“بريكست” التحديات والمخاطر وأزمة الخروج

صادق الطائي
حجم الخط
0

لم يعد سرا إن الاستفتاء الذي أجري في 23 حزيران/يونيو 2016 في المملكة المتحدة كان في الأصل ورقة من أوراق اللعبة الانتخابية التي لعبها رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون في الانتخابات البرلمانية عام 2015. حينها فاز حزب المحافظين فوزا ساحقا دون الحاجة لشركائهم في الحكومة الائتلافية السابقة حزب الديمقراطيين الأحرار. إذ حصل الجناح المعتدل في حزب المحافظين الذي يقوده كاميرون على دعم الجناح الراديكالي من الحزب الذي يقوده بوريس جونسون، بالإضافة لدعم بعض الأحزاب الصغيرة مثل حزب “يوكب” حزب “استقلال المملكة المتحدة” اليميني الشعبوي بقيادة نايجل فاراج و”الحزب القومي الاسكتلندي” بقيادة نيكولا سترجون، مقابل وعد أطلقه ديفيد كاميرون لشركائه في حال فوزه في الانتخابات بإجراء استفتاء شعبي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

المفارقة ان جناح كاميرون تساعده وزيرة الداخلية حينها تريزا ماي كان معارضا للخروج، بينما كان جناح صقور بريكست بقيادة عمدة لندن حينها ووزير الخارجية السابق بوريس جونسون يقيمون المؤتمرات الشعبية لحشد الرأي العام للخروج من الاتحاد الأوروبي. عندما فاز المطالبون بالخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة ‏51.9 في المئة‏ من إجمالي عدد المشاركين في الاستفتاء البالغ حوالي 33.5 مليون بريطاني. حدثت هزة في العالم صباح اليوم التالي للاستفتاء، أطلق عليها الإعلام اسم “الجمعة السوداء”. إذ باتت بريطانيا أول دولة تنوي مغادرة الاتحاد الأوروبي الذي دخلته عام 1973 وتسبب الحدث في خسارة أسواق المال العالمية 3 تريليون دولار، كما تراجع الجنيه ‏الاسترليني بشكل لافت، وأعلن “بنك انكلترا” استعداده لضخ 250 مليار جنيه استرليني في الأسواق لضمان توافر السيولة وإيقاف تدهور الاسترليني‎.‎

أزمة كادت تطيح بالحكومة

 

منذ استقالة ديفيد كاميرون عام 2016 وفوز تريزا ماي برئاسة الحكومة التي تولت إدارة ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي تحاول رسم خريطة طريق في هذا المسار الشائك بأقل الأضرار الممكنة لبريطانيا، وقد تعرضت حكومتها لهزة خطيرة كادت تطيح بها في تموز/يوليو الماضي. فبعد ان طمأنت ماي مؤيدي حزبها إلى أنها توصلت إلى اقناع مجلس وزارئها بخريطة طريق ستخرج بالمملكة ‏المتحدة من الاتحاد الأوروبي بأقل الخسائر، فوجئ الشارع باستقالات صقور “بريكست” من الحكومة، ما أكد ان الأزمة مستمرة في الاشتعال بين طرفي النزاع في حزب المحافظين، فجناح الصقور ‏ممثلا بوزير الخارجية بوريس جونسون ومعه وزير شؤون الخروج من الاتحاد الأوروبي ‏ديفيد ديفز ومعه بعض الوزراء بدون حقائب وزارية دفعوا في اتجاه التشدد في مستقبل العلاقات ‏التجارية مع بروكسل والتشدد بشأن الحدود بين جمهورية ايرلندا وايرلندا الشمالية، فيما بات يعرف ‏بالمشكلة الايرلندية في بريكست، وطالبوا بفرض تعريفة جمركية وتعامل متشدد مع رعايا الاتحاد الأوروبي.

بينما رأى الجناح المقابل في حكومة المحافظين، الذي يضم بالإضافة إلى رئيسة الوزراء كلا من وزيري المالية فيليب هاموند والصناعة غريغ كلارك، ضرورة السير في اتجاه حلول أقل تشدداً، قائمة على شراكة جمركية غير مسبوقة تجني من خلالها المملكة المتحدة رسوماً باسم ‏الاتحاد الأوروبي على سلع تعبر أراضيها لكنها مخصصة للتكتل. كما رأى هذا الجناح ان التشدد في ‏التفاوض مع الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى خسائر كبيرة لمستقبل الاقتصاد البريطاني الذي تعرض ‏لهزات عنيفة منذ 2016‏.

ماذا يتضمن الاتفاق؟

 ‏

يتوقع المحللون ان التهديد سيكون الورقة الأكثر تأثيرا التي ستستخدمها تريزا ماي في خطابها الذي ستلقيه أمام ‏مجلس العموم عند التصويت على اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي في جلسة 11 كانون الأول/ديسمبر المقبل، إذ ستكون واضحة ‏وتخير النواب بين الموافقة على الاتفاق أو الفوضى. لكن ما هي النقاط التي تضمنها الاتفاق الذي لا يبدو واضحا ‏حتى الآن للمراقب؟

يتعين على بريطانيا حسب اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي دفع مبلغ 39 مليار جنيه استرليني للاتحاد ‏الأوروبي لتغطية ما تدين به. وان الفترة الانتقالية ستمتد من 29 اذار/مارس عام 2019 حتى 31 كانون الأول/ديسمبر عام ‏‏2020 وهذه الفترة لن ‏تشهد تغييرات كبيرة بخصوص السماح لبريطانيا والاتحاد الأوروبي بالتوصل لاتفاق تجاري ولمنح ‏فرصة ‏للمؤسسات التجارية بتعديل وضعها. أما ما يخص الهجرة فسيظل من حق مواطني الاتحاد ‏الأوروبي وأسرهم الانتقال لبريطانيا بحرية قبل 31 ‏ كانون الأول/ديسمبر عام 2020‏. أما على صعيد التجارة ‏البينية فلن يكون هناك أي تغيير في هذا الملف خلال الفترة الانتقالية. لكن يبدو ان العقبة الأساسية تتمثل ‏في المشكلة الايرلندية، إذ لا تريد بريطانيا ولا الاتحاد الأوروبي حدودا بين ايرلندا الشمالية وجمهورية ‏ايرلندا ‏ولكن هناك اتفاقية بشأن الحواجز.‏

الكرة في ملعب البرلمان البريطاني

 ‏

تمر تريزا ماي بأوقات عصيبة هذه الأيام، إذ تواجه عاصفة في البرلمان سواء من نواب حزبها أو من المعارضة العمالية الرافضة للاتفاق. فبعد ان وافق قادة الاتحاد الأوروبي على اتفاقية بريكست في 25 تشرين الثاني/نوفمبر بات على بريطانيا ان تقر الاتفاق عبر تصويت مجلس العموم البريطاني في جلسة يوم 11 كانون الأول/ديسمبر المقبل، وإذا ما أقر الاتفاق فإن على بريطانيا تنفذ الخروج من الاتحاد الأوروبي في 29 اذار/مارس 2019 إذ ستُنهي المملكة المتحدة عضويتها في جميع المعاهدات ذات العلاقة بعضويتها السابقة في الاتحاد الأوروبي كالاتحاد الجمركي والسوق الموحدة والاتفاقيات ‏التجارية الدولية التي عقدها الاتحاد الأوروبي. الآن أصبحت الكرة في ملعب البرلمان البريطاني. وابتدأت مهمة تريزا ماي العسيرة في جمع الأصوات المؤيدة للاتفاق. إذ تحتاج في جلسة البرلمان المقبلة إلى 320 صوتا لتمرر اتفاقية الخروج، وهو عدد كبير بالنسبة لحجم المعارضة الرافضة للاتفاقية في المجلس. إذ لم تضمن ماي سوى ‎244 ‎ نائبا من حزبها يؤيدون الاتفاق، لكنها مع ذلك تعمل بشكل حثيث على كسب الأصوات الباقية من الحزب الديمقراطي الوحدوي الايرلندي الذي تتوقع حصولها منه على 10 أصوات، كما تعمل على كسب 15 صوتا متمردا من حزب العمال يؤيدون الاتفاق، ليبقى جهد تريزا ماي الأساسي منصبا على استكمال الأصوات اللازمة عبر كسب الأصوات المترددة من حزبها في محاولة للفوز بهذه الجولة.

فشل الحملة المناهضة لبريكست

 

طوال السنتين الماضيتين كان هناك تيار يسعى لإلغاء ما يعرف بالمادة 50 عبر إجراء استفتاء ثان يلغي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقد سعى سياسيون اسكتلنديون يعارضون بريكست إلى محكمة العدل الأوروبية لتوضح موقفها من الأمر فيما إذا كانت لندن تستطيع أن تسحب ملاحظاتها بشأن الخروج من التكتل الأوروبي دون إذن من أعضاء الاتحاد الآخرين. وفي الوقت نفسه يأمل بعض الأوروبيين من مؤيدي عدم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذين يريدون استفتاء ثانيا، أن تمنح القضية خيار أن تغير بريطانيا رأيها في استفتاء ثان وأن تبقى داخل التكتل. لكن محكمة العدل الأوروبية حسمت الأمر في جلستها في 27 تشرين الثاني/نوفمبر.

وفي ضربة موجهة لحملة مناهضة بريكست، قال كبار المحامين في الاتحاد الأوروبي إن قرار المملكة المتحدة بمغادرة الاتحاد لا يمكن سحبه من جانب واحد. تم ذلك في جلسة استماع في محكمة العدل الأوروبية لتقرير ما إذا كان يمكن إلغاء بند الخروج من الاتحاد الأوروبي من قبل المملكة المتحدة، وقد أصر محامو المجلس الأوروبي واللجنة الأوروبية على أن الحكومات الأوروبية يجب أن توافق بالإجماع على أي تحرك من بريطانيا لعكس قرارها بالخروج. وأصر هوبير ليغال كبير محامي المجلس الأوروبي على: “إن الإجراء الوطني غير كاف لسحب البساط الذي أُجبر الجميع على الوقوف عليه”.

 الخروج دون اتفاق

 

يرى المتشائمون ان نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق ستكون كارثية بالنسبة للمملكة المتحدة، إذ قد يؤدي ذلك إلى ابتلاع الاتحاد الأوروبي لايرلندا الشمالية التي ستبقى مفتوحة الحدود على الاتحاد الأوروبي عبر أراضي جمهورية ايرلندا، وربما سيثير ذلك المشكلة الايرلندية التاريخية المتمثلة في الصراع بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا من جديد. بينما يهدد الاسكتلنديون بإجراء استفتاء ثان للخروج من المملكة المتحدة يتبعه تقديم طلب للانتماء للاتحاد الأوروبي، بل وصل الأمر حتى إلى ويلز التي من المتوقع ان تطالب بما تطالب به اسكتلندا.

ورسمت حكومة تريزا ماي سيناريو مرعبا للخروج من الاتحاد دون اتفاق، فقد نشرت مراكز بحثية حكومية أكثر من 80 تقريرا عن عواقب الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، مبينة ان التأثيرات ستمتد لتشمل انهيار منظومة إمدادات الغذاء والأدوية في بريطانيا واحتمالية رحيل معظم المصارف والمؤسسات المالية، وصولا إلى توقف معظم القطاع الصناعي وخاصة صناعة السيارات بسبب ارتباط نشاطها بالاتحاد الأوروبي.

وقد أشار بعض المحللين الاقتصاديين إلى ان بريطانيا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي. الطريق الأول هو القبول بالاتفاق لاستعادة سيادة شكلية والبقاء داخل السوق الموحدة التي تشمل حركة السلع والأشخاص لتحظى بريطانيا في وضع مماثل للنرويج وسويسرا، وستكون حينها خارج الاتحاد لكنها تطبق جميع قواعد الاتحاد. أما الطريق الآخر فيتمثل في فشل الاتفاق وعدم تمريره في البرلمان، وعندها ستخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، وهذ الأمر سيؤدي إلى تدهور كبير في قيمة الجنيه الاسترليني وشلل اقتصادي ربما سيمثل الهزة الأكبر التي مر بها السوق البريطاني حتى الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية