بريطانيا: حزمة مالية للتنشيط تؤكد مسؤولية الدولة وقطاع الأعمال في الحد من الكساد

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

تعيش بريطانيا حاليا في اقتصاد حرب، له سياسته وقواعد إدارته الاستثنائية، لكنه ليس اقتصاد حرب كذلك الذي عاشته في الأربعينيات من القرن الماضي، ولا في فترة حرب الفوكلاند التي وقعت عام 1982 وحلت ذكرى بدايتها في الشهر الحالي، إنه اقتصاد الحرب على كورونا، وهو لا يخلو من الضحايا ولا من الأبطال الرابحين. بريطانيا في ذلك ليست مثل غيرها، لأن هذه الحرب جاءت في وقت يخوض فيه اقتصادها حربا أخرى لها أبعادها الإقليمية والعالمية، ألا وهي حرب التكيف مع الخروج من الاتحاد الأوروبي “بريكست” بعد ما يقرب من نصف قرن من عضوية البلاد في المجموعة الأوروبية التي تمثل أكبر كتلة تجارية في العالم. وبهذا فإن بريطانيا تخوض حربين اقتصاديتين في وقت واحد، ما يجعل أعباء السياسة الاقتصادية وإدارة أجهزة الإنتاج والخدمات والعلاقات مع العالم أشد قسوة وأكثر خطورة.

ومنذ أعلن وزير الخزانة الجديد الشاب ريشي سوناك، مشروع الميزانية العامة للدولة للسنة المالية الجديدة التي بدأت هذا الشهر، فإنه أخذ في الحسبان ضرورة تجاوز السياسة الاقتصادية ذات الأساس الإيديولوجي، التي التزمت التقشف وتخفيض الإنفاق العام لمدة عشر سنوات. سوناك كانت لديه الجرأة بما يكفي لإعلان زيادة الإنفاق العام عن طريق الاقتراض من الجهاز المصرفي لتمويل حزمة من الأنشطة التي من شأنها ان تساعد الاقتصاد على الصمود في حرب بريكست. ومع أن الاقتراض من شأنه أن يزيد عجز الميزانية والدين العام، فإن سوناك قال إنه سيؤدي أيضا لإضافة نصف نقطة مئوية إلى معدل النمو الاقتصادي المتوقع للعام المالي الجديد.

إلى أي حد سيكون الكساد الاقتصادي عميقا؟

تنشيط

وما هي إلا أيام قليلة بعد إعلان الميزانية الجديدة، حتى أتخذ رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون حزمة من الإجراءات الاحترازية لمكافحة انتشار فيروس كورونا، ودعا وزيره إلى إعلان حزمة تنشيط مالي واقتصادي لإنقاذ قطاعات الأعمال والعمال من مخاطر انتشار الفيروس وتقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن. وطبقا لذلك أعد وزير الخزانة بالتعاون مع محافظ بنك إنكلترا حزمة مالية ضخمة، جرى تطويرها خلال الأيام التالية بقيمة تزيد عن 400 مليار جنيه إسترليني تتضمن قروضا وتسهيلات ائتمانية وإعفاءات ضريبية للشركات، وتلتزم الحكومة بمقتضاها بدفع 80 في المئة من أجور العاملين الذين تستبقيهم الشركات، حتى لا يرتفع معدل البطالة ارتفاعا صارخا، ومنح قطاع الرعاية الصحية المزيد من الموارد الإضافية لشراء احتياجاته، والاستعداد للتدخل في السوق بشراء أسهم في الشركات الكبرى المتعثرة على غرار ما فعلت الحكومة في عام 2008.

كما تضمنت حزمة الإجراءات المالية، التزام الحكومة بدفع رواتب تعادل 80 في المئة من متوسط الدخل الشهري للأفراد الذين يعملون لحساب أنفسهم، بحد أقصى 2500 جنيه شهريا، ويبلغ عددهم حوالي 5 ملايين شخص. وكذلك زيادة إعانات الغذاء والإعانات الاجتماعية لذوي الدخل المحدود. وقد اكتملت هذه الإجراءات تقريبا بينما كانت الحكومة تعلن إغلاقا كاملا لكافة الأنشطة الاقتصادية غير الضرورية، والسماح فقط باستمرار القطاعات الحيوية في الحرب على كورونا، وفي مقدمتها قطاع الرعاية الصحية وخدمات الإسعاف والبوليس والحماية المدنية وصناعات وأنشطة الإمدادات الطبية والغذائية، وكل ما يرتبط بها. وقالت بكلمات واضحة أنها تتابع الموقف بدقة ساعة بساعة، وإنها على استعداد لاتخاذ كل القرارات الضرورية التي تجنب البلاد مخاطر انتشار الفيروس، مع إعطاء أولوية بالغة لاحتياجات قطاع الرعاية الصحية بشريا وماديا.

هذه الإجراءات على الرغم مما لها من أثر إيجابي على تخفيف الأضرار الاقتصادية الناتجة عن انخفاض قوة العمل، وانكماش حركة الانتقالات والسفر والتجارة، فإنها في الوقت نفسه تركت أثرا سلبيا على قوة الاقتصاد ككل. وكان من نتائج ذلك تخفيض التصنيف الائتماني لبريطانيا إلى مستوى يعادل دولا مثل بلجيكا والتشيك. كما أدت إلى انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني، الذي خسر أكثر من 10في المئة من قيمته خلال معاملات الربع الأول من العام الحالي مسجلا مستوى متدنيا بلغ 1.16 دولار مقارنة بحوالي 1.30 دولار في بداية الفترة.

وعلى التوازي فإن سوق المال البريطانية سجلت خسائر حادة خلال الأسابيع الأخيرة خصوصا بعد قرارات رئيس الوزراء إعلان حال الطوارئ لأسباب صحية منذ 23 اذار/مارس الماضي. ولم تكن سوق المال في لندن وحدها التي تعاني من الخسائر، وإنما هي سارت في هذا الاتجاه مع كل أسواق الشرق الأقصى وأوروبا والولايات المتحدة. وقد أنهت أسواق المال الرئيسية الربع الأول من العام الحالي بخسائر تصل إلى أكثر من 20 في المئة من قيمة الأصول المتداولة.

ومن المتوقع ان يتعرض الاقتصاد لانكماش حاد في النصف الأول من العام الحالي، على الرغم من حزمة التنشيط المالي والاقتصادي. ففي قطاع الخدمات يتعرض قطاع السياحة والطيران والنقل والفنادق والمطاعم والنوادي والترفيه لضربة قوية جدا، حيث توقف عن العمل تقريبا، وهو ما يعني خسارة جزء مهم من الإنتاج المحلي. كما تعرض القطاع الصناعي هو الآخر، وفي القلب منه صناعة السيارات والطائرات لضربة كبيرة، ما أدى إلى إغلاق كامل لعدد من مصانع السيارات والطائرات خصوصا في إنكلترا وايرلندا الشمالية. ولولا أن الحكومة قدمت دعما لهذه الصناعات، وتعهدت بدفع أجور العاملين لمدة 3 أشهر لكانت الأمور قد زادت سوءا في كل نواحي الحياة، خصوصا في منطقة الحزام الشمالي من إنكلترا، التي صوتت لحزب المحافظين في الانتخابات الأخيرة، على الرغم من ولائها التقليدي لحزب العمال.

وقد زاد من سوء الأحوال في اسكتلندا ان صناعة النفط والغاز أصيبت هي الأخرى بانخفاض حاد في الإيرادات خلال الربع الأول من العام، بسبب حرب الأسعار في سوق النفط، التي تشنها السعودية على المنتجين الآخرين. وعلى الرغم من أن هذه الصناعة تسهم في الناتج المحلي الإجمالي لبريطانيا بنسبة ضئيلة تبلغ حوالي 1.2 في المئة إلا ان شركات النفط والغاز العاملة في بحر الشمال والتي توجد مقراتها الرئيسية في اسكتلندا، تلعب دورا كبيرا في توفير فرص العمل المباشرة وغير المباشرة في اقتصاد اسكتلندا. كذلك من المتوقع أن تنخفض المستحقات الضريبية التي ستدفعها الشركات عن السنة المالية المنتهية في آخر اذار/مارس، نتيجة انخفاض إيراداتها. كما أن استثماراتها المتوقعة في السنة الجديدة تقل كثيرا عما كانت عليه في العام الماضي.

وطبقا لمعطيات التحليل الاقتصادي والمؤشرات المتوفرة حتى الآن، فإن مكتب الميزانية، وجهاز الإحصاء المركزي، وعددا من بيوت الاستثمار الرئيسية، يتوقع ان ينكمش الاقتصاد البريطاني في النصف الأول من العام الحالي بنسبة تتراوح بين 8 في المئة إلى 10 في المئة أو أكثر، أي بما يتجاوز نسبة الانكماش الذي تعرض له الاقتصاد خلال ذروة الأزمة المالية الأخيرة عام 2008 أو خلال سنوات الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي. وقد أقام الاقتصاديون توقعاتهم على أساس فرضية أن القيود المفروضة بسبب وباء كورونا ستسقط تدريجيا خلال النصف الثاني من العام، بما يسمح للاقتصاد باستئناف النمو. لكن هذه الفرضية نفسها ستسقط إذا استمر العمل بالإجراءات الاحترازية لما بعد النصف الأول من العام الحالي.

ومع ذلك، فقد أثبتت بعض الصناعات البريطانية، وبعض مجالات الخدمات الجديدة قدرة هائلة على التكيف وتحقيق معدلات نمو سريعة، تحت وطأة إجراءات اقتصاد الحرب على فيروس كورونا. ونستطيع أن نرصد بسهولة انتعاش قطاع التسوق الإلكتروني والمشتريات عبر الإنترنت، وقطاع الاتصالات. كما تضمنت قائمة الشركات المستفيدة، تلك التي استطاعت بسرعة أن تعيد تصميم بعض خطوط الإنتاج لديها لمقابلة الزيادة الهائلة في الطلب على احتياجات الحرب على كورونا، مثل شركات المشروبات الكحولية، التي تحولت إلى إنتاج المطهرات الكحولية ومواد التعقيم الطبية، وشركات الملابس الجاهزة التي تحولت إلى صناعة كمامات الوجه والقفازات الطبية والملابس الواقية، وصولا إلى شركات السيارات والطائرات التي حولت بعض خطوطها الإنتاجية إلى صناعة أجهزة التنفس الاصطناعي ومعدات الكشف عن فيروس كورونا والتشخيص المبكر للإصابة به.

ومن المرجح كذلك أن يتأثر اقتصاد الحرب على كورونا في بريطانيا بعوامل خارجية إضافة إلى العوامل المحلية. ذلك أن عددا كبيرا من الصناعات في بريطانيا، مثل غيرها من الدول الصناعية، ترتبط بالعالم الخارجي بعلاقات تشابك قوية من ناحية سلسلة الامدادات؛ فإذا حدث نقص في أحد مكونات إنتاج سلعة معينة لأي سبب خارجي، فإن ذلك يعني توقف خط الإنتاج بأكمله، حتى يتم تعويض النقص في المكونات من مصادر أخرى، أو حتى عودة المصدر الأصلي للعمل.

وتقدر المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد والمجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة أن السؤال الاقتصادي الأول حاليا، ليس ما إذا كان العالم سيتعرض في العام الحالي لكساد أم لا، وإنما السؤال هو إلى أي حد سيكون الكساد المقبل عميقا وطويلا؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية