بريكست: الفصل الأخير ينتظر إسدال الستار

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

من وجهة نظر درامية فإن اللاعبين في مسرحية بريكست من الجانبين البريطاني والأوروبي، أصبحوا أشد حرصا على إثارة المشاهدين وخلق انطباعات تثير التفاؤل، وأخرى تثير المخاوف وتنثر رائحة الكارثة في المكان، وكل لاعب يريد أن يقول لجمهور المشاهدين أنه هو صاحب الكلمة الأخيرة. جونسون يتمسك بسيادة بلاده على مياهها البحرية وثروتها السمكية في مواجهة الاتحاد الأوروبي “الجشع” الذي يريد أن يحصل صيادوه على فرصة مفتوحة للحصول على ما يريدون من أسماك القنال الإنكليزي وبحر الشمال. بينما المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تعتقد أن بريطانيا تريد أن تكون هي من تتولى القسمة ومن تختار أولا ، من أجل أن تستمتع بالحسنيين، حرية التعامل مع العالم بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، والاحتفاظ لنفسها بالمزايا التي كانت تتمتع بها وهي عضو في الاتحاد. ميركل تتهم بريطانيا بالرغبة في عدم الالتزام بالمعايير الاجتماعية للعمل والبيئة في المستقبل. بينما جونسون يتهم الاتحاد الأوروبي بالعمل على جعل بريطانيا رهينة مدى الحياة للتشريعات والقوانين الأوروبية حتى وهي دولة غير عضو. جونسون يدعو حكومته وأعضاء مجلس العموم للاستعداد لإنهاء العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق تجاري، بينما دول الاتحاد أعدت فعلا خططا للتعامل مع خروج بريطانيا بغير اتفاق.

خسارة ثقيلة متبادلة

من الناحية الاقتصادية البحتة يعتبر عدم التوصل إلى اتفاق تجاري خسارة متبادلة للطرفين. بمعنى أن ذلك ينطوي على لعبة مكلفة غير رابحة، ليس ذلك فقط، بل إن تداعياتها هي أكبر من تداعيات أزمة كورونا على الصعيد الاقتصادي، وسوف يستمر تأثيرها لعقود طويلة قادمة حسب تقدير أندرو بايلي محافظ بنك إنكلترا الذي يحذر بقوة من خطورة الخروج بدون اتفاق. الحقيقة التي لا يجهلها أحد، لكن السياسيين يحاولون تجاهلها أو التلويح بأنهم على استعداد لتجاهلها، تتمثل في أن بريطانيا هي أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، وتستوعب أسواق الطرفين ما يقرب من نصف التجارة السلعية والخدمية بين كل منهما وبين العالم أجمع. في العام الماضي بلغت قيمة صادرات بريطانيا للاتحاد الأوروبي 294 مليار جنيه استرليني، بنسبة 43 في المئة من صادراتها الكلية. وفي مقابل ذلك صدرت دول الاتحاد الأوروبي إلى بريطانيا ما قيمته 374 مليار جنيه. على المحك تجارة بقيمة تصل إلى تريليون دولار سنويا، وهو ما يتطلب حكمة شديدة في التعامل مع الفصل الأخير للمفاوضات.
ومن المتوقع مع بداية العام المقبل، سواء تم التوصل إلى اتفاق تجاري، أم انفصلت القوتان بدون اتفاق، أن تشهد العلاقات التجارية اضطرابا شديدا خلال الأشهر الثلاثة الأولى على الأقل، بافتراض نجاح خطط الطوارئ لتغطية الاختلالات المتوقعة في حركة نقل البضائع بين الطرفين. وطبقا لما قاله بوريس جونسون يوم الخميس قبل مغادرته إلى بروكسل، ثم على العشاء مع القادة الأوروبيين، فإن أول كانون الثاني/يناير سيكون مختلفا تماما عن ذي قبل. في كل الأحوال سيصبح البريطانيون والأوروبيون وقد وجدوا أن منافذ العبور الحر للأفراد والسلع والشاحنات قد تحولت إلى حدود جمركية، ونقاط للتفتيش مليئة بالإجراءات الإدارية التي تعوق انسياب حركة البضائع والأفراد. سيجد الأوروبيون والبريطانيون أن ترتيبات السفر على الجانبين قد تغيرت تماما، لدرجة إعاقة التدفق العادي للأفراد والسلع الذي تمتع به المواطنون على الجانبين لعقود طويلة. وعلى الرغم من أن شروط إقامة مواطني بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، ومواطني الاتحاد الأوروبي في بريطانيا لن تتغير حالا، إلا أن المستقبل قد يحمل معه عشرات المفاجآت مع التغيرات المستمرة في القوانين الأوروبية التي أكدت بريطانيا انها لن تهتم بالتواؤم معها في المستقبل.

اتفاق من حيث المبدأ.. ولكن؟

ومع ذلك فإن ما يقرب من خمس سنوات من المفاوضات المضنية من أجل الاتفاق على ترتيبات جديدة للعلاقات قد نجحت فعلا في تحقيق عدد من الاتفاقات الجزئية المهمة مثل بروتوكول التجارة عبر الحدود الايرلندية، وكذلك ترتيبات تنظيم العلاقات بين المؤسسات المالية البريطانية والأوروبية، إضافة إلى وجود خطوط عامة متفق عليها لترتيبات التجارة بين الطرفين، تعترضها حاليا خلافات مصدرها مماحكات سياسية أكثر منها مصالح اقتصادية.
الحقيقة الناطقة تؤكد ان بريطانيا هي امتداد اقتصادي للاتحاد الأوروبي، وأن الأسواق الأوروبية هي أسواق التصدير الطبيعية لبريطانيا، سواء بقوة القرب الجغرافي أو نتيجة تشابه ميول المستهلكين. وسوف تواجه بريطانيا صعوبات شديدة جديدة في العثور على سوق واحدة تكفيها عن أوروبا بحجمها وقوتها الاقتصادية ونمط الانفاق الاستهلاكي فيها.
وربما تلعب الخسائر المتوقعة على الجانبين دور البطل المنقذ في الأيام القليلة المقبلة، لإنقاذ مفاوضات الاتفاق التجاري من الانهيار. وسوف نرى كيف سيلعب الممثلون على خشبة المسرح أدوارهم في الخير أو في الشر. لكن مقدار التوتر عند النقاط الحدودية، وخصوصا نقاط عبور الشاحنات والبضائع سيزيد يوما بعد يوم، خصوصا مع تداخل احتياجات التسوق للكريسماس وأعياد الميلاد، مع احتياجات الإجراءات الاحترازية لمواجهة أزمة كورونا، والتوتر المصاحب لموسم بدء التطعيم ضد كوفيد – 19 الذي يتداخل أيضا مع احتياطات التطعيم ضد الأنفلونزا الموسمية ومخاطرها. لقد اصطفت الشاحنات عند نقاط العبور الدولية على جانبي الحدود بطول يمتد أميالا وأميال، انتظارا لدور مبكر في اجتياز الحدود قبل البدء في تطبيق إجراءات الفحص والتفتيش التي سوف تؤدي إلى إطالة أمد رحلات شاحنات البضائع بالساعات.

ارتفاع متوقع لأسعار الغذاء

المشكلة الكبرى التي سيواجهها المستهلكون في بريطانيا بسبب بريكست، سواء باتفاق أو بدونه، تتمثل في زيادة متوقعة لأسعار السلع الغذائية المستوردة من دول الاتحاد الأوروبي مثل إسبانيا وفرنسا واليونان وايطاليا، وسوف تتضاعف هذه الزيادات في حال الخروج بغير اتفاق، كما سيؤدي عدم وجود اتفاق إلى زيادة اضطراب حركة الشاحنات. وعلى الرغم من أن بعض سلاسل تجارة السلع الغذائية تحاول عقد اتفاقات مع منتجين من خارج الاتحاد الأوروبي، لتنويع سلسلة الإمدادات، فإن دول جنوب أوروبا ما تزال هي المصدر الموثوق فيه أكثر من غيره، والأكثر توافقا مع أذواق المستهلكين في بريطانيا الذين تعودوا على منتجاته منذ عشرات السنين.
وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية تحاول من ناحيتها البحث عن أسواق بديلة لصادراتها، فإن نجاحها في تحقيق تقدم على هذا الطريق ما يزال محدودا، حيث وقعت اتفاقات مع شركاء أقل أهمية من ألمانيا وفرنسا ودول الاتحاد الأوروبي ككل. ومن الدول التي تم الاتفاق معها كندا واليابان وسنغافورة. وسيكون المزارعون وصناعات السيارات والملابس والتأمين من أكثر القطاعات تعرضا للخسارة في بريطانيا. وتسعى حكومة جونسون إلى استثمار علاقات بريطانيا التاريخية بمستعمراتها السابقة مثل الهند وجنوب شرق آسيا سنغافورة ودول الخليج العربية والعراق ومصر والسودان وأفريقيا، من أجل بناء شبكة من العلاقات التجارية الجديدة مع العالم تقلل من تأثير خسارة بريطانيا لأسواقها التصديرية الرئيسية في أوروبا. وكانت حكومة جونسون تأمل في توقيع اتفاق تجاري سريع مع الولايات المتحدة قبل انتهاء فترة حكم دونالد ترامب، تحصل فيه على مزايا تساعدها على اختراق أكبر أسواق العالم. ويبدو أن الحظ لم يحالف الحكومة حتى الآن، كما يبدو أيضا أن توقيع اتفاق تجاري مع بريطانيا ليس من أولويات الرئيس المنتخب جوزيف بايدن، الذي أعلن انه يريد أولا التأكد من زيادة القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، قبل أن يتجه لعقد اتفاقات مع القوى التجارية الكبرى في العالم.

فائض في الإسكان الإداري

وإلى جانب الصدمات المتوقعة في سلاسل تجارة السلع الغذائية والأدوية والنقل، فإن بريطانيا ستواجه رحيلا منظما خلال الأشهر المقبلة للمؤسسات المالية الدولية العاملة في حي المال في لندن. وقد أصبحت مدينة فرانكفورت العاصمة الاقتصادية لألمانيا هي فرس الرهان الذي يجتذب الآن أهم المجموعات المالية الدولية العاملة في أوروبا التي كانت تتركز في لندن. وتشير التقارير الأخيرة، ومنها تقرير نشرته بلومبرغ منذ يومين، إلى أن عددا كبيرا من المجموعات المالية الدولية تقدمت بالفعل بطلبات للحصول على تراخيص للعمل في فرانكفورت، وأنها بصدد نقل مراكزها الأوروبية من العاصمة البريطانية لندن إلى فرانكفورت. ومن أمثلة هذه المجموعات سيتي غروب، وجي بي مورغان، وستاندارد تشارترد، وغولدمان ساكس. وذكرت وكالة بلومبرغ ان مورغان ستانلي يعتزم نقل جزء كبير من اصوله المالية أيضا إلى فرانكفورت، تصل قيمته إلى 100 مليار يورو أو ما يعادل حوالي 121 مليار دولار، حيث سيتم تفضيل إجراء عمليات المقاصة باليورو بدلا عن الاسترليني. ونتيجة لذلك فإن انخفاض الطلب على الاسترليني في المعاملات الدولية من شأنه أن يؤدي إلى تقليل جاذبية العملة البريطانية وانخفاض قيمتها.
وقد خسر الاسترليني بالفعل في نهاية الأسبوع الأخير ما يقرب من 1 في المئة من قيمته أمام كل من الدولار واليورو. وسيؤدي خروج بريطانيا بدون اتفاق تجاري إلى تعرض الاسترليني للمزيد من الضغوط، بحيث يهبط إلى مادون 1.3 دولار للجنيه الواحد، وربما يهوي إلى 1.28 دولار أو أقل من ذلك، خصوصا اذا نجح الكونغرس في الاتفاق على صفقة تحفيز اقتصادي ملائمة توفر للولايات المتحدة فرصا أفضل للنمو وتوفير الوظائف ودعم الإنفاق الاستهلاكي، وهو ما سيدعم قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى عموما.
وفي حال خروج بريطانيا بغير اتفاق تجاري، فإن جاذبية القطاع العقاري للاستثمار من المتوقع أن تنخفض خصوصا في العاصمة لندن التي قد تخسر نسبة كبيرة من العاملين الأجانب في أسواق المال وشركات التكنولوجيا واللوجيستيات. وفي مناطق شرق لندن التي كانت قد ازدهرت بفعل انتعاش الطلب على المكاتب الإدارية، من المتوقع أن يؤدي انسحاب العديد من شركات الوساطة المالية والمجموعات المصرفية الدولية إلى إخلاء العقارات التي كانت تشغلها، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الإسكان الإداري التي ظهرت بوادرها مع ارتفاع نسبة العاملين من بيوتهم وليس من مكاتب الشركات. كما سيتأثر كذلك قطاع الإسكان العائلي خصوصا في لندن.
وإذا لعب الخوف من الخسائر دور العامل المرجح للتوصل إلى اتفاق تجاري، فلا شك أن ذلك سيؤدي الى التخفيف من حدة الخسائر المتوقعة بين بريطانيا وبين سوق الـ 450 مليون مواطن في دول الاتحاد الأوروبي. أما إذا استهتر السياسيون بخطورة الخسائر، فإن دول الاتحاد الأوروبي ستكون قادرة على اقتسام الخسائر فيما بينها، لكن بريطانيا ستكون مضطرة لأن تتحمل وحدها هذه الخسائر بدون عون من أحد. في كل الأحوال ستتعرض بريطانيا تجاريا وماليا ولوجيستيا لضغوط هائلة اعتبارا من الأول من كانون الثاني/يناير المقبل، وستزيد حدة هذه الضغوط بشكل كبير في حال عدم التوصل لاتفاق ينظم ما يقرب من نصف علاقاتها التجارية مع العالم، التي تتركز مع دول الاتحاد الأوروبي. وما المسرحية الهزلية التي نرى فصلها الأخير الآن إلا اللحظة الأخيرة قبل إسدال الستار على أخطر تطور تمر به بريطانيا منذ نهايتها الامبراطورية. حكومة بوريس جونسون يمكنها أن تتعاون مع أوروبا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها من المحتمل أيضا أن ترتكب حماقة تاريخية من باب العنجهية السياسية فتكتب بذلك نهاية حزينة لقصة تدهور مكانة بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية