■ يبدو أن الأسطورة المغربية الشهيرة «عايشة قنديشة» لم يقتصر تأثيرها على أدباء المغرب فحسب، من خلال رواية «عائشة القديسة» لمصطفى لغتيري مثلا، بل تعدى ذلك إلى المشرق كذلك، فكان توظيفها على شاشة التلفزيون بداية، ثم جاء دور الأدب الذي لم يتأخر كثيرا، إذ ظهرت إلى النور رواية الكاتب بسام الدويك «عائشة قنديشة» الصادرة عن دار «المثقفون العرب» عام 2017، وقد استثمر فيها الكاتب هذه الأسطورة، وبنى على أشلائها المتناثرة هنا وهناك متنا روائيا، حاول أن يكيفه مع الأجواء المصرية، بعد أن عمد إلى إعطاء نوع من اللمحة التاريخية أو التوثيقية عن هذه الشخصية، انطلاقا من بلاد الأندلس، التي عرفت ولادة شخصيتها الحقيقية خلال طرد المورسكيين من إسبانيا، ووصولا إلى بلاد المغرب التي انبثقت بين ظهرانيها شخصية الجنية، التي كانت نهاية عائشة الدموية المأساوية على يد الإسبان حافزا قويا لظهورها. وهذا طرح يختلف عما اعتاد المغاربة تداوله في ما بينهم، إذ يعتقدون أن «عايشة قنديشة» ظهرت في المنطقة الساحلية وتحديدا في مدينة مازغان قديما، مدينة الجديدة حديثا، حين كان البرتغاليون يستعمرون الثغور المغربية، وضمنها مدينة الجديدة الساحلية، فعاثوا في الأرض فسادا بسرقتهم للمحصولات الزراعية وقتل الأبرياء، ومن بينهم أحد أقرباء عائشة، التي قررت الانتقام باستعمال جمالها طعما للغزاة، فكانت تستدرج الجنود للمعاشرة ثم تجهز عليهم، فتولد بسبب ذلك الخوف منها، بعد أن لقبوها في ما بينهم بـ«الكونتسية» نظـــرا لجمالها اللافت، وبعد رحيل البرتغاليين عن المغرب حرف المغاربة الاسم وأصبح قنديشة، بدل الكنتيسة، وورثوا الخوف منها كذلك، فأضحت تظهر للرجال على الساحل فتغويهم ليتبعوها مسلوبي الإرادة، ثم تجهز عليهم بلا رحمة.
السارد يتنقل في ما بين الأزمنة الواقعية والأسطورية، محاولا أن يخلق نوعا من الانسجام ما بين الحياة الواقعية التي يعيشها ناجي في علاقته مع زوجته وأصدقائه وعائلته
في رواية بسام الدويك ترتبط هذه الجنية بشخص، سيعاني كثيرا من سطوتها، ويدعى «ناجي المنصوري» وهو رجل مثقف، ستكون الصدفة حاسمة في تعرفه على هذه الجنية، فبعد شرائه لكتاب قديم يعرف بهذه المرأة، تظهر له حقيقة، وتدخله عنوة إلى عالمها الغرائبي العجيب.
لقد حاول الكاتب في هذه الرواية اللعب على عدة أبعاد، خاصة على مستوى الزمن، فنجد السارد يتنقل في ما بين الأزمنة الواقعية والأسطورية، محاولا أن يخلق نوعا من الانسجام ما بين الحياة الواقعية التي يعيشها ناجي في علاقته مع زوجته وأصدقائه وعائلته، والعالم الجديد الذي وجد نفسه فجأة منغمسا فيه من قمة رأسه حتى أخمص قدميه.. كما أنه يضرب بالزمن عميقا في الطفولة، وقد فعل ذلك ربما لتبرير الحساسية التي يتميز بها البطل تجاه كل ما يحيط به، فتلك الورقة التي يعثر عليها داخل الصندوق والتي يعرف منها انتسابه إلى سلالة النبي، ستبقى راسخة في ذهنه، وتسم شخصيته بميسم روحي لا غبار عليه، سيجعل بعض ما يحدث له من أحداث في المستقبل له ما يبرره.
كما أن إيراد حكاية «سيدي منصور « المغربي الذي عزم على الحج، فاعترضت طريقة خلال السفر عايشة قنديشة، قد زاد من تشعب الرواية، حتى إن بدا في كثير من الأحيان تشعبا غير مبرر بشكل كامل، حتى وإن كان يروم تأصيل الحكاية من خلال ربط الماضي بالحاضر، وترسيخ انتماء البطل إلى بلد المغرب، حتى تصبح للحكاية جذور منطقية، خاصة أن سيدي منصور هو الجد الأكبر لناجي، وقد وقعت الحادثة في زمان كان المغاربة يحجون على الدواب ويقضون في سفرهم زمنا طويلا.
ولعل هذا التلاعب بالأزمنة ما جعل المتن الروائي متعدد الأبعاد، فأحيانا تشعر بأنك إزاء رواية تاريخية، خاصة عند مفتتح الرواية، ثم ما تلبث أن تقر بأنك إزاء رواية واقعية بأحداث واقعية وحياة بكامل تفاصيلها، انطلاقا من الجامعة، حتى العمل مرورا بالعلاقات المميزة بالأصدقاء، ويزيد من شدة هذا الإحساس توظيف الكاتب لعالم الإنترنت، والمحادثات الحميمة التي كان يجريها ضمن دردشات، تجعلك تشعر بأنك بالفعل أمام أحداث واقعية، وبعد التوغل في القراءة لا يخالجك الشك في أنك تقرأ رواية ذات طابع نفسي، تتميز بالتعمق في نفسيات الشخوص، لكن حضور العالم الغرائبي لعايشة قنديشة وتداخلها مع الواقع وأحداثه يجعلك كذلك تشك في أنك تقرأ رواية فنتاستيكية، كما أن التقصي البوليسي للبحث في اختفاء ناجي الغامض يؤهلها كذلك لتكون ولو من طرف خفي لا يكاد يعلن عن نفسه بأننا إزاء رواية بوليسية.
في الفيلا التي احتجزته فيها «عايشة قنديشة» كان ناجي يخضع لاختبارات قاسية، جعلته يشعر بكثير من الارتباك، محاولة أن تجعله ييأس من حياته الماضية مع زوجته وأبنائه ليتفرغ لها كليا، ومن الحيل التي التجأت إليها تدميرها لبيته وجعله يرى ذلك بأم عينيه من خلال شاشة حقيقية، ثم التغلغل في أعماقه والاطلاع على كل أفكاره ونواياه، ما جعله في حيرة من نفسه.
كان احتجــــاز ناجي من أجل الخضوع لاختبارات تجريها له «عايشة قنديشة» بشـــكل غير مباشر، كان هناك نــــوع من الاتصال عبر الذاكرة مع فتيات، يجري معهـــن حوارات تنتــــهي بقرار ما يتخذه ناجي، وتحكم عائشـــة عليه بناء على ذلك، لتخلص إلى ما إذا كان قد توفق أم فشل في اختباره.
في رحلة الذاكرة هذه كان يعيش أخطاءه السابقة من جديد، تلك الأخطاء التي ارتكبها في حياته وأثقلت على ضميره وأتعبته، فكانت هذه الرحلة بمثابة نوع من التطهير بالنسبة له. يخرج منها خائر القوى منهكا بشكل لا يصدق، وحين يعود إلى وعيه يجد عائشة أمام عينيه تدلله بكلمات العشق المعتادة. حتى إنها وقعت في حبها عكس ما توارثته من جداتها من عادات، والتي تقتضي إغواء الرجال وإذلالهم ثم قتلهم بعد ذلك.
رغم مرور سبع سنين على احتجاز عائشة له، فقد استطاع التخلص منها بعد أن نجح في الاختبار، والذي تجلى في رفضه لغواية الجنس بقوله «لا» للإغراء، ليعود إلى أسرته سالما معافى، ولتوقظه زوجته من نومه العميق ليكتشف القارئ أن كل ما حدث مجرد حلم ثقيل، حتى وإن حمل البطل معه على جسده بعضا من أثر هذه المغامرة الغرائبية العجيبة.
٭ كاتب مغربي