باريس- “القدس العربي”:
كشفت صحيفة “لوفيغارو”، نقلا عن مصدر دبلوماسي في العراق، أن وزارة الخارجية العراقية بعثت رسالة إلى فرنسا مفادها ضرورة تأجيل مؤتمر بغداد، الذي يفترض أن يعقده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مع قادة الدول العربية والإسلامية المجاورة للعراق، وذلك بسبب الحرب في غزة وتداعياتها على المنطقة. وأوضحت الصحيفة أن الإليزيه أكد لها هذه المعلومات.
وأوضح المصدر الدبلوماسي في بغداد أن “المؤتمر ليس ملغياً رسمياً، بل مؤجل إلى أجل غير مسمى، دون تحديد أي موعد جديد في عام 2024”. وهي النسخة الثالثة من الصيغة التي أطلقتها فرنسا، والتي، على الرغم من خروجها بنتائج ملموسة، إلا أنها سمحت لإيران وتركيا ودول الخليج والأردن ومصر بالتركيز على التعاون الاقتصادي لإنعاش العراق مرة أخرى، في حين ما يزال هذا البلد يعاني من العواقب الكارثية للغزو الأمريكي عام 2003.
بالنسبة لباريس، التي شاركت مع العراق في رعاية المؤتمر والتي وافقت أخيرًا على قبول دول أوروبية أخرى، مثل إيطاليا، كان هذا هو النجاح الدبلوماسي الوحيد لإيمانويل ماكرون في الشرق الأوسط، تقول “لوفيغارو”. لكن موقف فرنسا من الحرب بين إسرائيل وحماس، والذي اتسم بالدعم الواضح للدولة العبرية، ساهم في جعل عقد هذا المؤتمر أمراً غير وارد.
ونقلت “لوفيغارو” عن خبير في الحياة السياسية العراقية، قوله: “يُنظر إلى فرنسا اليوم على أنها دولة متحالفة وحتى متواطئة مع إسرائيل. ولذلك فإن تنظيم قمة اقتصادية بينما يعاني الفلسطينيون سيكون أمرا مخزيا”. وتنقل الصحيفة عن دبلوماسي عراقي، قوله: “في بغداد، كما هو الحال في أي مكان آخر في الشرق الأوسط، كانت فكرة الرئيس الفرنسي بتوسيع التحالف الدولي ضد «داعش»، الذي يعمل في العراق وسوريا ليشمل حركة حماس، مذهلة في البداية قبل أن يتم انتقادها لعدم جدواها العملي. وحماس هي المقاومة لإسرائيل، وبالنسبة لنا، نحن العراقيين، حماس ليست داعش، والاقتراح الفرنسي مثير للسخرية”.
وعلى مدى عشرة أيام، حاول الإليزيه والسفارة الفرنسية في بغداد “تصحيح” النظرة إلى المواقف الفرنسية. واتصل إيمانويل ماكرون برئيس الوزراء محمد السوداني لـ”شرح جيد” لسياسته. بدوره، زاد السفير إيريك شوفالييه لقاءاته مع السلطات العراقية “ليؤكد لهم أن هناك سوء فهم، وأن فرنسا لا تمارس معايير مزدوجة، وأنه إذا كان لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها، فمن حق الفلسطينيين أن تكون لهم دولة”. باختصار، العودة إلى أساسيات الدبلوماسية الفرنسية… منذ عشرين عاماً. والمشكلة هنا هي أن هذا التذكير لم يعد مقنعاً في العراق، كما هو الحال في بقية بلدان الشرق الأوسط والمغرب العربي، توضّح “لوفيغارو”.
وتنقل الصحيفة عن دبلوماسي فرنسي في باريس، قوله: “ردود الفعل من سفاراتنا في المنطقة غالبا ما تكون مثيرة للقلق.. السفراء يرسلون رسائل تحذير إلى الخارجية مفادها أن الخط الفرنسي لا يمكن الدفاع عنه في نظرهم.. الناس في العالم العربي لا يفهمون أننا لا نرسل رسائل تعاطف”.
وفي الأسابيع الأخيرة، تجمع آلاف المتظاهرين أمام السفارات الفرنسية في لبنان وإيران وتونس، بينما تم تمزيق صور إيمانويل ماكرون في رام الله بالضفة الغربية، تُشير “لوفيغارو”، مضيفة أنه علاوة على علامات الاستياء هذه، التي ما تزال ضئيلة نسبياً، فإن الصحافة، القريبة غالباً من السلطات، تعرب عن خيبة أملها إزاء مواقف فرنسا. فيوم الجمعة الماضي، شجبت افتتاحية صحيفة الشرق الأوسط السعودية اليومية “تخلي” إيمانويل ماكرون عن “إرث فرانسوا ميتران وجاك شيراك، اللذين فرضا دوراً فرنسياً نشطاً” في الشرق الأوسط، وتبنيه بشكلٍ كامل للرواية الإسرائيلية”.
في هذه الأثناء، تم تعزيز الأمن حول السفارة الفرنسية والممثليات الدبلوماسية الأخرى من قبل وزارة الداخلية العراقية، بعد خطاب للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، الذي استمع إليه الشارع على نطاق واسع، والذي ندد فيه بدعم فرنسا واليابان والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، على وجه الخصوص، لإسرائيل.