«بساتين البصرة» رواية المصرية منصورة عز الدين: التشويق والقيمة الإنسانية والفكرية

د. محمد سليم شوشة
حجم الخط
0

رواية «بساتين البصرة» للروائية المصرية منصورة عز الدين هي في تقديرنا واحدة من الروايات العربية المتميزة وشديدة الخصوصية وذلك لعدد من الأسباب ربما يكون أكثرها جذبا للانتباه وليس أهمها كونها تمكنت من الجمع بين التشويق الشديد القريب من روايات الجريمة واللغز وبين القيمة الدلالية والفكرية أو الانشغال ببعض الأسئلة المهمة والراسخة مثل التكوين النفسي والديني لصاحب الكبيرة وموقف الدين منه، هذا السؤال القديم الجديد الذي تسبب في اعتزال واصل بن عطاء للحسن البصري ونشأة أحد أهم التيارات الفكرية في التاريخ الإسلامي وهو تيار المعتزلة.
صاحب الكبيرة يُطرح في رواية «بساتين البصرة» عبر شكل سردي جمالي تشويقي له أبعاده النفسية وصراعه الداخلي وله تكوينه العميق وبخاصة الأحلام برموزها وأسرارها وامتدادات أثرها. صاحب الكبيرة يتشكل في صورة محددة وهي القتل ربما أكبر الكبائر إن تركنا فقط الفتنة بحسب التعبير المقدس في القرآن (والفتنة أشد من القتل)، فهنا سؤال صاحب الكبيرة يُطرح عبر حكايتين مشوقتين ومتضافرتين ومغزولتين ببعضهما على نحو طريف وجديد. وفي الحكايتين ثلاث جرائم قتل مفجعة وغريبة وكل واحدة منها يجعلها الخطاب السردي لغزا وسرا يتم كشفه في مرحلة ومساحة محسوبة من فضاء النص الروائي حتى يحقق منها أكبر ناتج للدهشة.
لدينا قصتان كبريان، قصة عصرية وقصة تاريخية، والاثنتان مشبّكتان ببعضهما حد التماهي والالتحام، وذلك حين يتماهى تماما بطل القصة المعاصرة هشام خطاب مع القصة التاريخية يزيد ابن أبيه الذي هو بذاته شخصية ملغزة. والإلغاز والأسرار هي بذاتها رابط فضلا عن الأحلام التي يحلم بها الشخصان وكتاب «تفسير الأحلام» لابن سيرين الذي يهتم به هشام ويصبح علامة سيميائية رابطة لعناصر الرواية ببعضها وتزيل هذه الأحلام عبر علاماتها المشتركة الحدود الفاصلة بين عالمي الحكايتين؛ العصرية والتاريخية، قصة يزيد بن أبيه الذي كان مصاحبا للحسن البصري ثم واصل بن عطاء ويقتل وهو في الأصل قاتل ينكشف سره لاحقا في جزء تال من الرواية. ويصل الأمر مع توظيف علامات الأحلام وألغازها إلى حد التماهي التام بين الشخصيتين ليكون الاثنان شخصا واحدا في حال أقرب إلى تناسخ الأرواح ولكنها وفق رؤية عصرية نابعة من فكرة المرض النفسي وتهويماته فضلا عن اختلاط الذاكرة والرغبة في التماهي مع الآخر بعدما قد عرف بكل قصته.
لهذه الرواية في الحقيقة عدد كبير من المنجزات الجمالية المهمة الأخرى التي لا تقل عن الجمع بين التشويق والقيمة الفكرية، ومن هذه الجماليات أنها تأسست على نماذج إنسانية مركبة وتتسم بطابع حركي وتكوين نفسي يبدو في ظاهره هادئا على نحو ما نرى من البداية مع شخصيتي يزيد بن أبيه الخواص ومالك بن عدي النساخ، وكيف تجسدا في رؤية واصل بن عطاء في البداية، ثم فيما يشبه الانفجار السردي نكتشف قدر ما يخبئ كل واحد منهما من الأسرار والجرائم وكيف تتفاوت جرائمهما.

وتختلط الأمور على القارئ الذي يصبح منحازا هذه المرة لنماذج ارتكبت جرائمها وقتلت بتخطيط ودم بارد وهي في الوقت نفسه حاوية لقدر كبير من الخير والإخلاص ربما لمن قتلته والأمر نفسه ينطبق على جريمة هشام خطاب في الحكاية المعاصرة، لنكون أمام ذوات بشرية تتصادى في نهر الإنسانية على نحو طريف ومثير للشجن يجمع الماضي بالحاضر أو يكون فيه البشر مرايا لبعضهم بشكل قدري وقهري غرائبي. في مستوى آخر يمكن رصد أحد المنجزات الجمالية الأخرى لرواية «بساتين البصرة» عبر كشف العلاقات الداخلية للخطاب الروائي وبحث نسق التصادي أو التكرار المقنّع إن جاز التعبير وكذلك العلامات العابرة للحكايات الفرعية وكيف تؤدي دورها في ربط أطراف الخطاب وعناصره وكيف تؤدي دورها في إنتاج شعرية الخطاب الروائي ووحدته الكلية أو الشاملة، وأن كل هذه العلاقات الداخلية أسهمت بشكل مباشر في أن ينتفي الترهل تماما عن رواية مترامية الأطراف وتتحرك بين زمنين ممتدّين وتقوم على حكايتين كان يمكن أن تكون كل واحدة منهما رواية قائمة بذاتها من حيث الحجم.
إن ربط قصة هشام خطاب وعالمه بقصة يزيد بن أبيه وعالمه هو بذاته يمثل المعادلة الجمالية الأهم للرواية، وبخاصة إذا ما بحثنا بالتفصيل وبدقة في آليات هذا الربط وكيف تجسد في علامات بعينها أبرزها كما ذكرنا ما ينتج عن الأحلام وكتاب ابن سيرين ووحدة الجريمة ووحدة السؤال ووحدة الحال النفسية فيكون الماضي مرآة للحاضر والعكس. فلا نعرف من منهما يرى نفسه في الآخر أو من منهما يفسر شخصية الآخر أو يقدم قراءة له من وجهة نظر التلقي وليس من وجهة نظر إحدى الشخصيتين، لأن شخصية يزيد لا يمكن افتراض أنها قد ترى نفسها فيما سوف يأتي إلا عبر أحلام مستقبلية ستكون أشد غرابة، وهو ما لم تشر له الرواية مطلقا وفي هذا قدر من التوفيق والذكاء السردي.
في هذه الرواية جماليات عديدة وفيها صنعة سردية كبيرة لكونها مثلا تمكنت من الانسحاب والصمت أمام نوافذ كثيرة للاستطراد والترهل مع أشياء تاريخية قد لا تكون مجدية تبدو مفتوحة في جسد الحكايتين، على نحو ما نرى في تصرف السرد مع تجسيد الصراع الفكري والديني الذي حدث مع نشأة المعتزلة وميلاد تيارهم. فنجد أن ذلك قد تم عبر أقل المشاهد والجدل الكلامي وهو بذاته كان يمثل مزلقا للإسهاب والثرثرة والبعد عن أطراف الحكاية المركزية وصراعها أمام بعض الروائيين الآخرين لو كانوا يكتبون في الحقبة ذاتها. ربما الاستراتيجية البوليسية المشوقة المحددة من البداية، وكذلك الرغبة في تحويل سؤال صاحب الكبيرة إلى شكل عملي وتنفيذي وقصة تحقق الجريمة، هي العوامل الخفية التي جعلت اختيارات المسار السردي على هذا النحو من التركيز على حكاية يزيد بن أبيه مع صاحبه مالك بن عدي النساخ وجرائمهما بالإضافة إلى جرائم زوجة يزيد بينهما.
في هذه الرواية كذلك مزيج طريف وغريب من العجائبية التي تشتبك بالمنطقي والعلمي والواقعي، عجائبية الأحلام والنفس البشرية المركبة وتناسخ الأرواح أو حالات التوهم، وهي برغم ذلك تظل تعمل في المساحة الأكبر على المنطقي والعقلي والمعرفي والواقع بأبعاده المحددة والمدركة بالحواس والمألوفة في حياتنا الواقعية، على نحو ما نرى مع قصة حب ليلي وهروبها مع والد خالد أو قصة حب هشام مع بيلا روزينفيلد (ميرفت) أو غيرها من أطراف الحكاية المعاصرة مترامية الأطراف ولكنها تأتي في تكثيف شديد.
فعلى سبيل المثال نجد أن الرواية تحطّ في أرض الواقع عبر مكونات مثل هيمنة الفساد الإداري والمحسوبية في الحصول على فرصة عمل في عصر حسني مبارك أو موكبه الذي يوقف الشوارع وينتقم من البشر المتكدسين في أوقات القيظ حتى بعد مروره بمدة، وغيرها من الأبعاد الواقعية التي تمتزج بالتاريخي والعجائبي والألغاز في غير تعسف وذلك لأن كل هذه المكونات امتزجت على مستوى الفكرة الأساسية والموضوع الجوهري.
للغة السرد في هذه الرواية أدوار كثيرة لا يمكن اختزالها في مقولة بعينها أو تصور واحد، فكل هذه الحكايات الفرعية والمشكلة لقصتين كبريين يتم سردها في 163 صفحة فقط عبر لغة يمكن وصفها بالتبئير الداخلي وتجاوز البانورامي أو الوصف الخارجي الجاف. لغة داخلية نابضة وحيوية تقارب الحراك النفسي والصراع الداخلي لهذه النماذج البشرية وتلك الشخصيات المركبة، وتموج بقلق شديد ولها موقف شعوري وفكري خاصين من العالم ومن الغيبيات والدين. لغة حافلة بالاستعارات المختصرة والخاطفة التي لا تتجاوز الجمل القصيرة السريعة المتتابعة، وفي تقديرنا أن هذا السمت العام للغة صنع ما يشبه الروح اللغوية السردية لخطاب هذه الرواية، وشكّل لها شعريتها السردية لأننا لم نكن برغم تفاوت الأصوات وكذلك تعدد زوايا رصد العوالم أمام تشعب لغوي أو تناثر وتفكك عام للغة الرواية، وهذا أمر مهم ولا يتعارض مع فكرة أخرى مهمة هي الخاصة بتنوع لغة السرد واختلافها شكليا باختلاف صاحب الصوت أو صاحب المنظور السردي.
فلغة هشام خطاب تبقى مختلفة عن لغة مالك بن عدي النساخ المخطوط القديم الافتراضي أو المتخيل، وثمة تراكمات من اللغات المتفاوتة لكنها ترتبط روحيا عبر السمت العام الذي أشرنا له، ليكون هناك نسقان من الاتفاق والاختلاف بين هذه البؤر اللغوية كل منهما يحقق أهدافا بعينها، فالاتفاق يعمل في مسار الوحدة الكلية للرواية، والاختلاف يعمل على إنتاج التمايز الشكلي بين لغة شخصية وأخرى. فعلى سبيل التمثيل نجد أن لغة بيلا روزينفيلد تختلف عن لغة هشام خطاب كما يختلف منظورهما لبعض، بيلا تجنح أحيانا إلى بعض العبارات العامية الخاطفة الأقرب للمثل الشعبي أو الاستخدام الشائع ولا تمتد لجمل كثيرة، فهي جملة واحدة عامية خاطفة ومضيئة وسط لغتها السردية الفصحى العصرية، تمثل بريقا وراحة ومحطة واختلافا عن اللغة الشعرية المحلقة في براحات التهويم والتاريخ القديم التي يميل إليها هشام في تدويناته.
والاثنان يختلفان في مستوى آخر عن لغة النساخ التي يبدو واضحا أنها لغة قريبة جدا من لغة النثر القديم في نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي، وهي  في الوقت ذاته نموذج متفرد مكثيف ومتطور من النثر القديم بحسب وصف الزنديق وهو المحقق والأستاذ الذي منح المخطوط لهشام خطاب. من يقرأ مخطوط مالك النساخ سينتقل إلى العصر العباسي ولغته وأجوائه كما ينتقل إلى البصرة وما دار فيها من نشاط اقتصادي وعلمي وما مرّ عليها من الأوبئة أو النعم والازدهار ويعيش على شط العرب ويأكل سمكا مشويا، فيتجسد العصر القديم بكامل تفاصيله وخصوصيته ولغته ثم ينتقل إلى هشام فيعيش في وسط البلد بالقاهرة ويمر بتحولاتها السياسية والاجتماعية ويجلس على زهرة البستان ويذهب إلى الكوربة والمريوطية وغيرها من الأماكن العصرية فضلا عن مدينة المنيا ونهر النيل، فيربط بين نهرين عربيين باختلاف الزمان والمكان ويتشكل لدينا نموذج إنساني عابر لهما يسترعي تعاطف المتلقي ويثير لديه كثيرا من الأسئلة.
والحقيقة أن كافة شخصيات الرواية تنتهي إلى نهايات مأساوية مثيرة للشفقة والتساؤل وتجعل أثر القراءة ممتدا إلى ما بعدها بكثير، محفورا في أعماق وعي المتلقي ولا وعيه ربما.
منصورة عز الدين:
«بساتين البصرة»
دار الشروق، القاهرة 2020
163 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية