموعها لن تتجاوز 22 جلسة على أقصى تقدير بمعدل جلسة كل أسبوعين، فإن هذا يوضح أننا بصدد مفاوضات شديدة الصعوبة، قد تحتاج إلى حلول مبتكرة، ربما يكون من بينها إعطاء الأولوية لاتفاقين شاملين، واحد للاقتصاد وآخر للسياسة الخارجية والأمن والدفاع، أو توقيع اتفاق مرحلي أولي يتناول المسائل العاجلة على غرار اتفاق المرحلة الأولى التجاري بين الولايات المتحدة والصين.
وعلى صعيد الإدارة السياسية للمفاوضات، فإن كلا من الطرفين الأوروبي والبريطاني يواجه مشكلة من نوع مختلف، تتمثل في طول سلسلة القيادة وعملية اتخاذ القرار النهائي بشأن المسائل الشائكة في الاتحاد الأوروبي، كما تتمثل في تعدد المهام ومسارات التفاوض في بريطانيا، بما يجعل من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي خارج نطاق المجهود الاستراتيجي الرئيسي للقيادة السياسية نظرا للرغبة في البدء في مسارات تفاوضية أخرى مع الولايات المتحدة والصين والخليج وإسرائيل وربما الهند. وعلى التوازي ستكون الحكومة البريطانية في مواجهة تحديات كبيرة وقرارات صعبة في تسيير الاقتصاد وإعادة بناء القاعدة الإنتاجية واللوجستية في شمال انكلترا على أسس جديدة لضمان ولاء الناخبين الذين تحولوا عن تأييد حزب العمال وصوتوا للمحافظين للمرة الأولى في انتخابات كانون الأول/ديسمبر 2019. وفي هذا السياق فإن الميزانية العامة الجديدة التي سيعلنها وزير الخزانة في اذار/مارس المقبل، ستمتص قدرا كبيرا من تركيز ومجهود الحكومة. ببساطة ستجري مفاوضات تاريخية صعبة بينما كل من الطرفين يواجه أولويات أخرى لا تقل أهمية.